تعيين رئيس وزراء جديد بليبيا من قِبل المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، وقوى سياسية ترفض الاعتراف به لـ”بطلان” مسطرة التعيين.. هذا هو عنوان الأزمة السياسية الجديدة في ليبيا التي بمجرد أن تم الإعلان عن اسم أحمد امعيتيق رئيسًا للوزراء خلفًا لعبد الله الثني المستقيل، حتى سارعت أصوات ببطلان هذا التعيين على اعتبار أنه لم يحصل على أغلبية البرلمان، بحسب المعارضين.

امعيتيق؟

رئيس الوزراء الليبي الجديد أحمد امعيتيق

صادق – أمس الإثنين – المؤتمر الوطني العام الليبي على تعيين أحمد امعيتيق، المقرب من “الإخوان المسلمين” الليبيين، رئيسًا للحكومة المؤقتة، في قرار وقعه رئيس المجلس، وفي جلسة صاخبة سادها الكثير من الفوضى والنقاشات الحادة، التي ذهبت إلى حد اعتبار عملية التعيين برمتها غير قانونية وتفتقر إلى النصاب القانوني وهو ضرورة حصول التعيين على الأغلبية.

وبحسب النص الحرفي لقرار المؤتمر الوطني العام، الموقع من طرف رئيسه، نوري أبو سهمين، فإنه “يُعين أحمد امعيتيق، رئيسًا للحكومة المؤقتة، ويكلف بتشكيل حكومته، وتقديمها إلى المؤتمر الوطني العام، لنيل الثقة خلال مدة أقصاها خمسة عشر يومًا، من تاريخ هذا القرار”.

ومباشرة بعد هذا القرار أرسل نائب رئيس المؤتمر الوطني العام الليبي، عز الدين العوامي، رسالة إلى الحكومة، يعلن فيها “بطلان” عملية انتخاب امعيتيق رئيسًا للوزراء، ومؤكدًا أن الأخير “لم يحصل على الأغلبية اللازمة في المؤتمر الوطني، مشيرًا في ذات السياق إلى أن حكومة رئيس الوزراء السابق، عبد الله الثني، الذي استقال منذ ثلاثة أسابيع، ستبقى في موقعها لحين انتخاب خلف له بالطريقة القانونية.

رئيس الوزراء المستقيل عبد الله الثني

وبالإضافة إلى نائب رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) فقد انضم إلى الرافضين لتولي امعيتيق رئاسة الوزراء المتحدث باسم المؤتمر، عمر حميدان، الذي رفض هو الآخر الاعتراف بانتخابه، مؤكدًا في تصريحات منسوبة إليه بأن انتخاب امعيتيق جاء بعد أن “كانت الجلسة قد رفعت”، مردفًا بقوله، “ما يحدث غير شرعي”.

انتخاب أم فرضٌ؟

الأصوات المعارضة لانتخاب امعيتيق أو بالأحرى للطريقة التي تم “فرضُه” بها، توالت من عدد من القوى السياسية والنواب البرلمانيين، الذين اتهموا كتلتي “العدالة والبناء” (الحزب الذي ينعت على أنه يمثل الإخوان المسلمين الليبيين) و”الوفاء للشهداء”، بفرضهما بالقوة رجل الأعمال عمر امعيتيق رئيسًا لوزراء ليبيا.

الرافضون لهذا التعيين اعتبروا الطريقة التي تم بها التعيين تعتبر بمثابة “اغتصاب” للسلطة ولإٍرادة الشعب، وكذا هي انتهاك للإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي في أغسطس/ آب 2011، وبحسب هؤلاء فإن امعيتيق المعين رئيسًا للوزراء لم يتحصل إلا على 113 صوتًا فيما حصل منافسه عمر الحاسي على النصاب القانوني المطلوب، وهو 121 صوتًا، وهو ما يخول له التكليف بتشكيل الحكومة.

هجوم مسلح على مقر المؤتمر الوطني العام في مناسبة سابقة

لكن النائب الثاني لرئيس المؤتمر صالح المخزون كان له رأي آخر وهو أن امعيتيق حصل على النصاب القانوني الذي انتزع في الجلسة الرابعة للبرلمان المنعقد مساء الأحد، بحيث نال 121 صوتًا في هذه الجلسة من أصل 185 مقعدًا المؤلفة للبرلمان الليبي.

ويبدو أن لا بوادر انفراج للأزمة السياسية الليبية تلوح في الأجواء، على الأقل في المدى المتوسط، بحيث أن الرجل المنتخب كرئيس وزراء ليبي جديد، وعلى الرغم من أن له رصيدًا تاريخيًّا مهمًّا في معارضة نظام العقيد القذافي السابق، فهو ابن المليونير الليبي المعروف عمر امعيتيق الذي صادر القذافي أمواله ومنها مصنع الأحذية بمدينة مصراتة، كما أن خاله هو الدكتور عبد الرحمن السويحيلي المعارض البارز لنظام القذافي، ورئيس اتحاد الطلبة الليبيين في بريطانيا، الذي قاد عملية اقتحام السفارة الليبية في لندن بعد أحداث جامعة بنغازي الدامية، التي سقط فيها عدد من القتلى في يناير/ كانون الثاني 1976؛ بالرغم من كل هذا الرصيد التاريخي، فإن انتخابه يتم الطعن فيه اليوم لأسباب عدة منها المباشرة وغير المباشرة.

لماذا الرفض؟

وحدات من الجيش الليبي

من الأسباب المباشرة هناك الجو العام الذي جرى فيه عملية انتخاب “امعيتيق”؛ حيث سادت حالة كبرى من الهرج والمرج أثناء الانتخاب بين القوى السياسية المكونة للمؤتمر الوطني العام، والذي يتهم “الإسلاميون” بمحاولة السيطرة عليه، ولعل ذلك ما جعل الأصوات المنددة بهؤلاء ترتفع مباشرة بعد إعلان انتخاب امعيتيق رئيسًا للوزراء، وتتهمهم بفرض ابن مدينة مصراتة امعيتيق “القيادي” في حزب العدالة والبناء الذي يوصف على أنه يمثل “الإخوان المسلمين” بليبيا.

إصرار قادة “الإسلام السياسي” داخل المؤتمر الوطني العام على “فرض” اسم موال لهم ليس من باب الصدفة، كما يقول بعض المتتبعين للشأن الليبي، بل هو امتداد لرغبة هؤلاء في السيطرة على مقاليد ودواليب الدولة، ولا سيما البرلمان الذي يعتبر صاحب السلطة التشريعية والتنفيذية في آن واحد، في غياب رئيس دولة وفي ظل حكومات غير مستقرة، ومن هنا جاء رفضهم إنهاء مهمة هذا البرلمان الذي كان في يوم إحياء الذكرى الثالثة لقيام الثورة الليبية (17 فبراير الماضي)، بالرغم من كل الاحتجاجات الشعبية والتهديد باستعمال السلاح من طرف بعض الجماعات.

السلطة والنفوذ القويين اللذين يتمتع بهما الإسلاميون داخل المؤتمر الوطني العام كانت وراء إقالة رئيس الوزراء الليبي السابق علي زيدان في شهر مارس الماضي وتعويضه بعبد الله الثني المقرب منهم، ولم يخف زيدان حينها اتهامه للإسلاميين بالرغبة في الاستحواذ على مقاليد الحكم بليبيا بل واتهماهم أيضًا بالعمل على إدخال البلاد في دوامة من العنف واللا استقرار بل و”الصوملة” و”الأفغنة” لتطبيق أجندتهم وهي إقامة “إمارة” على الطريقة التي يعتقدونها.

متظاهرات ليبيات يطالبن بالوحدة

وبالإضافة إلى الأسباب المباشرة هناك أخرى غير مباشرة تجعل الأصوات المعارضة لتعيين “امعيتيق” ترتفع أكثر، خاصة في ظل اتهام البعض لـ”الإسلاميين” بنهج سياسة “الترهيب” إزاء الخصوم، وهنا يورد البعض كمثال على هذه السياسة التخويفية التي ينهجها “الإسلاميون”، تأجيل انتخاب رئيس الوزراء في جلسة الأسبوع الماضي، بعدما هاجم مسلحون مقر المؤتمر الوطني العام، وأصيب البعض أثناء الهجوم. هذا الأخير لم يكن صدفة وربما كان عملية مقصودة هي أشبه إلى “الابتزاز” الذي تمارسه بعض المجموعات المتشددة المسلحة القريبة من حزب “العدالة والبناء” الإسلامي، والتي لا تتردد في اتهام المعارضة غير الإسلامية بالبرلمان بـ”العمالة” للخارج وأحيانًا ترميها بـ”الكفر” و”الإلحاد” وما إلى ذلك.

مرحلة جديدة وأزمة جديدة تدخلها ليبيا ولا أحد يستطيع التكهن بما ستؤول إليه الأحداث، لا سيما في ظل مطالبة البعض وحديث البعض الآخر عن ضرورة فرض “وصاية دولية” على ليبيا التي فشل الثوار حتى الآن في فرض استتباب الأمن بها، بل وفضّل البعض من هؤلاء الثوار أن لا يسلم سلاحه للسلطات المركزية وبدل ذلك بات يهدد بها تلك السلطات ويلوح بورقة الانفصال عنها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد