لأول مرة بعد انقطاع أكثر من 15 عامًا يلتقي رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم، الرئيس السوداني عمر البشير، مع رئيس حزب المؤتمر الشعبي المعارض، حسن الترابي، بشكل رسمي منذ افتراقهما عام 1999 على خلفية الخلاف السياسي داخل حركة الإنقاذ التي أطاح من خلالها البشير بحكم الرئيس السوداني المنتخب الصادق المهدي، الذي وصل بدوره إلى السلطة عقب الإطاحة الشعبية بحكم الرئيس جعفر النميري.


ومع وصول البشير إلى السلطة عام 1989 دب خلاف بينه وبين رفيقه في الحركة الإسلامية حسن الترابي على خلفية ترتيبات سياسية تتعلق بالسلطة؛ حيث سعى الترابي لجعل مناصب ولاة الأقاليم عبر الانتخاب إضافة إلى مطالبته باستحداث منصب رئيس الوزراء وهو ما رفضه البشير واعتبره محاولة للانقلاب عليه وانقسمت الحركة الإسلامية فى السودان على خلفية هذا الخلاف إلى تيارين رئيسيين.


واتخذ الترابي مواقف معارضة للبشير على طول الخط مما أدى إلى توقيفه واعتقاله عدة مرات، وكانت أكثر مواقف الترابي جدلاً هي تأييده لقرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف البشير لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور ومطالبته للبشير بتسليم نفسه.

1- انقلاب مصر يدعم تقارب الترابي والبشير

عانى نظام الرئيس السوداني عمر البشير من علاقات شابها كثير من التوتر مع مصر في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك وصلت لدرجة اتهام البشير بالضلوع في محاولة اغتيال الرئيس المخلوع حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، ويبدو أن عودة نظام مبارك إلى السلطة في مصر بعد الانقلاب العسكري قد ألهمت معارضي الحكم الإسلامى في مختلف أقطار العالم العربي ومنه السودان، بما دفع شقي الاتجاه الإسلامي في السودان نحو خطوة تضمن قدرًا من التقارب يتيح لهما مواجهة الأخطار المحتملة لامتدادات الحرب على الإسلاميين.


2- حظر الرياض لجماعة الإخوان سبب آخر



من المعلوم أيضًا أن السودان يعاني علاقات متوترة مع دول الخليج العربي وبخاصة السعودية منذ إعلان علاقته بالإخوان عقب أشهر من وصوله إلى السلطة، وما تبع ذلك من إجراءات وصفها نظام البشير بخطوات تطبيق الشريعة، وفي الأسابيع الشهيرة كثفت المملكة العربية السعودية حربها ضد الإسلاميين إقليميًّا، ويبدو أن الحرب هذه المرة تحظى بدعم دولي لا بأس به، خاصة في ظل الوضع الحرج للسودان ورئيسه عمر البشير الذي صدرت بحقه مذكرتي توقيف إلى الآن.

 

3- محاولة لإيجاد مخرج للخلاف السياسي المتفاقم في السودان

هناك ملفان سياسيان يهددان بوضوح نظام البشير، أولهما الاحتجاجات الشعبية المتزايدة وآخرها مظاهرات الجامعات في الخرطوم التي أسفرت عن وقوع قتيل وعدة إصابات خلال اليومين الماضيين؛ حيث تستمر المظاهرات منذ سبتمبر الماضي إثر قرار البشير بتخفيض الدعم على المحروقات بسبب تناقص العائدات النفطية للسودان – يمثل النفط المصدر الأول للدخل – إثر تداعيات انفصال الجنوب.


أما الملف الثاني والأكثر خطورة هو أزمة دارفور التي تتصاعد منذ سنوات؛ حيث تتواصل الاشتباكات بين الجيش السوداني والجماعات المسلحة المطالبة بالانفصال، ومن جانبه يتمسك الترابي بأهمية أن يضم الحوار السياسي كل الفصائل السودانية حتى الفصائل المسلحة بما في ذلك حركة العدل والمساواة – أبرز الحركات المسلحة في دارفور والمعروفة بقربها من الترابي – وهو ما كان يرفضه البشير، ولكنه على ما يبدو أنه سيكون مضطرًّا للقبول به خلال الفترة القادمة.

4- هل يلعب الترابي دور الوسيط السياسي؟


يشير مراقبون إلى أن البشير ربما يعوّل على قيام الترابي بدور الوسيط السياسي بين الحكومة وخصومها من المعارضين وأبرزهم كتلة الأحزاب العلمانية وأبرزها الحزب الشيوعي – الذي يُنظر إليه كواحد من أقوى الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط وإفريقيا – وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب المؤتمر السوداني وثلاثتها تحظى بنفوذ قوي وسط المثقفين والمهنيين والشباب والطلاب.


كذلك الحركات المسلحة في دارفور وعلى رأسها حركة تحرير السودان جناح أركو مناوي، وحركة تحرير السودان جناح عبد الواحد نور، بجانب الحركة الشعبية قطاع الشمال التي تحارب الحكومة في ولايتين متاخمتين للجنوب ولها توجهات علمانية.


وأخيرًا يأتى الحزبان المعارضان الأكبر في البلاد بحسب آخر انتخابات معترف بها أجريت في 1986 وهما حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي – الرئيس الذي انقلب عليه البشير – والحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة محمد عثمان الميرغني، وكلا الحزبين يصف نفسه بكونه مدنيًّا ذو مرجعية إسلامية.

 

5- هل يتحالف البشير والترابي من جديد؟


قال الصادق المهدي – زعيم حزب الأمة القومي، أكبر الأحزاب المعارضة – في مؤتمر صحفي الخميس تعليقًا على الحديث عن تقارب الإسلاميين: “إذا اجتمعا للعودة للمربع الأول الذي أذاق السودان عشر سنوات من التمكين والإقصاء والقهر فسوف نعارضهم كما فعلنا منذ البداية وإذا كان اتحادهما لصالح الأجندة الوطنية فنحن نرحب به ونعتبره جزءًا من ترميم الجسم الوطني المطلوب”.

وحذر المهدي – وهو آخر رئيس منتخب انقلب عليه الجنرال البشير مدعومًا من الترابي في 1989 – من انتقال الاستقطاب في المشهد المصري ما بين أنصار الإخوان المسلمين ومعارضيهم إلى السودان، قائلاً: “التكوينات السودانية ذات المرجعية الإخوانية يتوقع أن تنحاز مع الإخوان وتجر للبلاد كل الإجراءات الموجهة ضد كل ذوي المرجعيات الإخوانية والتكوينات السودانية ذات المرجعية العلمانية يتوقع أن تنحاز للموقف المضاد وتجد دعمًا من جبهة اجتثاث الإخوان”.

ويشير مراقبون إلى أن اتحاد تياري البشير والترابى يظل أمرًا مستبعدًا، إلا أنه من غير المستبعد قيام تحالف انتخابى بينهما – وإن كانت فرصته لا تزال ضئيلة بسبب الخلاف التاريخي – في الانتخابات المقررة أواخر العام الحالي وهو تحالف قد ينذر بزيادة الاضطراب السياسي في السودان ما لم يسبقه اتفاق سياسي وضمانات كافية بشأن الانتخابات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد