في البدء لم تكن «القيادة الخضراء» هي مصدر القلق الرئيس، بل كان مجرد الحصول على سيارة تعمل بكفاءة هو المسألة الأكثر أهمية، سواء دارت بمحركات البنزين أو الكهرباء أو الديزل أو البخار، أو حتى الماء المالح أو عصير القصب! ورغم أن تاريخ إنشاء أول محرك كهربائي وسيارة كهربائية، على يد الأمريكي توماس دافنبورت، يعود إلى فترة مبكرة من عام 1834 أو 1835، إلا أن السيارات الكهربائية استغرقت عدة عقود قبل أن يجدها العالم خيارًا عمليًا؛ بسبب تكلفة مواد التصنيع الباهظة في ذلك الوقت.

والمفارقة أن العائق المالي مثلما وقف حجرة عثرة أمام ابتكار الأمريكي دافنبورت في أوائل الربع الثاني من القرن الثامن عشر، كان هو المسؤول الأكبر في عام 2012 عن وأد مولود جنوب أفريقيا «The Joule» في مهده، كما سيأتي تفصيله لاحقًا.

وكما هو معتاد من التراكم المعرفي البشريّ، يدين دافنبورت بالفضل لمخترعين سبقوه على الدرب، هما: مايكل فاراداي الذي بنى أول مغناطيس كهربائي تجريبي في عام 1821، وأستاذ الرياضيات جوزيف الذي بنى أول محرك كهربائي في عام 1831.

ظهرت خلال القرن الثامن عشر أيضًا محاولة الأسكتلندي روبرت أندرسون في وقت ما بين عامي 1832 و1839، لكن أول محاولة عملية كانت على يد المخترع البريطاني توماس باركر في عام 1884، قبل أن يلحق به المخترع الهولندي سيبيراندوس ستاتينغ بمركبة كهرومغناطيسيةٍ خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

منذ ذلك الحين، قطعت السيارات الكهربائية شوطًا طويلا، حتى أصبح عدد المركبات الكهربائية التي تسير على الطرق في جميع أنحاء العالم يربو على خمسة ونصف مليون سيارة اعتبارًا من عام 2019.

وسيتضاعف هذا العدد ثلاث مرات بحلول عام 2020، وفق توقعات وكالة الطاقة الدولية، قبل أن يقفز إلى 125 مليونًا في عام 2030، بحسب تقرير صادر خلال العام الحالي 2019.

مشكلات أفريقيا الاقتصادية والبيئية.. تتطلع إلى السيارات الكهربائية

حين استورد رجل أعمال يدعى فرانسيس رومانو سيارة «نيسان ليف» الكهربائية إلى العاصمة الكينية نيروبي في عام 2016، فوجئ باحتجاز السيارة في الجمارك لسببٍ مثير للاهتمام، وهو أن الموظفين لم يشاهدوا سيارة كهربائية من قبل. لكن رومانو يؤكد اليوم أن استخدام السيارات الكهربائية (EVs) وفَّر عليه نسبة هائلة من تكاليف الوقود بلغت 70٪.

تتفاقم المشكلة في ظل ارتفاع معدل النمو الحضري الثابت في أفريقيا، وزيادة الطلب على مصادر الوقود باطرادٍ إلى حد الندرة، واضطرار المواطنين دفع ما يصل إلى 15-30٪ من دخلهم على وسائل النقل.

ناهيك عن أن المركبات التي تعمل بالوقود لا تساعد في مواجهة مشكلة تلوث الهواء التي تتفاقم يومًا بعد يوم في القارة، حتى تسببت في 246 ألف حالة وفاة مبكرة في عام 2013 وحده.

هنا يأتي دور المركبات الكهربائية التي يتوقع أن تحصل على نسبة 30٪ من حصة السيارات العالمية بحلول عام 2030. هذا يعني إنقاذ الكوكب من أكثر من ثلاثة مليار طن من انبعاثات الكربون سنويًا.

في عام 2018؛ بيعت 1.6 مليون سيارة كهربائية في أوروبا والولايات المتحدة والصين، وبينما تحاول القارات الأخرى أن تحذو حذو العمالقة الأوروبيين والأمريكيين والصينيين، فإن أفريقيا ليست بعيدة عن الركب، خاصة أن السيارات الصديقة للبيئة والموفرة للطاقة ومنخفضة التكلفة قد توفر حلًا لبعض أعقد مشكلاتها الاقتصادية والبيئية.

أضعف عملات أفريقيا.. بين «حلم» الوحدة الاقتصادية و«كابوس» الركوع أمام الدولار

طلاب الجامعات الأفريقية يقودون مستقبل السيارات الكهربائية في القارة

لا تزال الصين تستحوذ على نصيب الأسد في سوق السيارات الكهربائية، بمبيعاتٍ تقترب من 580 ألف سيارة كهربائية في عام 2017، بزيادة قدرها 72% على أساس سنوي عن العام السابق 2016.

لكن بعض الدول الأفريقية خطت خطواتٍ ملحوظة على طريق تصنيع سياراتها الكهربائية؛ لمواجهة تضخم عدد سكان المناطق الحضرية، وما ينتج عنه من إجهاد البنية التحتية وارتفاع أسعار الوقود وزيادة معدلات التلوث؛ ما يجعل الكهرباء بديلًا أمثل. وعلى الرغم من أن هذه السيارات لم ترتق بعد إلى مستوى المنافسة العالمية، إلا أن الشيء الأكثر إثارة للاهتمام هو أن عددًا كبيرًا منها صنعه طلاب الجامعات؛ ما ينبئ بالكثير عن مستقبل القارة في ميدان التكنولوجيا وساحات الابتكار.

فيما يلي بعض السيارات الكهربائية المُصَنَّعة في أفريقيا، التي قد لا تكون على مستوى ابتكارات «هيونداي» و«كيا» و«هوندا» و«نيسان» و«تسلا» و«جاجوار» و«بي إم دبليو»، لكنها لا تزال محاولات مثيرة للإعجاب في دول تعاني من انتكاسات اقتصادية واجتماعية.

1. «Lion Ozumba 551»… أول سيارة كهربائية مصنوعة بأيدي نيجيرية

بعد بناء أول «محطة تغويز» تستخدم النفايات العضوية لتوليد الكهرباء، نجح طلاب كلية الهندسة بـ«جامعة نيجيريا- نسوكا»، في إنتاج أول سيارة كهربائية نيجيرية، أطلقت عليها اسم «ليون أوزومبا 551».

تضم السيارة خمسة مقاعد، وهي مصنوعة من مواد محلية بنسبة 80٪، ويمكنها قطع مسافة تصل إلى 30 كم بالشحنة الكاملة، وتبلغ تكلفة إنتاجها 800 ألف نيرة (2200 دولار)، وفقًا لما ذكرته صحيفة «فانجارد» اليومية النيجيرية.

أثناء إزاحة الستار عن السيارة المبتكرة، يوم 8 يوليو (تموز) 2019، حث السيد جيلاني عليو، المدير العام للمجلس الوطني لتصميم وتطوير السيارات، بقية الجامعات النيجيرية على «محاكاة هذه الروح الابتكارية».

2. «Kiira EV».. أول سيارة كهربائية هجينة مصنوعة بأيدي أوغندية

أسس مجموعة من الطلاب والعاملين في جامعة «ماكيريري» الأوغندية شركة «كييرا موتورز»، عقب مشاركتهم في «قمة تصميم المركبات (VDS 2.0)» التي نظمها «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)» في عام 2007.

كانت مساهمتهم في تصميم وتصنيع سيارة «فيجن 200»، وهي مركبة كهربائية هجينة صديقة للبيئة تضم خمسة مقاعد كشف عنها النقاب في عام 2008، بمثابة الشرارة التي حفزتهم على دفع صناعة السيارات في أوغندا إلى الأمام، من خلال تطوير مركبات صديقة للبيئة.

تُوِّجَت جهود الفريق في عام 2011 بإنتاج أول سيارة كهربائية في أوغندا، أطلقوا عليها اسم «كيرا إي في»، مستفيدين من الدعم الذي تقدمه الحكومة لمشاريع الابتكار في الجامعة.

وفي عام 2014، أصبحت «كيرا موتورز» شركة مملوكة رسميًا للحكومة الأوغندية و«جامعة ماكيريري»، وخصصت لها الدولة 100 فدان لإنشاء مصنع للسيارات، وتوسيع جهود البحث وإنتاج مركبات الصديقة للبيئة.

وخصصت الحكومة الأوغندية ما يقرب من 6.5 مليون دولار من ميزانية عام 2018 لوضع السيارة المبتكرة على طريق الإنتاج، باعتباره جزءًا من إجمالي الإنفاق البالغ 39.8 مليون دولار، على مدار أربع سنوات، من 2018 إلى 2022.

وفي مطلع العام الجاري 2019، صرح ساندي ستيفنز تيكودري توجبا، الرئيس التنفيذي لشركة «كيرا موتورز»، أن السيارة المُصَنَّعة محليًا ستكلف حوالي 25 – 35 ألف دولار، دون احتساب الضرائب.

السيارة ذات الأربعة مقاعد، مزودة بمحرك بنزين سعة 2.0 لتر، وناقل حركة أوتوماتيكي بخمس سرعات، وخلفية داخلية بيج رائعة، وهي جاهزة الآن للطرح في السوق المحلية.

3. «The Kantanka Odeneho II».. صنع في غانا

بدأ مركز «Apostle Safo Suaye» التكنولوجي في مدينة جوموا مبوتا تطوير أول سيارة موفرة للطاقة في عام 1998، ذات خمسة مقاعد ولا تطلق أي غازات دفيئة لأنها تعمل بدون محرك، أطلق عليها اسم «كانتانكا أودينيهو».

تحصل السيارة ذات الخمسة مقاعد على الطاقة من 12 بطارية متصلة، يبلغ عمر البطارية أربع سنوات، ويمكن إعادة شحنها بسهولة من أي منفذ كهرباء منزلي، وهي مزودة بكاميرا تغطي 50 مترًا على الطريق وتعرضه على شاشة مصغرة.

4. «The Joule».. مولود جنوب أفريقيا الذي وُئِدَ في مهده

بقروض واستثمارات تبلغ قيمتها 27 مليون دولار، من الوكالات الحكومية ومؤسسة التنمية الصناعية، وبمشاركة العديد من الموردين والشركاء والجامعات الدولية والمحلية، وبالتعاون مع مصمم سيارات «جاجوار» المولود في جنوب أفريقيا، كيث هلفيت، استطاع 108 شخص في شركة «أوبتيمال إنيرجي» ومقرها كيب تاون تطوير أول سيارة كهربائية في جنوب أفريقيا، وبناء أربعة نماذج جاهزة للخروج إلى الطريق.

السيارة التي أطلق عليها اسم «جولي» متعددة الأغراض وتضم ستة مقاعد، وتستخدم 20٪ فقط من الطاقة التي تستخدمها السيارة التقليدية، وظهرت لأول مرة في «معرض باريس للسيارات» عام 2008، ويصل المحتوى المحلي المستخدم في تصنيعها إلى 50%، لكنها تتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي الصارمة.

يمكن شحن بطارية السيارة من منفذ كهربائي منزلي عادي 220 فولت في سبع ساعات تقريبًا، وتكفي البطاريتان لقطع مسافة تصل إلى 400 كم، بسرعة قصوى تبلغ 87 ميلًا في الساعة. يبلغ طول السيارة 12.8 قدمًا، وعرضها 5.9 أقدام، وهي مزودة أيضًا بنظام منع انغلاق المكابح (ABS). والأهم أن شبكة الكهرباء في جنوب أفريقيا لديها القدرة على تزويد ملايين السيارات بالطاقة، دون التأثير على قاعدة عملائها أو الحاجة إلى أي بنية تحتية إضافية.

السيارات الكهربائية

الخبر السيئ هو أن السيارة، لم تُطرَح تجاريًا في السوق، رغم الجهود المضنية التي بذلت لتسويقها أوروبيا، وتوقف إنتاجها في أبريل (نيسان) 2012، قبل أن تعلن الشركة المصنعة في يونيو (حزيران) من العام ذاته، عزمها إغلاق أبوابها عدما فشلت في إيجاد شريك تجاري ينقذها من النزيف المالي؛ لِيوأَد بذلك حلم صناعيّ آخر في مهده، بعدما كانت السيارة على موعد مع السوق الأفريقية والأوروبية في عام 2014.

أول خط لتجميع السيارات الكهربائية في مصر.. فهل تنضم للركب؟

أعلنت «الشركة الهندسية لصناعة السيارات» المملوكة للحكومة المصرية في يوليو (تموز) 2018، شراكة مع شركة «درشال للسيارات» تقضي بتدشين أول خط لتجميع السيارات الكهربائية في مصر، وتشغيل خط إنتاج تصنيع وتجميع الشواحن الكهربائية.

باستثمارات تبلغ 100 مليون جنيه، تستهدف الشركة الوصول بصناعة السيارة الكهربائية إلى نسبة تصنيع 70% خلال خمس سنوات، بطاقة إنتاجية تصل إلى 10 آلاف سيارة بحلول عام 2023، و2000 شاحن و3 آلاف محطة شحن.

لكن شبح الفشل الذي خيم على جنوب أفريقيا في 2012، يلاحق التجربة المصرية التي لا تزال في مهدها، حسب شكوى رئيس شركة «درشال»، حسن دسوقي، الذي يفكر في التراجع عن التصنيع، واللجوء إلى استيراد سيارات كاملة بدون جمارك، أو الاكتفاء بتحويل السيارات التي تعمل بالوقود- بنزين، سولار- إلى العمل بالكهرباء، وبالفعل بدأ استيراد أول بطارية ليثيوم لمشروع تحويل «الميني باصات» التي تعمل بالسولار للعمل بالكهرباء.

وما بين التجارب الطموحة، والمحاولات الفاشلة، تواصل أفريقيا سعيها لتحجز مكانًا في سوق السيارات الكهربائية، لكنها بحاجة إلى المزيد من الحوافز الحكومية التي تلعب دورا كبيرا في تطوير الصناعة، والبنية التحتية المطلوبة لتشجيع هذا النوع من الابتكارات.

أفريقيا التي لا نعرفها.. 6 تجارب أفريقيّة لإنتاج السيارات تستحق التأمل

المصادر

تحميل المزيد