«أكاد أصاب بالجنون، هل يمكن لأحد أن يتخيل أن بلدًا بحجم العراق ونفطها، يتظاهر شعبها كل عام من أجل الكهرباء، ولا يصاب بالجنون»!

كانت تلك كلمات حسين، (30 عامًا)، من سكان محافظة البصرة، وأحد المحتجين الذين نزلوا إلى الشوارع مرة أخرى في أواخر الشهر الماضي، احتجاجًا على استمرار انقطاع التيار الكهربائي.

سنوات طويلة منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، قضاها العراقيون في التظاهر من أجل الكهرباء، فيأتي فصل الصيف، ليجدد مأساة العراقيين وكابوسهم الدائم. وخلال الأيام القليلة الماضية، تفاقمت أزمة الكهرباء وسط تعرض العراق لموجة حر شديدة، ووصلت درجات الحرارة إلى 51 درجة مئوية. لكن على ما يبدو أنه لا يوجد حل قريب لهذه الأزمة.

سنوات طويلة من الفساد

فى بلد ينتج 4.5 مليون برميل من النفط يوميًا، يعيش سكانه في ساعات طويلة في الظلام نتيجة لانقطاع التيار الكهربائي الذي يمتد لفترة تصل إلى 15 ساعة في أغلب الاوقات. وبالرغم من الأموال الضخمة التي اعتمدتها الحكومات العراقية المتتالية، من أجل تأمين الإمدادات الكهربائية للسكان؛ إلا أن الوضع لا يزال سيئًا للغاية، ويخرج العراقيون للاحتجاج على نقص الكهرباء كل صيف، وفى مظاهرات الصيف الحالي قتلت القوات الأمنية ثلاثة متظاهرين، بحسب «مفوضية حقوق الإنسان العراقية».

وفى محاولة لإيجاد حل، شكل البرلمان العراقي لجنة للتحقيق في عقود وزارة الكهرباء منذ عام 2006 إلى 2020، تضم اللجنة التي يتولى رئاستها، النائب الاول لرئيس البرلمان، حسن الكعبي، رؤساء هيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية، وأربع لجان تمثيلة من الخدمات، هي: إعادة الإعمار، والاقتصاد، والاستثمار، والنفط والطاقة.

أحد أعضاء لجنة التحقيق هذه، تحدث إلى «ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته، واصفًا ما وصلت إليه اللجنة بأنه «كم هائل من الفساد»، فيقول «بالرغم من أننا لم ننته من تحقيقنا، إلا أنني لا أستطيع أن أصف الكم الكبير من العقود والمبالغ الطائلة التي تم استثماراتها في مشاريع وهمية».

يقدم عضو لجنة التحقيق مثالًا واحدًا على فساد وزارة الكهرباء العراقية، فيقول «أهدر المسئولون السابقون في وزارة الكهرباء، والحكومات السابقة، مليارات الدولارات على بناء محطات توليد كهربائية، تعمل بالغاز، ولا ينتج العراق الغاز»!

الجميع متورط في أزمة الكهرباء

فىيتقرير منشور له تحدث لؤي الخطيب، وزير الكهرباء العراقي السابق في حكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، عن أن فترة ولايته كانت من أفضل فترات وزارة الكهرباء، وأنه أشرف على تنفيذ إستراتيجية لمجموعة من المشاريع السريعة.

يجادل الخطيب بأنه في صيف عام 2019، والذي كان يتوقع العديد من الخبراء أن يشهد مظاهرات واسعة النطاق احتجاجًا على أزمة الكهرباء، بحسب وصفه، شهد زيادة 20% لتوليد الطاقة والخدمات في جميع أنحاء العراق.

وفي ظل تباهي الخطيب بإنجازاته، وانتقاده للفساد بوزارة الكهرباء خلال الحكومات السابقة، اقتحمت قوة مسلحة يوم الاثنين 10 أغسطس (آب)، منزل الوزير السابق، وقررت محكمة مختصة بقضايا النزاهة منعه من السفر لتورطه في قضايا فساد.

«ليس الخطيب فقط الفاسد، إذا تحدثنا عن ملف وزارة الكهرباء، فالجميع متورط في الفساد، والجميع مشارك في أزمة الكهرباء في العراق»، هكذا علق مسئول بارز بوزارة الكهرباء، على خبر اتهام الخطيب، في حديثه لـ«ساسة بوست»، رافضًا الكشف عن هويته لأسباب أمنية.

يقول المسئول الحالي بوزارة الكهرباء، «بدءًا من نوري المالكي، وانتهاءً بمستشار وزير الكهرباء الحالي، الكل متورط في عمليات فساد كبيرة، وعقود بمليارات الدولارات، ذهبت مع الريح»، بحسب قوله.

إلى جانب الطبقة السياسية المتورطة في الفساد، وأزمة الكهرباء، تحدث مسئول وزارة الكهرباء، عن تدخل الفصائل المسلحة في الأمر، فيقول «ليس السياسيون وحدهم المتسببين في أزمة الكهرباء بالعراق، بعض (الجهات)، التي لها علاقة قوية بإيران، لا تريد إصلاح الأزمة، ليظل العراق دائمًا في حاجة إلى كهرباء إيران».

يعتمد العراق بشكل كبير على إيران في استيراد الطاقة، وبالرغم من العقوبات الاقتصادية الأمريكية على طهران، إلا أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد عملت على منح العراق إعفاءات من تلك العقوبات لحل أزمة الكهرباء واستمرار استيرادها من الجمهورية الإيرانية الإسلامية.

«فتّش عن المستفيد».. البعض يتربح من أزمة الكهرباء في العراق

تحاول الولايات المتحدة تخليص العراق من الاعتماد بالكامل على طهران في استيراد الطاقة، وهذا ما لا يروق للجارة التي تجد في العراق متنفسًا اقتصاديًا، خاصة بعد العقوبات الأمريكية التي دفعت باقتصادها إلى حافة الهاوية.

فى 3 يونيو (حزيران) 2020 ذهب قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، الجنرال إسماعيل قاآني إلى بغداد، على رأس وفد إيراني يضم وزير الطاقة الإيراني رضا أردكانيان آن، الذي اجتمع بالكاظمي، لمناقشة أمور الإمدادات الكهربائية الإيرانية للعراق.

Embed from Getty Images

إسماعيل قاآني 

حينها أعلن الوزير الإيراني أردكانيان عن توقيع اتفاقية جديدة مع الحكومة العراقية، لتصدير الكهرباء للعراق لمدة عامين، بعد أن قطعت طهران الإمدادات الكهربائية عن بغداد، لعدم وفاء الحكومة العراقية بالمستحقات المالية لطهران.

وفى السياق نفسه، أعلن السيد أردكانيان، أن الحكومة العراقية، قد دفعت 400 مليون دولار من مستحقاتها في مجال الطاقة لإيران.

الاتفاقية الجديدة بين إيران والعراق بشأن تصدير الكهرباء، ستستمر إلى عام 2021، وتبلغ قيمتها 800 مليون دولار، يقول الصحافي الإيراني أمير علي رضا المختص بالشأن العراقي، لـ«ساسة بوست»: «تأتي هذه الاتفاقية في محاولة من طهران إلى تعطيل اتفاقية العراق مع السعودية، فإيران تدافع عن تصديرها الكهرباء للعراق لآخر لحظة، في وسط الأزمة الاقتصادية خاصة بعد جائحة فيروس كورونا».

وبالعودة إلى المحاولات الأمريكية، لتنويع استيراد مصادر الطاقة للعراق، فكانت قد وقفت الإدارة الأمريكية بكل قوة خلف الاتفاق بين بغداد والرياض، لربط العراق بشبكة الكهرباء السعودية.

ففي 17 يوليو (تموز) 2020 أعلنت وزارة الخارجية العراقية في بيان لها أن ممثلي الأطراف الثلاثة (بغداد، الرياض، واشنطن)، قد عقدوا مؤتمرًا افتراضيًا للتأكيد على مشروع الربط الكهربائي بين المملكة العربية السعودية والعراق.

يقول مصدر عراقي مطلع على هذا المؤتمر لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته، إن «الولايات المتحدة هي التي دفعت الرياض لعقد هذا الاتفاق إلى الآن، يوجد بعض الارتباك بخصوص الاتفاق».

لم يفسر المصدر ما معنى الارتباك الذي يحوم بالاتفاق، بالرغم من تصريحات المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية أحمد العبادي، الذي قال فيها: إن «مشروع الربط الكهربائي بين بغداد والعراق، أصبح في مراحله المتقدمة، ويحتاج فقط إلى شهور قليلة لاستكماله». 

وبحسب العبادي، فإن خط الربط الأول مع السعودية سيكون باتجاه البصرة ويزودها بحوالي 500 ميجاوات، والثاني لمحافظة السماوة بحوالي 300 ميجاوات، الأمر الذي من شأنه أن يقلل ساعات انقطاع التيار الكهربائي في المحافظات الجنوبية.

دولي

منذ سنة واحدة
«ناشيونال إنترست»: عكس ما يبدو.. كيف حاربت أمريكا لصالح إيران طوال ربع قرن؟

يقول حسين الذي يتظاهر من أجل الكهرباء منذ عام 2018، لـ«ساسة بوست»: «لا أمل لدي في هذه الاتفاقية مع السعودية، لن تسمح الميليشيات الموالية لإيران باستكمال هذا المشروع، لا أمل لدينا في الحصول على الكهرباء، لقد يئسنا».

يتهم البعض الفصائل المسلحة الشيعية الموالية لإيران، بتورطها في استمرار أزمة الكهرباء، للاستفادة منها، ففي ظل انقطاع التيار الكهربائي، يلجأ العراقيون إلى المولدات الكهربائية، وهي سوق كبير ومربح، وبحسب مسئول وزارة الكهرباء العراقية، فإن هناك العديد من الجماعات المسلحة المسيطرة على هذا السوق، ومن مصلحتها عدم إيجاد حل لأزمة الكهرباء.

الفزّاعة.. أزمة الكهرباء العراقية و«داعش»

كانت محطات توليد الكهرباء العراقية، هدفا مفضلا لدى «تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)» منذ عام 2014؛ مما دمر الكثير من البنية التحتية للعراق. وعندما كان يحتج العراقيون وقتها على انقطاع التيار الكهربائي، كانت الحكومة تُرجع الأمر إلى الهجمات المسلحة من قبل تنظيم «داعش».

فى مظاهرات عام 2018 احتجاجًا على أزمة الكهرباء وجد العراقيون أن فزاعة «داعش» قد انتهت، وأنه قد آن الأوان لحل هذه الأزمة، خاصة بعد أن أعلن العراق انتصاره على التنظيم المسلح في عام 2017. لكن الجدير بالذكر أن الهجمات المسلحة على خطوط إمداد الكهرباء مازالت موجودة إلى الآن، حتى وان لم تكن بشكل كبير كما كانت في السابق.

فعلى سبيل المثال، في الأسابيع القليلة الماضية، استهدف ما يعرف بـ«بفلول»، تنظيم «داعش»، حوالي 30 خطًا كهربائيًا بعبوات ناسفة في كل من كركوك، وبغداد، وديالى؛ مما أثر على معدل تجهيز الطاقة الكهربائية في ست محافظات عراقية أخرى.

«لا تحاسبوا الحكومة الحالية على فساد السابقين»

عندما خرج المتظاهرون في الأسابيع الماضية، للاحتجاج على انقطاع التيار الكهربائي، وسط موجة الحر الشديدة التي تمر بها البلاد، وجائحة فيروس كورونا التي فرضت الإغلاق وحظر التجول على العراقيين لفترات طويلة، تعرضوا لإطلاق النيران الحية.

لكن المتظاهرون أعلنوا عزمهم على مواصلة الاحتجاج، في غضون ذلك كان قد أعلن وزير الداخلية العراقي، عثمان الغانمي، أن المحتجين الذين قتلوا في أثناء تلك المظاهرات قتلوا برصاص ضباط استخدموا بنادق صيد شخصية.

في هذه الأثناء كان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، قد صرخ أنه لم يصدر أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، مضيفًا «ليس من العدل مطالبة الحكومة التي بدأت عملها منذ شهرين، بدفع ثمن كل السرقات التي ارتكبتها الحكومات السابقة».

في محاولة لكسر اليأس والغضب جراء انقطاع التيار الكهربائي، ظهر بعض الشباب العراقيين في مقطع مصور بمدينة البصرة وهم يحتفلون بالرقص والطبول بمناسبة وصول مولد كهربائي إلى مدينتهم، التي تعاني من شح في إمدادات الطاقة الكهربائية، بالرغم من كونها مدينة غنية بالنفط الخام.

احتفال شباب عراقيين بوصول مولد كهربائي لمدينتهم:

سجاد (36 عامًا)، من سكان محافظة ذى قار، ولديه ثلاثة أطفال، يقول لـ«ساسة بوست»، «نمكث في المنزل فلا نجد الكهرباء، نخرج إلى الشوارع، يقولون فيروس كورونا، أين نذهب؟».

لكن على جانب آخر يرى سجاد الذي تملكه اليأس أن لا فائدة من المظاهرات والاحتجاجات، «نتظاهر منذ سنوات، ولا فائدة، نلعن المسئولين، واللعنات لا تصيب سوى الشعب العراقي».

عربي

منذ شهر
«المونيتور»: هل هناك حلول سريعة لإنقاذ العراق من أزمة الكهرباء؟

المصادر

تحميل المزيد