السبت الماضي، خاضت المرأة السعودية أولى تجاربها كناخبة ومرشّحة في مجالس البلدية، جاء ذلك تحقيقًا لقرار الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز الذي سمح في عام 2011 للمرأة بالاقتراع والترشح للانتخابات البلدية في 2015، لأنه “لا يجب تهميش المرأة في المجتمع السعودي”.

هذا الانتخاب والترشح الأول من نوعه، لاقى تأييدًا على اعتبار أنه خطوة إيجابية، ولاقى أيضًا نقدًا ورفضًا من الآخرين على اعتبار أنه مخالف لتقاليد المجتمع السعودي، ليأتي ما سجلته ثلث مراكز التسجيل المخصصة لنساء من ضعف في الإقبال، بالاستنكار من المؤيدين، والارتياح للمعارضين لهذه المشاركة.

تقرير “ساسة بوست” يبدأ بالوقوف على أسباب ضعف الإقبال من المرأة، ومنها:

قلة الوعي بأهمية المشاركة في الانتخابات

تعاني المرأة السعودية من قلة الوعي بضرورة مشاركتها في العملية الانتخابية وحقها في التصويت وتأثير صوتها في الانتخابات، ولا تقتنع السعوديات بجدوى الانتخاب، لذا يعد غياب الوعي أحد أهم أسباب ضعف الإقبال على التسجيل في الانتخابات ترشحًا وانتخابًا.

تؤكد المرشحة السعودية نسبة السادة أن: «أساليب التوعية المستخدمة في الانتخابات افتقرت إلى التدريب التخصصي الذي يقدم بشكل موجه إلى فئات محددة لتطويرها وإشراكها في العملية الانتخابية، مثل مراقبة الانتخابات وإدارة الحملات والأنظمة القانونية، والتوعية الجماهيرية الشعبية عبر الجامعات والمدارس، وهي أعمق أثرًا من إعلان يُعلق في الشارع». ورأت السادة أن «هناك حاجة ملحة إلى تحشيد جماعي مُركَّز للسيدات برفع وعيهن ودفعهن إلى المشاركة بفعالية في الانتخابات».

العيب الاجتماعي

يسود المجتمع السعودي ثقافة تقليدية محافظة، تعتمد على منظومة قيم وعادات وتقاليد ترسم صورة نمطية للمرأة، من طريق التنشئة الاجتماعية، وتحدد المعتقدات الثقافية.
تقول الاختصاصية الاجتماعية والناشطة الحقوقية فوزية الهاني إن: «ثقافة الانتخاب غير موجودة لدى المجتمع السعودي في الأساس، فالمرأة لم تكتسب حتى الآن هذه المهارة، وبالتالي لم يكن هناك أي توقع بفوزها في الدورات الأولى”.

فتاوى تحرم انتخاب المرأة وترشحها

يهتم المجتمع السعودية بالفتاوى الدينية المتعلقة بانتخاب وترشيح المرأة، واعتبرت فتوى الشيخ عبد الرحمن البراك، التي قال فيها إن مشاركة المرأة المسلمة في عضوية المجالس البلدية، مرشحة كانت أو معينة حرام، واحدة من أبرز تلك الفتاوى التي اهتم بها المجتمع السعودي، حيث دعا المرأة المسلمة أن “تتقي الله” وألا تكون مفتاح شر على البلاد، موجهًا خطابه إليها بقوله: “واعلمي أن كل ما يترتب على المشاركة في الانتخابات البلدية من المفاسد، فعليك من تبعاتها في الآخرة بحسب تأثير مشاركتك”.
تقول إحدى المرشحات السعوديات وتدعى “إنعام العصفور”: “هناك عوائق شرعية، تمثل بالتأصيل الشرعي للمشاركة، وخصوصًا في ظل وجود فتاوى شرعية تحظر الاختلاط بين الرجال والنساء، تساعد في امتناع الناخبين من الإقبال على انتخاب النساء”.

إشكاليات في التسجيل والدعاية والوصول

تذمرت العديد من السعوديات مما اعتبرنه تعقيدًا لهن للمشاركة في العملية الانتخابية، منها عدم وجود دعاية كافية عن أهمية هذه الانتخابات والتي بدأت في وقت متأخر، كما أقيمت مراكز تسجيل الناخبات في مدارس بعيدة عن أماكن إقامتهن، وغير معروفة وعناوينها مربكة، إضافة إلى عدم وجود وثائق شخصية مطلوبة في عملية التسجيل وكثير من النساء لا يعرفن أماكن تسجيل أسمائهن في قوائم الاقتراع.

كما أن هناك عدة ظروف تزامنت مع الانتخابات أبرزها الإجازة الصيفية ومن ثم العودة للمدارس، كما قالت مصادر سعودية إن حظر القيادة على المرأة للسيارة كانت من بين العوائق، حيث أحال ذلك دون تمكن المرأة السعودية التي لا يرغب ولي أمرها بمشاركتها في الانتخاب من الوصول لمراكز الاقتراع.

هل قامت السعوديات بمبادرات لحث النساء على المشاركة في العملية الانتخابية وماذا يعيقهن؟

لا توجد حركة نسائية سعودية نشطة في مجال الانتخابات، ولا توجد أيضًا مؤسسات تُمكّن السعوديات من تصدر المجتمع والدفاع عن حقهن في المشاركة انتخابًا وترشحًا، لذا فهناك حاجة ماسة للتوعية بأهمية المشاركة النسائية في الانتخابات البلدية، ودعم مشاركة المرأة السعودية في الشأن العام، وذلك من خلال حملات التوعية النسائية.
واحدة من المبادرات النسائية التي اهتمت بانتخاب المرأة وترشحها كانت “مبادرة بلدي” التي قامت عليها الكاتبة السعودية الدكتورة هتون الفاسي، وهي حركة نسائية شكلت في ضوء الانتخابات البلدية عام 2011م .

