بينما يقف المصوّتون المصريون اليوم أمام لجان الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في ثاني انتخابات رئاسية تجري في البلاد خلال عامين، تدعو بعض قوى المعارضة إلى مقاطعة الانتخابات – أو «المسرحية» كما أطلق عليها «الإخوان المسلمون» و«6 أبريل» – ويترقب العالم الإعلان عن عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع السابق، رئيسًا لمصر وسط انتقادات لإجراءات القتل والاعتقال والتعذيب والقمع، والأحكام القضائية المشددة التي اتخذتها السلطات الأمنية والقضائية المصرية بعد الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي.

بين مرشحين لا ثالث لهما – إما «السيسي» أو حمدين صباحي – يترقب المصريون ما ستسفر عنه أول انتخابات بعد «ثورة 30 يونيو»، كما يحب مؤيدوها والسلطات المصرية الترويج لها داخليًّا وخارجيًّا، ويترقب معهم العالم هل ستحمل هذه الانتخابات مزيدًا من الديمقراطية إلى مصر أم ستقضي عليها؟.

هل تؤدي الانقلابات العسكرية إلى الديمقراطية في النهاية؟

شهد العالم منذ عام 1945، بعد الحرب العالمية الثانية، أكثر من 250 انقلابًا عسكريًّا، رصدها الباحثان في جامعة «كامبريدج» البريطانية، مارينوف وجومانس، ليصلا إلى نتائج مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بنتائج الانتخابات التي تُجرى في البلاد التي تعرضت إلى انقلاب عسكري على السلطة.

ووفقًا للبحث، كان فشل ثلاث من كل أربع ديمقراطيات وليدة نتيجةً لانقلاب عسكري ناجح، وليس خللاً في إدارة العملية الديمقراطية نفسها.

«لقد جئت على ظهر دبابة، ولن تزيحني إلا دبابة». – الفريق طاهر يحيى، رئيس وزراء انقلاب 8 فبراير 1963 في العراق.

بين عامي 1945 و1991، شهد العالم 218 انقلابًا على السلطة، وأجريت الانتخابات خلال 5 أعوام بعد الانقلاب في 59 حالةً فقط، أما الـ 159 الباقية فلم تجرِ فيها أي انتخابات خلال هذه المدة، أما خلال الفترة بين 1991 إلى 2006، فقد حدث 42 انقلابًا عسكريًّا، أسفر 31 منها عن انتخابات في أقل من 5 أعوام.

لماذا يُجري قادة الانقلاب الانتخابات؟

كما أوضحنا، يرصد الباحثان تغيرًا جذريًّا في اتجاه من يأتون إلى السلطة بعد انقلاب إلى إجراء انتخابات سريعًا من بعد عام 1991 وانهيار الاتحاد السوفييتي؛ ويُرجعان ذلك إلى عامل حاسم ومؤثر للغاية: المعونات الأجنبية والالتزامات الدولية.

تشترط المعونات الأجنبية، خاصةً من المانح الأكبر: الولايات المتحدة الأمريكية، عدم وصول الحكام إلى السلطة بواسطة انقلاب عسكري على حاكم شرعي منتخب (راجع موقف أمريكا من مصر بعد انقلاب 3 يوليو، وقطع المساعدات عن تايلاند بعد الإعلان عن انقلاب فيها)، وتدفع بشدة في اتجاه إقامة إجراء ديمقراطي – حتى ولو كان شكليًّا – لاستعادة الوضع الدستوري واستئناف المعونات.

بعد انتهاء الحرب الباردة، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي مصدر المعونات العسكرية الأبرز لـ 150 دولة حول العالم؛ مما يضاعف تأثيرها على أي محاولة انقلاب عسكري في تلك الدول، إما بالدعم أو التخطيط أو المعارضة، وتبلغ حصة الجيش المصري من هذه المعونات 1.3 مليار دولار سنويًّا (حوالي 9% من إجمالي المعونة العسكرية الأمريكية).

وتشير دراسة أخرى بجامعة «ميشيغان» الأمريكية إلى أنه في ظل مناخ دولي ينفر من الانقلابات العسكرية، ويدفع باتجاه إجراء انتخابات والدخول في استحقاق ديمقراطي في أسرع وقت، ومع قوى معارضة وحركات تغيير داخلية، بالإضافة إلى الخوف من حدوث انقلاب جديد، تصبح صناديق الاقتراع هي الملاذ الأهم لإكساب النظام الجديد شرعية دولية وداخلية.

عاملٌ آخر مهم تشير إليه الدراسة هو المزاج العام لغالبية المصوّتين؛ إذا كان لدى من نفذوا الانقلاب أي شك في إمكانية تصويت أغلبية الشعب مرة أخرى للحاكم السابق إذا عقدت انتخابات حرة ونزيهة؛ فإنهم لا يهتمون بإجرائها.

لمن تقول الصناديق «نعم» بعد الانقلابات؟

وفقًا لدراسة أخرى نشرتها دار «سبرينغر» الألمانية، يتعامل العسكريون حين يصلون إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري على أنهم «حماة المصالح الوطنية» أو «منقذو الشعب من كوارث المدنيين» ويبررون حقهم في التحكم في مقاليد السياسة بانتمائهم إلى مؤسسة «عليا» و«محايدة» هي القوات المسلحة.

وتتابع الدراسة: حين يزيح هؤلاء حاكمًا منتخبًا، ويعقدون انتخابات رئاسية، تتشكل حالة من «السلطوية الانتخابية»، أي إجراءات ديمقراطية توهم بالتعدد والانتخابات الحرة النزيهة لكنها معتمدة في النهاية على سيطرة العسكريين على المجال السياسي والإداري، مثلما حدث في حالتي انقلاب «سوهارتو» في إندونيسيا وانقلاب «بينوشيه» في تشيلي، أو على فتح المجال الدستوري لتدخل الجيش في السياسة في حالات مبهمة تقتضيها «المصلحة الوطنية» مثلما حدث في تركيا قبل التعديل الدستوري الأخير، أو في تايلاند التي شهدت منذ عام 1932 أعلى عدد من الانقلابات وصل إلى 11 انقلابًا ناجحًا، و8 محاولات انقلاب انتهت بالفشل.

باختصار، نستطيع القول إن الصناديق تقول «نعم» دائمًا بعد الانقلابات لمن نفذوها.

ماذا يعني ذلك في الحالة المصرية؟

يعني كل شيء تقريبًا؛ فالانتخابات الرئاسية تُعد الحلقة الأبرز في إنهاء الحالة الانتقالية، التي تستعد بها السلطات المصرية، ومعها الحكومات الأجنبية (الولايات المتحدة التي علّقت معونتها إلى مصر لكنها «متفائلة» بالانتخابات)، والهيئات القاريّة (الاتحاد الإفريقي الذي علّق عضوية مصر بعد 3 يوليو لكنه يشرف على الانتخابات) والدولية (الاتحاد الأوروبي)، تستعد إلى التعامل على أرضية من الشرعية المعترف بها دوليًّا دون قيود.

على الجانب الآخر، في مقال بعنوان «لماذا يُجري الطغاة الانتخابات» في صحيفة «الإندبندنت» ترجمته «ساسة بوست» هنا، توقع الكاتب روبيرت فيسك أن يفوز «السيسي» بالانتخابات المصرية بنسبة لا تقل عن 82%، وأن يحصل على شرعية ديمقراطية زائفة تُمكنه من «حماية الإمبراطورية العسكرية الاقتصادية الضخمة في مصر وما يرتبط بها من استثمارات لرفقاء دربه جنرالات العسكر في مجالات الطاقة وشركات المياه المعدنية والعقارات ومراكز التسوق»، فهل يصدق توقعه؟

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد