في الوقت الذي ما تزال الأصوات تتعالى فيه في عديد من الدول العربية للجوء إلى الدراجات الهوائية، بوصفها حلًّا مناسبًا من أجل أزمة الازدحام المروري من جهة، وتوفير الأموال بعد ارتفاع أسعار الوقود من جهة أخرى؛ يبدو أن الدول الغربية بدأت تخطو خطوات أبعد من هذا، عبر ابتكار وسائل أخرى للنقل، كانت مرتبطة في أذهاننا بالترفيه والتسلية فقط.

الآن لم يقتصر الأمر في مدن العالم على الدراجات الهوائية للتنقل، سواء بامتلاكها بشكل شخصي، أو بتأجيرها من المحطات العديدة المنتشرة؛ بل دخل «السكوتر الكهربائي» بقوة إلى شوارع كثير من المدن الغربية بوصفه وسيلة سهلة وسريعة للتنقل، حتى إن شركات عديدة استثمرت فيها ووفرت إمكانية تأجيره للتنقل من مكان لآخر بحساب الدقائق والساعات.

سواء تراها فكرة جيدة أم لا، فمن المؤكد أن الطريقة التي تعمل بها وسائل النقل في المدن بحاجة إلى التغيير؛ فوسائل النقل الاعتيادية تسبب الازدحام الكبير، وهي ملوثة للبيئة، وهناك الكثير من الحوادث، بالإضافة إلى الكثير من الضوضاء. ولحل هذه المشكلات علينا أن نجعل وسائل المواصلات الجديدة أكثر ملاءمة للمدن، وبالتالي نحتاج إلى مساحة خضراء أكثر، وأماكن مخصصة للمشي، أو ركوب الدراجات، أو ركوب المركبات الكهربائية.

السكوتر الكهربائي وانتشار واسع

بدأت إصدارات كبيرة الحجم من السكوتر اللطيف الذي كان يستخدمه الأطفال، وما يزالون في تسليتهم، تنتشر الآن في مدن مختلفة حول العالم. يمكن رؤية هذه الآلات غير جميلة المنظر مقارنة بالأشكال اللطيفة للسكوتر الطفولي، وهي تنتشر في الشوارع والحدائق والأرصفة في مدن أوروبا المختلفة، بدءًا من باريس وحتى مدينة مالقا الإسبانية. كثير من الناس يمتلكون هذه الآلات بشكل فردي. لكنها أيضًا متوفرة للاستئجار عبر استخدام تطبيقات هواتف ذكية مخصصة لها، وهو ما يدل على توفرها بشكل متزايد للاستخدام العام.

أصبحت هذه الآلات الكهربائية الآن قانونية في عدد متزايد من البلدان، على الرغم من وجود قواعد مختلفة للغاية فيما يتعلق بمكان استخدامها. في بعض الأحيان، يُسمح للركاب باستخدام مسارات المشاة، وأحيانًا طرق السيارات، وأحيانًا مسارات الدراجات. لكن الإجماع الناشئ هو أن السكوتر الكهربائي يجب أن يعامل على أنه دراجات هوائية.

ويبدو بالفعل أن شعبية هذه الآلات تكبر يومًا بعد يوم. فعند تقديمها في إحدى المدن عبر البيع أو الإيجار، يكون الطلب عليها كبيرًا وفوريًّا. فمثلًا باعت شركات مثل «بيرد» و«لايم» الملايين من هذه الآلات بالفعل. وبافتراض أن السكوتر الكهربائي يستبدل حصة من حركة مرور السيارات، فهذا سبب وجيه للترحيب به، سواء من قبل الناس أو الحكومات نفسها.

هل تحتاج المدن إلى السكوتر الكهربائي؟

تواجه المدن الكبرى في جميع أنحاء العالم، وليس بلادنا العربية فقط، وباء من الازدحام والتلوث الناجم عن عملية التحضر والتوسع العمراني السريع، الذي يزيد من أزمة المرور، ويزيد الضغط الشديد على أنظمة النقل العام. على سبيل المثال، حوالي 46% من حركة مرور السيارات في الولايات المتحدة ناتجة من سيارات تتنقل في رحلات تقل مسافتها عن خمسة كيلومترات فقط. من هنا، يمكن أن تساعد حلول التنقل الجزئي في تخفيف جزء كبير من هذه الأزمة.

ما تتفق عليه معظم المدن حول العالم، هو أن السكوتر الكهربائي والدراجات الكهربائية والدراجات الهوائية، هي حلول قابلة للتطبيق للمساعدة في تخفيف الازدحام المروري، خاصة في ساعات الذروة.

الدراجات الهوائية عبر التطبيقات أصبحت وسائل نقل شائعة في الآونة الأخير. ومع ذلك، إذا ذهبت إلى مدن أوروبية مثل مالقا أو مدن أمريكية مثل سانتا مونيكا في يوم مشمس، فستشاهد المئات من السكان المحليين والزوار يتنافسون للعثور على أي سكوتر إلكتروني قبل الذهاب إلى الدراجة الهوائية. البيانات من شركة «Lime» الرائدة في هذا المجال، توضح مدى السرعة في وصول عدد مستخدميها إلى 6 مليون من راكبي السكوتر الإلكتروني، وهو ما يلقي بعض الضوء على ملاءمة السوق لمثل هذه المنتجات.

تحديات مختلفة.. الوجه الآخر للاسكوتر الكهربائي

ومع ذلك، فإن هناك مقاومة لا يمكن إنكارها لطريقة النقل الجديدة هذه. فعمليات التخريب لهذه الآلات، وعشوائية أماكن الركن، والركوب المتهور لبعض الأفراد لها، كل هذا يثير غضب البعض. لذلك، لم يكن من المستغرب أن تحتل عناوين الصحف كلمات مثل «حروب السكوتر» الحضرية.

بمتابعة التغطية الإخبارية المحلية للسكوتر الكهربائي في مدن مثل كوبنهاجن، ودالاس، ولوس أنجلوس، ومالقا، وباريس، وستوكهولم لتحديد المشكلات التي واجهتها هذه المدن والحلول المطبقة، تشير النتائج إلى أن السكوتر الكهربائي يمكنه بالتأكيد تحسين أنظمة النقل، خصوصًا عبر تجنب المشكلات الناجمة عن استخدامها ببضع السياسات البسيطة.

السكوتر الكهربائي يسبب ثلاثة أنواع رئيسية من المشكلات. الأمر الأول يتعلق بغضب الناس من الاستخدام غير المسؤول لها، مثل السرعة، أو الركوب المتهور، أو الركوب على الأرصفة، أو المشي وسط الطريق بطريقة تزعج المستخدمين الآخرين للطرق. المشكلة الرئيسية الثانية تتعلق بأسئلة حول سلامة راكبي هذه الآلات وسلامة مستخدمي وسائل النقل الأخرى.

وبالنسبة للمشكلة الثالثة، فهي تتعلق بكونها مصدرًا للتشويش وعمليات التخريب؛ وذلك لأنه بدلًا من تحديد مناطق مخصصة للاستلام والتوصيل، يمكن العثور على السكوتر الكهربائي في جميع أنحاء المدينة. فالتطبيق المخصص للاستئجار يُظهر للمستخدمين أين توجد أقرب السكوتر المتاحة، والتي يمكنك استخدامها وتركها أينما تريد، وهو ما يمثل مشكلات في ازدحام الرصيف بها، ومضايقة عبور المارة مثلًا.

من المنطقي بالطبع أن يؤدي هذا النظام إلى ترك السكوتر الكهربائي في أماكن بعيدة عن الأماكن المثالية التي يفترض أن توجد بها. يمكن ترك أو إيقاف السكوتر بعد الاستخدام على الأرصفة، أو فوق الأسوار، أو حتى في الأنهار، وهو ما يجعل أعمارها الافتراضية قصيرة، بضعة أشهر على الأكثر.

كاستجابة لهذه المشكلات، طبقت مدن مختلفة مجموعة واسعة من السياسات، لكن هذه القواعد الجديدة ما تزال بحاجة إلى تعديل منتظم إلى حد ما. على سبيل المثال، غيّرت باريس تشريعها مرارًا وتكرارًا فيما يتعلق بالمكان الذي يُسمح فيه للسكوتر الكهربائي بالحركة، وبأي سرعة، وأين يجب إيقافه.

تكافح المدن أيضًا عندما تمنع التشريعات الوطنية (على مستوى الدولة) مبادرات السياسات المحلية الهادفة. فقد ناضلت المدن الإسبانية، على سبيل المثال، لأن المجالس المحلية الخاصة بها ترغب في تقييد استخدام السكوتر في مناطق المشاة الواسعة، أو السماح باستخدامها فقط بسرعات منخفضة، ولكنها قد لا تكون قادرة على فعل ذلك قانونًا بسبب القوانين الوطنية.

تكنولوجيا

منذ 5 شهور
احذر شحن هاتفك الذكي عبر منافذ الـ«يو إس بي» العامة

وتعمل معظم شركات التنقل الجزئي الكبيرة مع المدن لمعالجة هذه المخاوف، بما في ذلك استخدام مناطق جغرافية محددة إلكترونيًّا للاستخدام، لمنع المتسابقين من القيادة في منطقة غير آمنة، أو وقوف السيارات في منطقة لا ترغب المدينة في إيقافها (هذا يمكن أن تستخدم أيضًا لمنع الأشخاص من الركوب على الأرصفة)، وتطلب شركات السكوتر الكهربائي من الدراجين أن يكون عمرهم 18 عامًا أو أكبر مع فحص رخصة قيادة سارية المفعول قبل أن تتمكن من فتح حساب على التطبيق.

السكوتر الكهربائي يجعل المدن أكثر أمانًا

في النهاية، نلاحظ أن هذه مشكلات فرعية في وقت يكتسب فيه السكوتر الكهربائي زخمًا كبيرًا كونه يحل أزمة أكبر. ومع هذا، فقد ذكر بحث جديد أن ركوب السكوتر الكهربائي ليس أكثر خطورة من ركوب الدراجة، بل إنه قد يجعل المدن أكثر أمانًا. ووجد البحث أن رحلة بالسيارة أو دراجة نارية في المناطق الحضرية الكثيفة من المرجح أكثر أن تؤدي إلى وفاة مستخدم طريق – بما في ذلك المشاة – أكثر من مركبة خفيفة مثل سكوتر إلكتروني.

ومع ذلك، قال تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إنه إذا بدأ المارة باستخدام السكوتر الكهربائي بدلًا من المشي، فقد تصبح المدن أكثر خطورة. وتتضمن قائمة التوصيات المقدمة إلى الحكومات في هذا التقرير السماح للسكوتر الكهربائي باستخدام الممرات المخصصة للدراجات، وجمع البيانات عن رحلات السكوتر، وتدريب سائقي السيارات على كيفية تجنب الاصطدام به.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد