شهد المغرب الجمعة الماضي 7 غشت 2015 انتخابات مهنية هي الأولى من نوعها بعد إقرار الدستور الجديد 2011، نتج عنها تقدم أحزاب المعارضة على حساب أحزاب الائتلاف الحكومي الذي يقوده حزب العدالة والتنمية الإسلامي التوجه.

نحاول في تقريرنا هذا رصد طبيعة هذه الانتخابات وقراءة مخرجاتها.

 

ما نتائج هذه الانتخابات المهنية؟

 

بشكل عام لم تلحظ نتائج الانتخابات المهنية المغربية التي أقيمت الجمعة الماضية في الأسبوع المنصرم تطورا ملفتا، إذ لم تشهد مفاجآت عن نظيرتها في 2009، حيث حافظت الأحزاب الكبرى في المشهد السياسي المغربي على مواقعها مع تغير طفيف.

 

تصدر حزب الأصالة والمعاصرة (ليبرالي التوجه) نتائج انتخابات الغرف المهنية ب408 مقعد أي بنسبة %18.72 من مجموع المقاعد، يليه حزب الاستقلال (وطني محافظ) الحائز على 351 مقعدا بنسبة 16.49 في المائة، ثم حزب التجمع الوطني للأحرار (إداري تجاري) الذي حصل على 326 مقعدا بنسبة 14.64 في المائة.

فيما تمكنت فئة المستقلين من كسب المرتبة الرابعة بحجزهم داخل الغرف المهنية 258 مقعد، متبوعة بحزب الحركة الشعبية (قروي محافظ) ب 202 مقعد، أما حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) الذي يقود الحكومة المغربية، فلم ينل في هذه الانتخابات المهنية سوى 196 مقعدا، متموقعا بذلك في الرتبة السادسة.

و قد تم إحداث 7068 مكتب للتصويت موزعين على الخريطة الجغرافية للأنشطة المهنية بالمغرب، وتعبئة ما يفوق 35 ألف شخص لتأطير العملية الانتخابية حسب بيان وزارة الداخلية، أما الهيئة الناخبة فقد تحددت في 1.755.781 ناخبا أي ما نسبته 43 في المائة، يصوتون على 11648 مرشحا متحزبا ومستقلا يتنافسون لحجز 2179 مقعد في إجمالي مقاعد الغرف المهنية.

و كان من اللافت في نتائج انتخابات الغرف المهنية تحقيق أحزاب المعارضة نصرا على الأغلبية الحكومية، حيث حصلت المعارضة على 1032 مقعد مقابل 832 مقعد لأحزاب الأغلبية.

وقال وزير الداخلية المغربي، محمد حصاد، عن العملية الانتخابية بأنها أجريت في أجواء عادية طبعتها غالبا المنافسة الشريفة باستثناء بعض الأحداث المعزولة التي لم تؤثر على الجو العام، فيما اشتكت بعض الأحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي وحزب العدالة والتنمية من رواج “المال الحرام” و”استغلال الأعيان” لاستمالة الناخبين.

لكن ما الانتخابات المهنية وما قيمتها؟

 

الانتخابات المهنية هي عملية انتخاب مندوبي الأجراء داخل المؤسسات التي تشغل اعتياديا على الأقل عشرة عمال دائمين، لتشكيل الغرف المهنية في مجال الفلاحة والصناعة والخدمات والتجارة، تشرف عليها الدولة وتعقد كل ست سنوات.

 

و تهدف العملية الانتخابية لفرز أعضاء الغرف المهنية إلى تمثيل العمال على صعيد مجلس المستشارين وهو الغرفة الثانية في البرلمان المغربي بعد مجلس النواب، بالإضافة إلى تمثيلهم في المجالس الجهوية والمحلية، وما يقتضي ذلك من إسماع صوتهم والحرص على مصالح ومطالب العمال.

ويشكل منتخبي الغرف المهنية سدس مجلس المستشارين أي أنهم يشغلون 20 مقعدا من مجموع 120 مقعد، مثلما يحظى هؤلاء المنتخبين بحق التصويت في العملية الانتخابية غير المباشرة لتشكيل المجالس الجهوية.

من جهة أخرى تكون الانتخابات المهنية غير عامة وغير مباشرة، حيث تنحصر الهيئة الناخبة والمرشحة معا في الفئات الشغيلة بالمؤسسات المهنية التي ينطبق عليها قانون الشغل.

يمكنكم معرفة المزيد عن الانتخابات المهنية في هذا الدليل القانوني الموجز.

ويحرص النظام الانتخابي بالمغرب على تمثيل الغرف المهنية على مستوى التشريع والتدبير، من أجل القيام بدورها في بلورة السياسات الاقتصادية للبلد وتمثيل مصالح المهنيين في الخريطة القانونية للمغرب، بينما تجد الأحزاب في الانتخابات المهنية فرصة لإبراز حضورها داخل الطبقات المهنية، كما أنها تعتبرها مؤشرا نوعا ما لمدى حظوظها في الانتخابات البلدية والجهوية التي تليها مباشرة بفترة قصيرة.

ما الذي نستشفه من نتائج هذه الانتخابات؟

 

تأتي الانتخابات المهنية التي عرفها المغرب في ظل ظروف وطنية بل وعربية تشهد استقطابا حادا من قبل الأحزاب وعزوفا شعبيا عن السياسة، تضفي عليها هذه الظروف مزيدا من الاهتمام السياسي والإعلامي، لكونها أيضا تمثل نوعا ما جس النبض للانتخابات البلدية والجهوية ثم التشريعية المقبلة، ومن ثمة فهي تكتسي أهمية بالنسبة للأحزاب.

كان أبرز ما أثار المراقبين في العملية الانتخابية لتشكيل الغرف المهنية هو تراجع حزب الاتحاد الاشتراكي (يساري التوجه) بخسارته 128 مقعدا دفعة واحدة مقارنة مع أدائه في الانتخابات المهنية الماضية سنة 2009، بسبب الأزمة السياسية والمالية التي تعصف داخله منذ سنوات.

ممثلي أحزاب المعارضة بالمغرب


 

في حين أظهرت النتائج أيضا أن حزب الأصالة والمعاصرة الذي يتزعم المعارضة مع حزب الاستقلال ما زالا يحظيان بشعبية داخل مكونات القطاعات الاقتصادية من عمال ومقاولين ومهنيين ورؤساء شركات، وذلك رغم صفة “الضعف والهزالة” التي تلصق بأدائهما كمعارضة أمام حكومة العدالة والتنمية.

وتتباين مواقف المحللين حول نتائج هذه العملية الانتخابية بخصوص خسارة حزب العدالة والتنمية المتزعم للحكومة بتأخره إلى المرتبة السادسة، حيث يرى عبد الرحيم المنار أسليمي، وهو رئيس المركز المغاربي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات بالرباط، أن ذلك يعد عقابا جزائيا ضد أداء حكومة العدالة والتنمية أكثر مما هو تصويت لصالح المعارضة، وذلك بسبب الإجراءات القاسية المتخذة في نظر الطبقة المتوسطة، كان أكثرها جدلا إقرارها قرار رفع سن التقاعد من 60 إلى 65 بعد إفلاس صناديق المتقاعدين نتيجة النهب، وهي قضية الفساد التي لا ينفك حقوقيون وإعلاميون من مطالبات بالتحقيق حولها ومحاسبة المتسببين في هذا الإفلاس.

و بالمقابل يرى أنصار حزب العدالة والتنمية على لسان عبدالله بوانو، رئيس فريق العدالة والتنمية في مجلس النواب، أن النتائج كانت “جد مُرضية وحقق فيها الحزب تقدما ملموسا مقارنة مع أدائه عام 2009 في الانتخابات المهنية الماضية”، مقللا زميله القيادي محمد يتيم من أهمية هذه الانتخابات ودلالتها على مستوى الخريطة السياسية.

و كان لافتا الحضور القوي للمرشحين المستقلين بكسبهم المرتبة الرابعة، مما يحيل إلى أن الهيئات الناخبة بدأت تنفر من الانتماءات السياسية بألوانها، وتفضل وضع ثقتها في المرشحين اللامنتمين.

و إذا كان هناك أمر يمكن التنبؤ به من خلال نتائج الانتخابات المهنية هذه، فهو أن أحزاب المعارضة، الممثلة أساسا في حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، تملك حظوظا كبيرة لتحقيق مكاسب مهمة في المجالس الجهوية ومجلس المستشارين ضمن الاستحقاقات القادمة، نظرا للارتباط النسبي للأخيرة في النظام الانتخابي لتشكيل مجلس المستشارين والمجالس الجهوية.

لكن بالنسبة للانتخابات التشريعية ذات الاقتراع المباشر العام التي ستجرى في العام المقبل، تبقى التكهنات مفتوحة مع المنافسة الشرسة حول من سيقود الحكومة القادمة في المغرب.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد