كانت نتائج الانتخابات الأمريكية لعام 2016 صادمة من كل الجهات، فمن جهة صدمة صعود دونالد ترامب، ومن جهة أخرى أنّه رغم تفوق هيلاري كلينتون على نظيرها بالأصوات الشعبية، بفارق وصل إلى ثلاثة ملايين صوت، إلّا أنّه في التاسع نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، تخرج النتيجة الصاعقة؛ دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية.

جاء الفوز مريبًا وأثار تساؤلات كثيرة للمشاهد والمتابع لهذه الانتخابات، خاصة من يراقب من الخارج، وخلقت الريبة سؤالًا عن: كيف يمكن لمرشحٍ حاصلٍ على أصواتٍ شعبية أقل أنّ يُنصب رئيسًا لأبرز دولة ديمقراطية في العالم؟ وهذا ما يحاول التقرير شرحه بالتفصيل الذي يجعلك عزيزي القارئ والمتابع للسباق الانتخابي 2020، مدركًا لأهمية «المجمعات الانتخابية» التي تُحدد الرئيس ونائبه منذ قيام دولة الولايات المتحدة الأمريكية.

سياسة

منذ 4 سنوات
الطريق إلى البيت الأبيض.. نشرح لك نظام الانتخابات الأمريكية

«المجمعات الانتخابية».. التمثيل فوق التصويت

يُعتبر النظام الانتخابي في أمريكا، النظام الأكثر تعقيدًا وتفصيلًا في العالم، فهنالك انتخابات على مستويات مختلفة، كالانتخابات الرئاسية، وانتخابات مجلس الشيوخ والنواب، والانتخابات التي تُقام لاختيار حُكّام الولايات المحليين، بالإضافة إلى أنّ بعض الولايات الأمريكية تقوم بالانتخابات لاختيار ممثليها في مجمعها الانتخابي، فيصوت الناخب الأمريكي في هذه الولايات على الرئيس ونائبه المفضلين، بالإضافة إلى من يريده أنّ يمثله في المجمع الانتخابي. إلّا أنّه في غالب الولايات الأمريكية، يرشح الحزبان، الديمقراطي والجمهوري، قائمة ممثلين عنهما في المجمع الانتخابي لكل ولاية، وتفوض الولاية هذه الشخصيات لتمثيلها، في حال فوز المرشح بغالبية التصويت الشعبي في الولاية.

إذًا سيستيقظ يوم الثالث من نوفمبر 2020، المواطن الأمريكي البالغ من عمره 18 عامًا فما فوق، والذي يرغب أيضًا بالإدلاء بصوته، بالذهاب إلى اختيار رئيسه المفضل بطريقةٍ غير مباشرة «Indirect Democracy». فالمجمعات الانتخابية ستقوم بهذا المهمة. وعدد أعضاء «الممثلين» في المجمعات الانتخابية يُحسب بالمعادلة الدستورية البسيطة التالية:

­عدد الممثلين في المجمع الانتخابي لكل ولاية = عدد الأعضاء في مجلس الشيوخ + عدد الممثلين في مجلس النواب

يتفاوت عدد هؤلاء الممثلين بحسب تفاوت النسبة السكانية في كل ولاية، فعلى سبيل المثال؛ لولاية كاليفورنيا 55 ممثلًا في مجمعها الانتخابي، وثلاثة ممثلين لولاية آلاسكا، وذلك بسبب الفارق السكاني بين الولايتين. ورغم أنّ المجمعات الانتخابية لها القول النهائي في اختيار الرئيس، إلّا أنّ 48 ولاية أمريكية متبعة سياسة (وليس قانون) «الفائز يحصد الكل»؛ والتي بصددها يحصل المرشح الذي فاز بأغلبية الأصوات الشعبية في الولاية، على أصوات جميع ممثلي هذه الولاية.

فمثلًا إذا فاز مرشحٌ رئاسي في ولاية تكساس بنسبة 50.1% من الأصوات الشعبية، فإنّه سيحصل على صوت جميع الـ38 ممثلًا عن ولاية تكاساس. وتستثنى من هذه السياسة ولايتان؛ هما ولاية مين، وولاية نبراسكا، اللتان تعتمدان «مبدأ النسبية»؛ بحيث تمنح صوتين للمرشح الذي يحظى بأغلبية الأصوات الشعبية لكل ولاية، وبقية أصواتها تُوزع بحسب الفائز بالأغلبية في مقاطعاتها الانتخابية.

وإجمالي عدد الأصوات (الممثلين) لجميع الولايات الأمريكية هو 535، أضف إلى ذلك ثلاثة ممثلين عن العاصمة الأمريكية، مقاطعة واشنطن دي سي، والتي حفظ لها الدستور الأمريكي حق التمثيل في اختيار الرئيس. وبهذا؛ إذا أراد أي مرشحٍ الفوز بالرئاسة، عليه ضمان 270 صوتًا من المجمعات الانتخابية. هذا العام، سيجتمع الممثلون يوم 14 ديسمبر (كانون الأول) 2020، للتصويت للرئيس ونائبه، رغم أنّه عادة ما تُعرف النتيجة مسبقًا بسبب سياسة الفائز يحصد الكل.

أحد المحتجين على مصادقة مجلس الشيوخ لأصوات المجمعات الانتخابية عام 2016 

وتُحدد كل هيئة تشريعية لكل ولاية، آليات انتخاب هؤلاء الممثلين، وتاريخيًا قبل وجود الأحزاب، كان هؤلاء الممثلين عبارة عن أكاديميين أو شخصيات مستقلة. أمّا اليوم فإنّ الأحزاب السياسية تقوم بتوفير قائمة من ممثليها للإدلاء بأصواتهم يوم التصويت على الرئيس، وإذا فاز مرشحٌ ديمقراطي على سبيل المثال في ولاية معينة، يذهب ممثلو الحزب الديمقراطي للتصويت عن هذا المرشح.

وبالنسبة لكثير من الأمريكان اليوم، خاصةً الديمقراطيين منهم، فإنّ المجمعات الانتخابية عائق أمام تحقيق عملية ديمقراطية عادلة، ولكنّ بالنسبة لبعض المؤرخين، فإنّها كانت ضرورة تاريخية في وقت كانت أمريكا في أمسّ الحاجة إلى نظام ودستورٍ ينظم ويوفق بين مختلف أطرافها السياسية والاجتماعية.

المجمعات الانتخابية والعبودية.. ماديسون «الداهية» يسطر التاريخ

لم يرد الآباء المؤسسون من الشعب اختيار الرئيس بشكلٍ مباشر؛ وبالتالي فقد قام المؤطرون للدستور الأمريكي بإعطاء السلطة للمجمعات الانتخابية لاختيار الرئيس، وكانت هذه المجمعات الانتخابية تُشكّل من النخبة في كل ولاية، ولتضمن بقاء واستمرار الفكر النخبوي في الدوائر السياسية والحاكمة للولايات المتحدة.

وقد بدأوا في كتابة الدستور عام 1787، في الاجتماع الدستوري الشهير الذي عُقد في ولاية فيلادلفيا، واستمر لمدة أربعة شهور، وجاء هذا الاجتماع بعد حقبة تاريخية صعبة، فبعد إعلان الاستقلال عن المملكة البريطانية عام 1776، اشتعلت حرب ثورية استقلالية طاحنة استمرت لمدة ثمانية أعوام.

في مؤتمر التوقيع على الدستور الأمريكي 

وأثناء الاجتماع الدستوري، جاء النقاش الأهم والأكثر جدلًا، وهو آليات اختيار الرئيس الأمريكي، والذي يملك الصلاحيات التنفيذية المباشرة، وكان هنالك مقترحان أساسيان لآليات الانتخاب، المقترح الأول هو أنّ يصبح من مهام مجلس الشيوخ انتخاب الرئيس، ولكنّ هذا المقترح جاء بعد فترة تاريخية صعبة عاشتها أمريكا تحت نظام ملكيّ واستبداد على مستعمراتها، وولّدت هذه المرحلة حالة عدم ثقة في السلطات التنفيذية، وكان التخوف الرئيسي من هذا المقترح هو أنّه من الممكن أنّ يخلق فرصًا جديدة للفساد والاستبداد وسد الفجوات التي أراد الآباء المؤسسون صنعها بين السلطات التنفيذية والتشريعية.

أما المقترح الثاني والأكثر ديمقراطية هو الانتخاب المباشر للرئيس من قبل الشعب الأمريكي، وكانت لهذا المقترح عدة تخوفات؛ الأول بأنّ البلاد ليس لديها الموارد الكافية لتعريف الشعب بالمرشحين الرئاسيين بالشكل الكافي خاصةً في المناطق الريفية، والثاني هو أنّه يمكن لهذه الآلية أنّ تنتخب حكومة من الدهماء تقود الشعب بحكم العواطف وقيادة البلاد إلى الهاوية، وثالثًا تخوفهم من رئيسٍ شعبويّ يقوم بحشد الأصوات واكتساب سلطة أكبر مما يريده الآباء المؤسسون.

لذا جاء تشريع المجمعات الانتخابية باعتباره تسويةً بين المقترحين، ونتاجًا لواقع الولايات وظروفها المختلفة، وليس فكرة ديمقراطية مثالية، يفرضها المؤسسون على واقعٍ لا يمكنه استيعابها.

كما كان أحد النقاشات الحادة أيضًا هي مسألة العبودية، ففي تلك الفترة كانت بعض الولايات لا تسمح بامتلاك العبيد، وولايات أخرى تسمح بذلك. فمثلًا كان 40% من سكان الولايات الجنوبية هم من العبيد السود، كما وصلت نسبة السكان العبيد في ولاية فيرجينيا إلى 60%، فيرجينيا التي خرج منها أحد الآباء المؤسسين، الرئيس الأمريكي الرابع جيمس ماديسون، وبالتالي فبالنسبة لماديسون فإنّ عدم احتساب أصوات العبيد، سيستثني ولايته من المشاركة والوصول إلى رأس السلطة، ولهذا بقي الجدل حاضرًا عن إذا ما كانت تحسب أصوات العبيد في الانتخابات.

رسمة توضيحية لعبيد يقومون بتحضير التبغ في ولاية فيرجينيا 

في هذا السياق، جاء مقترح تسوية «الثلاثة أخماس»، التي تقترح بحساب ثلاثة أصوات من أصل خمسة عبيد، سواءً في الانتخابات الرئاسية أو في انتخاب المجمعات الانتخابية في السباق الرئاسي، والذي اعتمد دستوريًا بعد ذلك. وبسبب هذا القانون؛ استطاعت ولاية فيرجينيا الحصول على 12 مقعدًا في المجمعات الانتخابية من إجمالي 46، وانتخب ثمانية من أول تسعة رؤساء من فيرجينيا، مما يجعل البعض قراءة التسوية بأنّها من صنيعة جيمس ماديسون، ليجعل من الولايات الجنوبية، وولايته خصوصًا، حضورًا وتأثيرًا أكبر في المشهد السياسي.

ما زالت المجمعات الانتخابية، وتسوية الثلاثة أخماس، محلَّ جدلٍ بين المؤرخين والمفكرين، فالمدافع عن نظام المجمع الانتخابي يراه نظامًا عبقريًّا، استطاع خلق نظام مستقر وفعال، تنتقل فيه السلطة بشكل سلميّ لأكثر من 200 عام، وأنّ التسوية جاءت لتحرير العبودية. بينما يرى بعض المعارضين لهذا النظام، أن المجمع الانتخابي نظام غير ديمقراطي وغير عادل، وأنّ تسوية الثلاثة أخماس مرسخة ومقننة لمؤسسة العبودية.

هل يمكن أن نشهد زوال المجمعات الانتخابية قريبًا؟

تُوجد خمس حالاتٍ تاريخية، فاز فيها رئيس أمريكي بعدد أصوات المجمعات الانتخابية، رغم خسارته بالأصوات الشعبية. أولها كان عام 1824؛ عندما حصل جون آدامز على 84 صوتًا من المجمعات الانتخابية، مقابل 41 لمنافسه أندرو جاكسون، رغم تفوق الأخير بنسبة 10.5% في الأصوات الشعبية.

تبع هذه الانتخابات، الانتخابة الأكثر غرابة عام 1876؛ عندما تشكلت الأحزاب في أمريكا، وبدأ النظام الرئاسي في شكله الحزبي، بعد أن كان المرشحون مستقلين ليس لديهم أيّ ارتباطات حزبية رسمية. وفي أثناء انتخابات عام 1876؛ كانت الأصوات الشعبية في صالح الديمقراطي صامويل تيلدين، مقابل الجمهوري رذفورد هايز. وحتى بعد حصولِ تيلدين على 184 صوتًا من المجمعات الانتخابية، مقابل 165 لمنافسه، كان هنالك 20 صوتًا غير محتسبين، سواء لأسبابٍ قانونية أو إجرائية.

لوحة بعنوان «بالتأكيد يريد التصويت لصالح الديمقراطيين» عام 1876 – مصدر الصورة

وحتى تُحلّ مسألة الـ20 صوتًا؛ شُكلّت لجنة انتخابية لتصل إلى تسوية بين المرشحين؛ والتي بموجبها منحت الـ20 صوتًا للجمهوري هايز؛ بشرط أنّ يترأس فقط لفترة واحدة، مقابل ذلك يقوم الجمهوريون بسحب القوات الفدرالية من الولايات الجنوبية، مما سمح للديمقراطيين بتثبيت أجنداتهم الاقتصادية والسياسية في الجنوب.

كانت الحادثة الثالثة في انتخابات عام 1988، بين الديمقراطي جروفر كليفلاند والجمهوري بنيامين هاريسون. والتي انتهت بتفوق الأخير على منافسه بـ233 صوتًا من المجمع الانتخابي مقابل 168، وأيضًا في انتخابات عام 2000 بين آل جور وجورج بوش الابن، التي انتهت بفوز جورج بوش أيضًا بأصوات المجمعات الانتخابية. تاريخيًا؛ لم يكن نظام المجمع الانتخابي في صالح الحزب الديمقراطي، وكانت انتخابات عام 2016 آخر مثالٍ على مثل هذه الأحداث الانتخابية.

وفي يوم 17 يناير (كانون الثاني) 2020، وافقت المحكمة العليا الأمريكية للاطلاع في قضية ممثلي المجمعات الانتخابية عن ولاية واشنطن، وكولورادو، والذين لم يلتزموا بالتصويت لهيلاري كلينتون، رغم أنّها حظيت بالتصويت الشعبي في كلتا الولايتين، فلا يوجد هُناك قانون فيدرالي يُلزم الممثلين للالتزام بالتصويت الشعبي في ولاياتهم، رغم أنّ سياسات الولايات تطلب من الممثلين الالتزام بالتصويت الشعبي، ومن المتوقع أنّ تقرر المحكمة العليا إذا كان يمكن للولايات فرض عقوبات على هؤلاء «الناخبين غير المخلصين» للتصويت الشعبي في يونيو (حزيران) القادم.

ويوجد تباين في مواقف المرشحين الديمقراطيين في سباق الرئاسة لعام 2020، فمن ثمانية مرشحين حاليين، هُنالك أربع يدعون لتعطيل نظام المجمعات الانتخابية والاعتماد على التصويت الشعبي فقط هم بيرني ساندرس، وإليزابيث وارين، وآمي كلوبوشار، وبيت بوتجيج. ويوجد مرشحة ديمقراطية واحدة تدافع عن نظام المجمعات الانتخابية، وهي المرشحة تولسي جابرد، في مقابل ثلاثة آخرين لم يحددوا موقفهم، مثل نائب الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن. فهل تضر المجمعات الانتخابية بمصلحة الديمقراطيين في الانتخابات القادمة؟

المصادر

تحميل المزيد