مسنون مصريون يختمون رسالتهم في الحياة ليجدوا أنفسهم وجهًا لوجه أمام شبح الوحدة، أحيانًا يغادرون منازلهم بكامل إرادتهم بحثًا عن الأمان وبعدًا عن الوحدة والوحشة، وبحثًا عمّن يحميهم في دور المسنين.

وهناك دور المسنين بالمناطق الشعبية، تلك التي لا يأتيها الطبيب سوى مرة كل عدة أشهر، وكثيرًا ما ينتظر القائمون عليها وجبات الطعام التي يرسلها الجيران على سبيل التبرع، ولا يلاقون أية خدمات أو وسائل ترفيهية، وربما لا يجد المسن فيها من يتذكر ميعاد دوائه، تلك بعض معاناة المسنين في الدور الخارجية، ومنهم من يبحث عن وسائل أخرى تمكنه من الحصول على الونس أو مواجهة ظروف الحياة.

Embed from Getty Images

وحدة قاتلة وفراغ بلا نهاية

مروة هي فتاة عمرها 27 عامًا، متطوعة في النشاط الخيري بإحدى الجمعيات الخيرية، وتعمل موظفة بالجمعية، كانت مروة تذهب لإحدى المسنات وتجلس معها في بيتها وتساعدها على قضاء حوائجها، بدأ الأمر رغبة في فعل الخير، ثم تطور لعلاقة إنسانية يجد فيها كل طرف لدى الآخر شيئًا يحتاجه، تعبر مروة عن ذلك قائلة: «كل ما أعرفه أنني وجدت نفسي أحبها كثيرًا، ولا أستطيع أن يمرّ عليّ أكثر من أسبوع دون أن أراها، كان حالها المادي ميسورًا جدًا، ولا تحتاج إلى مساعدة مادية من أحد، كل ما كانت تطلبه هو الود والونس».

وتفصّل مروة أكثر عن حال المسنة وحال أسرتها: «كانت مريضة بالسرطان، وقد أنجبت ولدًا وبنتًا، وزوجها متوفى، كانت ابنتها تراعيها وتسأل عنها، وتحضر معها جلسات العلاج الكيماوي، رغم أن الابنة كانت متزوجة ومنشغلة ببيتها وزوجها، لكنها واظبت على رعايتها، إلى أن توفيت هي وزوجها منذ نحو العام، ولتترك وراءها أمها المسنّه دون أن تجد من يسأل عنها، وكانت علاقة ابنها بها مقتصرة على الزيارات».

وتضيف: «تطوعت أنا واثنان من زملائي في الجمعية لكي نزورها، ثم تطورت علاقتي بها جدًا، وأصبحت أزورها كثيرًا، وكنت أعرض عليها الذهاب معها لجلسات العلاج الكيماوي، وكانت تعدني أنه إذا تخلف ابنها عن الذهاب ستطلب مني هذا».

وتعلق إيمان محمد – مسئولة نشاط زيارة المسنين بإحدى الجمعيات الخيرية – قائلة: «نحن نوفر نوعين من الخدمات للمسنين: النوع الأول أن نذهب لدور المسنين، نجلس معهم ونلبي لهم ما يحتاجونه، ولو احتاجت الدور إلى صيانة فإننا نقوم بها». وتستطرد: «أما النوع الثاني فهو أننا نوفر خدمة أن يذهب المتطوعون للمسن الذي يطلب الونس في بيته، وتعتمد هذه الخدمة على الاتصالات التليفونية التي تأتي للجمعية من المسنين الذين يحتاجون إلى هذه الخدمة ويرغبون فيها، زيارات المتطوعين للمسن تتراوح ما بين مرة إلى ثلاث مرات أسبوعيًا، يقضون اليوم معهم.. ويجهزون لهم وجبات طعام، ويساعدونهم في تنظيف شققهم».

مُضيفةً: «هناك حالات كثيرة تكون في احتياج لهذه الخدمة؛ لأن الوحدة أقسى ما يتعرض له المسن الذي يجلس في منزله بسبب انشغال أبنائه وقلة سؤالهم عنه، وكثيرًا ما تنشأ علاقات إنسانية بين المسن والمتطوع، فيقص لنا المتطوعون أنهم أحيانًا عندما يتأخرون عن زيارة المسن، يستقبلهم عند زيارتهم بالدموع، ويعاتبهم على التأخر عليه».

كيف ستدمر «الشيخوخة» الدول الكبرى اقتصاديًّا وعسكريًّا؟

شيوخ وعجائز في دوامة «أكل العيش»

امرأة مسنة ربما تكون قد تجاوزت السبعينات من عمرها، تجلس بجوار قليل من الخضراوات، خس وجرجير وليمون في أحد شوارع حي المهندسين بالقاهرة، ومع خروجها للعمل في الشارع منذ سنوات كانت تحتفظ بحيائها وماء وجهها ولهجتها الصعيدية وكأنها قد خرجت لتواجه الحياة بقسوتها.

بالأمس فقط توفى عنها زوجها وتركها وحيدةً في مواجهة المرض وثمن الأدوية؛ لتفقد الطرق التي تُمكنها من تلبية احتياجاتها، إلا الخروج للشارع ومحاولة بيع أية سلعة طوال النهار، لتعود لبيتها بجنيهات قليلة مساءً، تقول عن ذلك: «أعود للبيت غير قادرة على الوقوف على قدمي، لكن هذا أهون كثيرًا من الاحتياج وسؤال الغير».