تقول الفاسي: “على مر عامين عملنا من خلال مؤسسات مدنية أخرى لتنظيم عدد من الورش التي تنشر الوعي الانتخابي بين المواطنات، وأعدنا الكرة الشهر الماضي متجهين إلى شريحة أخرى وهي من ترغب من السيدات في ترشيح نفسها في منطقتها أو ترغب في إدارة حملات مرشحة أخرى”.

وتشكو الفاسي في مقالها “الانتخابات البلدية والعمل النسائي المدني.. تساؤلات”: “كيف خرج بيان اللجنة العامة للانتخابات البلدية ليصد المبادرة عن الاستمرار في التوعية، حيث جاء في بيان الإجراءات النظامية لمنع التكتلات والمحافظة على نزاهة الانتخابات أنه: انطلاقًا من دور اللجنة الإشرافي على الانتخابات البلدية وتحقيقًا لمبدأ الحيادية التامة وتكافؤ الفرص بين من تنطبق عليهم شروط الترشح لعضوية المجالس البلدية، فإن كل برنامج تدريبي يقوم على أساس تبني فئة معينة بشكل منتقى يعد مخالفًا لمبادئ الحيادية والموضوعية ومخلًا بنزاهة الانتخابات وسلامتها”، وقالت الفاسي إن هذا البيان أوقف ورش مبادرة بلدي، بل ومحاضراتها أيضًا.

وتطرقت الفاسي إلى صعوبات قالت إنها: “تتصل بعدم اعتماد نظام الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني بعد، فإن “بلدي” استمرت تطرق كل الأبواب لتأخذ التصريح المناسب دون جدوى، لا وزارة الشؤون الاجتماعية لديها هذا المسمى، ولا وزارة الإعلام والثقافة ولا وزارة الشؤون البلدية والقروية”.

كيف استخدمت السعوديات شبكات التواصل الاجتماعي للتشجيع على الانتخاب؟

“أسعدني اليوم كمواطنة التسجيل ضمن قيد الناخبين وكنت رقم 2.. فلا تتأخرن حبيباتي وساهمن في صنع القرار”، بهذه التويتة حثت الصحافية السعودية حليمة مظفر السعوديات على المشاركة في الانتخابات، وقالت في أخرى: “عزيزاتي عملية التسجيل تتم في مراكز نسائية ولا تأخذ أكثر من 5 دقائق.. إنها فرصتنا لا تتأخرن في ذلك”، حيث لجأت مع مجموعة من الناشطات السعوديات إلى استخدام موقع “تويتر” للتواصل الاجتماعي، لحثّ النساء الأخريات على التسجيل كناخبات في الدورة الحالية للمجالس البلدية، كما نشرت الدكتورة هتون الفاسي صورتها الشخصية وهي تنتخب في مقرّ التسجيل، وكتبت على حسابها على تويتر “وتم التسجيل ولله الحمد في الدائرة الخامسة اليوم في الرياض لا تفوتنها”.

كما استخدمت السعوديات اليوتيوب خلال معركة الانتخابات، وانتشر فيديو بعنوان “صوتك راح يغيّر مجتمعك” لتأكيد على أهمية مشاركة المرأة في الانتخابات البلدية كناخبة ومرشحة تحت شعار “تكلمي بصوتك”. وأشار التسجيل إلى أن مشاركة المرأة خطوة في رفع وعيها السياسي، ومساهمتها في تطوير الخدمات في مناطق سكنها، والمساعدة على تغيير المجتمع ككل.

على النقيض انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي (هاشتاج) يرفض مشاركة المرأة في الانتخابات، ويستهجن انتخابها، ومن ذلك (خطر_انتخاب_المرأة_للمجالس_البلدية)، وكتب سعودي معارضة لانتخاب وترشح المرأة “أشباه رجال يزجون بزوجاتهم في الانتخابات البلدية”، فيما كتب آخر “خاب قوم ولوا أمرهم امرأة”، واستخدم هؤلاء أيضًا اليوتيوب فانتشر فيديو بعنوان “بادر يا غيور بتقييد اسمك ناخبًا”. تحت شعار “صوتك سيحول بإذن الله دون الاختلاط في المجلس، وسيساعد على إدخال أهل الغيرة والصلاح.. فلا تتأخر”.

ماذا قال الغرب عن انتخاب وترشح المرأة السعودية؟

“علامة تقدم وخطوة إيجابية”، هكذا نظرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى قرار السعودية فتح باب الاقتراع والترشح للسعوديات، لكنها اعتبرت الخطوة “غير كافية لدمج المرأة بشكل كامل في الحياة السياسية السعودية”، وطالبت في بيان خاص بـ “إلغاء نظام الإذن” العائلي المفروض على الراغبات في العمل والسفر فضلًا عن ضمان اختيار الزوج بكل حرية.
من جانبها ذكرت صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” الأمريكية أن: “هذه خطوة مثيرة للاهتمام في مجتمع محافظ يهيمن عليه الرجال”، معتبرة: “أن تصويت وترشح المرأة في الانتخابات البلدية التي يعين ثلث مجلسها أكثر من مجرد خطوة رمزية، فتلك المجالس تعد أعلى سلطة منتخبة بالمملكة” حسب الصحيفة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد