كانت المهمة التي أولى لها النظام الحالي في مصر، عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي من السلطة؛ إيلاءً كبيرًا، إحكام السيطرة على المجال الديني، وفرض مزيد من القيود على الوزارات المسؤولة عن هذه المهمة.

خُطبة جمعة موحدة

في البيان الصادر عن وزارة الأوقاف المصرية، الأسبوع الماضي، صدر تكليف رسمي لكافة أئمة مساجد مصر، بقراءة خُطبة الجمعة الموحدة المكتوبة، الصادرة من الوزارة نفسها، موضحة أنه قد شُكّلت لجنة لإعداد وصياغة موضوعات خُطب الجمعة.

«من يكتب خطبة الجمعة الموحدة؟»، يجيب عن ذلك صبري دويدار، وكيل أول وزارة الأوقاف في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»، إذ يقول: «علماء الدين في الأزهر ووزارة الأوقاف، هم المُكلفون بكتابة هذه الخطبة، وتعميمها على جميع أئمة المساجد»، موضحًا أنه سيتم استطلاع كذلك رأي لجنة الشؤون الدينية والأوقاف بمجلس النواب.

وأضاف دويدار أن الاتجاه نحو هذا القرار، جاء تطبيقًا لتكليفات من وزير الأوقاف، الذي أوصى بضرورة الشروع في تطبيق عدة إجراءات، من شأنها منع الخلط بين الدين والسياسة، مؤكدًا أن هذه الخطب «متوافقة مع روح الدين، وملائمة للواقع الاجتماعي الذي يعيشه الشعب المصري»، على حد تعبيره.

وعن العقوبات بشأن المخالفين لهذا القرار، رفض دويدار ذكر العقوبات التي حددتها وزارة الأوقاف، ضد الأئمة المخالفين، معللًا ذلك بقوله: «مسألة العقوبات لا تخصني».

وكانت الوزارة، استبقت هذا القرار بسلسة إجراءات، منذ عزل محمد مرسي، تضمن لها السيطرة على كافة المساجد، إذ أعلن وزير الأوقاف في سبتمبر (أيلول) 2013 عن تسريح قرابة 50 ألف إمام من العاملين بنظام المكافأة، ومنع صلاة الجمعة في الزوايا والمساجد التي تقل مساحتها عن 80 متر مربع، بالإضافة إلى السماح لأئمة الأوقاف فقط بالخطابة يوم الجمعة، تبعًا للقرار بالقانون الخاص بتنظيم الخطابة، الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور، قبيل تركه منصبه.

وقالت وزارة الأوقاف عبر موقعها على الإنترنت، وصفحتها على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، إن الوزير «يشكر جميع الأئمة الذين بادروا بأداء وتنفيذ فكرة الخطبة المكتوبة اليوم، تطوعًا دون إلزام قبل صدور قرار التعميم». كما نشرت مقطع فيديو يتضمن تصريحات للوزير مختار جُمعة، يدافع فيه عن فكرة الخطبة الموحدة وملاءمتها لمختلف المناطق في الريف والحضر، على حد قوله.

«صور المال الحرام المدمرة للأفراد والمجتمعات»، كان ذلك موضوع الخطبة الأولى التي أقرتها وزارة الأوقاف المصرية، بعد تطبيق القرار، والتي أوصى مضمون الخطبة المنشور على الموقع الإلكتروني للوزارة، «بضرورة تحري المال الحلال وصور المال الحرام، ومنها استباحة المال العام وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل مال اليتيم وأكل حق الغير في الميراث، والمال المكتسب بالرشوة أو الغش أو تطفيف الميزان والكيل، وأدلة ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية».

قوانين لتقييد الحريات الدينية

صاحبت ولاية الرئيس عبدالفتاح السيسي، سلسلة قوانين هدفت لتأميم المجال الديني لصالح السلطة، وزيادة درجة إحكامه على المساجد، إذ صدر قانون 51 لسنة 2014، لتنظيم الخطابة والدروس الدينية في المساجد، والذي نص في مادته الخامسة على عقوبة الحبس بمدة لا تقل عن شهر ولا تتجاوز سنة، وغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه، ولا تزيد عن 50 ألفًا، أو بإحدى هاتين العقوبتين لمن خالف المادة الثانية، التي تنص على عدم ممارسة الخطابة أو التدريس الديني، إلا وفق ترخيص من وزارة الأوقاف أو من مشيخة الأزهر، ومضاعفة العقوبة في حالة تكرار ذلك.

المجال الديني

ولاية السيسي صاحبتها سلسلة قوانين هدفت لتأميم المجال الديني


وشملت قوانين السيطرة والتاميم، إعلان شيخ الأزهر أحمد الطيب، تأسيس «بيت الزكاة»، كمحاولة لمراقبة الصدقات التطوعية التي ينفقها المصريون، وأوجه إنفاق هذه الأموال، عن طريق مجلس أمناء لهذه المؤسسة، ضمت في عضويتها الوزيرة السابقة في عهد الرئيس المخلوع محمد حُسني مُبارك، فايزة أبوالنجا، ورئيس البنك المركزي السابق فاروق العقدة.

كما سعت السلطة لمُحاصرة الجمعيات الدعوية كالجمعية الشرعية، التي طلبت منها وزارة الأوقاف تسليم مساجدها، ووضع معاهدها الدينية تحت إشراف الدولة، وإخضاع أموالها للرقابة.

كما امتدت استراتيجية السلطة في هذا النحو، إلى إغلاق كافة القنوات الدينية، التي تتبع التيارات الإسلامية من الإخوان المسلمين أو السلفيين، أو بإعادة تغيير هوية برامجها كقناة الناس، التي غيّرت جلدها بتقديمها شيوخًا أزهريين وصوفيين، تُدين بالولاء الكامل للسلطة.

وبحسب التقرير الصادر لجورج فهمي، الباحث بمركز كارنيجي للأبحاث والدراسات السياسية، فإن هذه القوانين والتطورات، ترمز لعدم اكتفاء السلطة بالقضاء على المعارضة الحالية للنظام وحسب، بل أيضًا القضاء على أي مقاومة مستقبلية قد تنبثق عن الهيئات الدينية المختلفة، أو المؤسّسات العاملة في المجال الديني.

نخبة السيسي الدينية

محمد مختار جمعة.. وزير أوقاف 30 يونيو (حزيران)

هو أحد الدعامات الرئيسية، التي استعانت بها السلطة السياسية، لاستئصال كافة أعضاء جماعة الإخوان المسلمين من المساجد والجمعيات الدعوية، إلى جانب إطلاق فتاوى تضفي شرعية دينية على القرارات الرئاسية، ما كفل له البقاء في منصبه منذ توليه حقيبة وزارة الأوقاف، في حكومة حازم الببلاوي عقب الثالث من يوليو (تموز) 2013، وذلك على خلاف أغلب المناصب الوزارية الأخرى.

جمعة الذي حظي بترشيح شيخ الأزهر، أحمد الطيب، لاعتلائه منصب الوزير، أصدر عددًا من القرارات كانت أشبه برد الجميل للطيب، كنقل تبعية الجامع الأزهر من الوزارة، إلى الإشراف المباشر لمؤسسة الأزهر.

المجال الديني

محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري


التقارير التي تُثبت تورط جمعة في قضايا فساد مالي، ورشاوى مالية لصالحه وأعوانه داخل الوزارة، عبر استخدامه لسلطات منصبه بطريقة غير شرعية، لم تكن كفيلة بعزله عن منصبه، لأسباب ربطها الكثيرون بالخدمات الكبيرة التي قدمها للسلطة، من استئصال للمنتمين للتيارات الإسلامية من المساجد، وتأميم جميع المنابر الدينية لصالح السلطة، والتماهي المُطلق مع السيسي.

يُذكر أن وزارة الأوقاف، هي الجهة المكلّفة بالإشراف على الشؤون الدينية، والمخول لها دفع رواتب أئمة المساجد، وكافة احتياجات الهيئات الدينية.

من الأمور التي كفلت لمختار جمعة، إحكامه السيطرة على المساجد، وعزل مئات الموظفين داخل الوزارة، وتأميم المجال الديني؛ عمله السابق بالجمعية الشرعية لسنوات عديدة، قبل أن يتركها وينتقل للعمل بالمكتب الفني لشيخ الأزهر، وكانت سببًا رئيسيًا في ترشيح أحمد الطيب له للوزارة.

أسامة الأزهري.. الذي زج بتلاميذه في السجون

هو أحد الوجوه التي لمعت خلال عهد السيسي، كرمز من رموز «ثورة تجديد الخطاب الديني» التي يقودها السيسي، وباعتباره أيضًا داعيةً مستنيرًا ومنظرًا للسلطة في القضايا الدينية والخلافات الفقهية، كونه مستشار السيسي للشؤون الدينية.

الأزهري الذي أتمم الأربعين قبل يومين، قدمه مفتي الديار المصرية السابق، علي جمعة، كأحد أنجب ما فاضت به باحات الجامع الأزهر، ليبدأ التدرج داخل المناصب في مؤسسة الأزهر، وصولًا إلى منصب مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية.

في تصريح لـ«ساسة بوست»، يقول أحد من تتلمذوا على يد الأزهري، في جامع الأزهر الشريف، وممن كانوا على صلة وثيقة بالأزهري في الفترة التي تلت ثورة 25 يناير، إن «أسامة الأزهري كان شيخًا معروفًا بين المجموعات الشبابية، التي كانت مرتبطة بثورة 25 يناير، وهو أحد من ساهموا في تأسيس مُبادرة شيخ العمود، التي كانت تهدف لنشر الوعي الديني بتنظيم دروس دينية في مساجد القاهرة، عقب التشويش الديني الذي كان يعيشه الشباب».

وأضاف الشاب الذي رفض الإفصاح عن اسمه لأسباب أمنية: «حظي الأزهري بشهرة واسعة وسط هذه المجموعات، لدرجة أنهم كانوا يقبلون يديه، كنوع من التقدير والتبجيل له»، موضحًا أن بداية اعتزال تلاميذه له، كان مع فض اعتصام رابعة العدوية، وموقفه الذي وصفه بـ«المخزي، وتودده للسلطة، وتدرجه في المناصب»، على حد تعبيره.

المجال الديني

أسامة الأزهري، مستشار الرئيس للشؤون الدينية

ويروي الشاب قصة زج الأزهري بأحد تلاميذه في السجن، بحسب قوله، إذ كان الأزهري يرغب في الاستعانة بأحد تلاميذه المقربين، وتعيينه في الأزهر، وتقديمه للسلطة «كأحد الشباب المعروف عنه وعيه الديني ومعرفته الواسعة»، إلا أنه حين رفض ذلك الشاب الأمر، زُجّ به وبأخيه في السجن، بتهمة «الانتماء لجماعة إرهابية». وبحسب المصدر، فإن ذلك الشاب وأخاه قد خرجا «بوساطة مفكر إسلامي معروف، ومُرشح سابق في الانتخابات الرئاسية بعد الثورة»، على حد تعبيره.

تحديث: في أعقاب نشر هذا التقرير، اتصل الإمام والخطيب الأزهري أنس السلطان، بـ«ساسة بوست»، وقال إن الرواية السابقة، المنسوبة لمصدرنا، عارية من الصحة، وإن أحدًا من تلامذة أسامة الأزهري لم يُلق القبض عليه بسببه، على حد قوله.

أحمد الطيب.. شيخ من عهد الحزب الوطني المنحل

تحقق للسلطة الحالية السيطرة على المؤسسة الأزهرية، عبر منصب شيخ الأزهر الذي يتولاه أحمد الطيب، والذي كان أيضاً من أدوات الدولة خلال عهد مبارك، للسيطرة على الأزهر والمجال الديني.

والطيب هو أحد الوجوه التي استعان بها مُبارك، منذ مارس (أذار) 2010، بعد وفاة شيخ الأزهر السابق محمد طنطاوي، إذ كان الطيب قبل تعيينه شيخًا للأزهر، رئيسًا لجامعة الأزهر، وعضوًا بأمانة السياسات في الحزب الوطني المنحل.


المصادر

تحميل المزيد