مسنة مصرية – المصدر

 

ذلك الواقع هو واقع عم مدبولي أيضًا الرجل السبعيني الذي يجلس بجوار سور جامعة عين شمس يحاول بيع بعض الأقلام والحلويات، ربما يحصل مقابلها على ما يكفيه ذل السؤال له ولابنته، بجوار البضاعة المعروضة  أتى عم مدبولي براديو قديم يسليه أثناء جلوسه في الشارع طوال اليوم مع حقيبة مليئة بالأدوية التي يحتاجها.

ويحكي عم مدبولي: «في شبابي كنت أعمل بأحد المطاعم الكبرى، وعندما كبرت في السن استغنوا عن خدماتي؛ لأنني لم أستطع العمل كما كنت في السابق، وفي فترة عملي تمكنت بستر الله من تربية أبنائي الخمسة وتعليمهم وتغطية نفقات زواجهم، لم يبق منهم سوى ابنتي الصغيرة التي لا زالت تجلس معي حتى الآن».

ويضيف عن معاناته: «بعدما جلست بالمنزل بدأت الأمراض تتوالى عليّ، وكان أولادي مقلين في السؤال عني وعن أختهم الصغيرة، وإذا تذكرونا فإنهم يرسلون لنا القليل من المساعدات المادية فقط، إلى أن ثُرت عليهم في يوم وأعلنت لهم أنني لا أرغب فيما يرسلونه إلينا، وأنني سأنزل وأبحث عن عمل».

أما عم علي فهو ماسح أحذية تجاوز الستينات من عمره، كان يعمل في هذه المهنة منذ كان شابًا ولا يعرف غيرها، ربى من رزقها أولاده واستطاع تعليمهم، اشتد المرض على ابنته الشابة، لكنه لم يستطع أن يوفر ثمن علاجها؛ حتى توفيت أمام عينيه، وبقي ابنه الذي أنهى تعليمه الجامعي وظل يبحث عن فرصة عمل لم يتمكن من إيجادها: «كان ينظر إلينا والحسرة تملؤه لأنه لا يستطيع مساعدتنا، وقتها فكرنا أن نبحث له عن أية فرصة عمل في أي بلد عربي، كنت أعلم جيدًا ما ينتظره من شقاء في البلد التي ذهب إليها، لكن عدت لأقول ربما شقاؤه هناك يكون أهون عليه وعلينا من شقائه أمام عيوننا، أحتاجه كثيرًا وأنا في هذا السن أن يأخذ بيدي وينفق على علاج أمه، لكني لم أستطع تحميله ما لن يطيق، قررت أن أعمل لكي أوفر المطعم لي ولزوجتي، أما علاجها فلا أستطيع أن أوفر ثمنه كاملًا، فأحاول الإتيان ولو بنصف العلاج، أحاول أن أزيل عنها ولو نصف آلامها».

 

أفضل دول العالم في التعامل مع كبار السن 2017: النرويج جنة الشيخوخة في العالم

 

الإعاقة تضاعف المعاناة وتزيد الألم

ربما كانت «العزلة الإجبارية» التي تفرض نفسها عليهم حتى وهم وسط الناس هي الوصف الأنسب لوصف واقع المسنين ذوي الإعاقة الذهنية أو بدنية، والذين يعيشون في دور المسنين العادية، فلا أحد يعرف كيف يتعامل معهم، وبحكم طبيعة السن، فهم يضيقون ذرعًا بأشخاص يعيشون معهم في نفس الدار، وهو ما يزيد أزمتهم ومعاناتهم.

Embed from Getty Images

هذا ما حدث مع الحاجة سعاد 65 عامًا – كما تقصّها الحاجة كريمة إحدى نزيلات «دار الكلمة الطيبة للمسنين» بشبرا – قائلة: «الحاجة سعاد والتي توفت منذ أشهر قليلة قضت معنا هنا في الدار قبل وفاتها ما يزيد عن 10 سنوات، كان لديها إعاقة ذهنية، وكان لديها إعاقة في يدها، وكانت تحتاج لخدمة ورعاية خاصة لم نستطع توفيرها لها، فلا يوجد لدينا في قسم مسنات السيدات سوى عاملتين فقط، وأحيانًا يتبادلن المواعيد، فتأتي إحداهن نهارًأ والأخرى ليلًا، فيكون من الصعب على العاملة الموجودة أن تخدم المسنات بأكملهن».

وتضيف في أسى: «مشكلة الحاجة سعاد لم تكن في خدمتها فقط، بل كانت أيضًأ في كونها لا تجد من يستطيع أن يتعامل معها بالطريقة المناسبة لها، فالجميع طوال الوقت في حالة شجار دائم معها، ولا أحد يحب أن يشاركها غرفتها، فكانت تجلس بمفردها لفترات طويلة جدًا».

ووفقًا للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فإن عدد المسنين فى مصر – وفقًا لتقديرات السكان حتى يوليو (تموز) 2017 – بلغ 6.4 مليون مسن منهم (3.15 مليون ذكور، و 3.21 مليون إناث) بنسبة 6.9% من إجمالى السكان (6.7٪ ذكور، 7.1٪  إناث)، ومن المتوقع ارتفاع هــذه النسبة إلى 11.5% عام 2031.

 

يفقد النشاط ويكتسب الحكمة.. كيف يبدو الدماغ عند الشيخوخة؟  

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!