صدرت اليوم دراسة مفصلة تناولت قطاع الكهرباء في مصر، بالتعاون بين «مؤسسة هاينرش بول» الألمانيَّة، و«المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعيَّة»، وجاءت الدراسة بعنوان «80 جيجاوات من التغيير.. مسارات الكهرباء المستقبليَّة في مصر»، وهي حصيلة لورش عمل مكثَّفة تقنيَّة واجتماعيَّة، كما استندت على كمٍّ كبيرٍ من المهارات والقوالب المعرفية، وخبرات منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقيَّة ومراقبي الوضع البيئي. في هذا التقرير عرضٌ موجزٌ للدراسة، بعد اطلاع «ساسة بوست» عليها بموجب الاتفاق مع المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعيَّة.

ووفقًا للدراسة: «فتعتبر (80 جيجاوات من التغيير) هي أول سيناريو عن قطاع الطاقة في مصر على الإطلاق ينسب تحليله وتصميمه للمجتمع المدني ويكون متاحًا للجمهور، ويتضمن هذا المشروع عبر مشاركة الأطراف المعنية وبعد عملية إعداد مشتركة، سبعة سيناريوهات مختلفة تجيب عن سؤال كيف يمكن أن تتطور مصر بين 2015 – 2035 مع وضع كافة الاحتمالات الإيجابية والسلبية».

كما تُعدّ هذه الدراسة مُنتج مشروع مدته 8 أشهر يسعى لوضع نموذج يصف ما سيبدو عليه قطاع الكهرباء في مصر خلال 20 عامًا. ويعتبر هو أوَّل تقرير في مصر يطرح 7 مسارات مختلفة، ويُحدِّد الآثار والتكاليف وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، والمكاسب التي تنتج من وراء كل مسارٍ على حدة.

قطاع الطاقة المصري الحالي

وفقًا للدراسة يعتبر قطاع الطاقة المصري حاليًا وليد الموارد الطبيعيَّة للبلد، وتتمتَّع مصر بشبكةٍ مركزيَّةٍ محليَّة بطول نهر النيل، كانت الدولة هي التي تديرها حتى وقتٍ قريب. تعتمد مصر اعتمادًا رئيسيًّا على الغاز الطبيعي والبترول بنسبة 91% من احتياجاتها من الطاقة، بينما ما نسبته 8% من السد العالي، والـ 1% الباقي من الرياح والطاقة الشمسية معًا.

تتمتع مصر باحتياطيّ كبير من الغاز الطبيعي، وهو ما سهَّل عليها مواكبتها لتطوُّرات الألفيَّةِ الجديدة، لكنّ المشكلة تكمن في أنَّ مصر قد تحوَّلت من دولةٍ مُصدِّرةٍ للبترول إلى دولةٍ مستوردةٍ له، بسبب عدم تعويضها للانخفاض في إنتاج المواد البترولية المحلية بين عامي 2000 – 2013 من خلال مصادر طاقة أخرى. وتواجه مصر عجز طاقة بحوالي 4000 ميجاوات. وهذا العجز هو الذي يتسبَّب في انقطاع الكهرباء المتكرر في حالات وصول الطلب أقصاه، وغالبًا ما يكون هذا في فصل الصَّيف الحار للغاية، ويعتبر هذا العجز مشكلةً جوهريةً يتسبب فيه الازدياد المطَّرِد لأعداد السكان والذي يتوقع أن يستمر بنسبة 1.6% سنويًّا، وهو العامل الذي يمثل المؤثر الأكبر في ارتفاع الطلب على الطاقة.

التعامل الاقتصادي الخاطئ

حتَّى 2013 /2014 كان يذهب 70% من دعم البنزين، و60% من دعم الغاز الطبيعي، إلى الـ 10% الأكثر ثراءً في مصر!

بدأت وزارتا البترول والكهرباء في سياسات خلق مصادر حية تقليديَّة مرتفعة الدعم، الموجَّه بالأساس إلى الخُمس الأفقر من السكان في مصر، خصوصًا البنزين والديزل، لكنّ ما حدث هو أن هذا الدعم ذهب لأصحاب السيارات الملاكي، خصوصًا الطبقات المتوسطة والعليا!

يمكن ردّ هذه النتيجة العكسية إلى أنّ الدعم في مصر -بطبيعته الجارفة على حد تعبير الدراسة- لا يعتمد على الدخل، ما أجبر الحكومة على خطةٍ لإلغاء الدعم عام 2014، وهو ما تسبَّبَ بشكلٍ مفاجئ في ازدياد أسعار الكهرباء والوقود الحفري، ما أثر على أصحاب الأعمال الصغيرة والأسر ممن يعتمدونَ على إتاحة الوقود في احتياجاتهم الأسياسية المجردة.

وبشكلٍ عام، هناك بعض التحدِّيات التي ستؤثر على قطاع الطاقة في مصر بلا شكّ، أبرز هذه التحديات:

  1. الزيادة السكانيَّة.
  2. تقلُّبات أسعار النفط والغاز.
  3. ازدياد التصحر.
  4. تغيُّر أنماط المناخ.
  5. الأحداث الجوية الأكثر تكرارًا وشدَّة (موجات الحرّ، والثلج، والعواصف الترابية، والفيضانات، والجفاف).

النقطة الأسياسية التي لا يجب أن تغيب عن صانعي السياسات والدارسين، أنّ قطاع الطاقة المصري لا يعمل منفردًا، وإنما يعمل في إطارٍ دوليّ، ويتأثر بالاتفاقيات الدولية والتجارة الدولية والأسعار العالميَّة للوقود والطاقة المتجددة والوقود الحفري، وتصل الدراسة لنتيجة أنّ «لكل هذه الجوانب سنجد بوضوح أن وجود قطاع طاقة فعال يمكنه أن يوفر لنا طاقة متاحة بشكلٍ مُستدام وذات أسعار معقولة دون تعريض البيئة أو المجتمعات المحيطة للخطر، ولكنَّه سيعني أيضًا وجود مجموعة من المتطلبات الحاسمة بل الصعبة التي علينا أخذها في الاعتبار».

المسارات السبعة المتوقَّعة لمستقبل قطاع الكهرباء في مصر

أولًا: مسار «بقاء الأمور على حالها BAU»

التكلفة الإجمالية: 4.6 مليار دولار أمريكي.

يُبنى هذا السيناريو -وهو السيناريو التأسيسيّ للدراسة- على أساس عدم حدوث أي تغيُّرات كبيرة لمزيج الطاقة المصري الحالي. خرجت الدراسة بأن احتماليَّة بقاء هذا السيناريو غير مُمكنة خصوصًا مع احتمال تقدُّم الدولة المصرية المستمرّ في مجالات التنمية، وإلغاء دعم الوقود الحفري. ويفترض السيناريو عدم دخول أي تطويرات جديدة في موارد الطاقة على مزيج الطاقة الحالي، لكنه يفترض ازدياد توافر الطاقة لتلبِّي النمو الحاصل في الطلب وحتى 2035.



بينما سيصبح مزيج الطاقة في مصر -وفقًا لهذا السيناريو- كالتالي:


ثانيًا: مسار «بقاء الأمور على حالها مع استخدام الفحم BAU + COAL»

التكلفة الإجمالية: 11.5 مليار دولار أمريكي.

في بدايات عام 2013، بدأ خبراءُ الصناعة ومالكو المصانع بالضغط على الحكومة لاستخدام الفحم كمصدر حراري للطاقة بديلًا عن الغاز الطبيعي؛ نظرًا لعجز الطاقة الوشيك الحدوث في مصر. وسمحت الحكومة بناءً على هذا الضغط باستيراد الفحم. بالنسبة للدارسة لم تدرج هذا السيناريو كسيناريو تأسيسي، لأنه لا يمكن ضمُّهُ في النموذج بشكلٍ دقيق دون أن تكون أرقامه واضحةً وثابتة.

بينما سيكون من المفترض -وفقًا لهذا السيناريو- بناء محطات الطاقة التي تعمل بالفحم داخل نطاق الشبكة القومية وقرب مصدر موثوق فيه لأغراض التبريد، وهو ما يعني وضع محطات الطاقة تلك بجوار النيل، لكنّ أحد أكبر المعضلات الأساسيَّة أنّه وفقًا للأمم المتحدة فإن مصر ستعاني من «أزمة مياة حادَّة» بحلول العام 2025. وبالتالي لا يمكن أبدًا الاعتماد على أي مسار لتوليد الطاقة في مصر يفترض إتاحة كميَّات كبيرة من المياه عبر الخمسين سنة القادمة.

كما أنّ المشكلة الأخرى الكبرى التي تواجه محطَّات الفحم بوجه عام، أنّ محطات الفحم تمثل واحدة من أكبر مخاطر الانحسار الكربوني على مستوى العالم.

ثالثًا: مسار «نحو صفر كربون TZC»

التكلفة الإجماليَّة: 10.8 مليار دولار أمريكي.

يعطي هذا السناريو الأولويَّة للموارد التي تضمن تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، حيث من المتوقع أن تشمل موارد الطاقة المتجددة (الرياح والمياه والشمس مثلًا) أعلى نسبة من مزيج الطاقة. وتتعدد الأسباب التي تجعل من استخدام مسار «صفر كربون» لتوفير الطاقة في مصر مهمًّا:

فأولًا: لأن مصر دولة نامية، تسعى لأن تكون دولة متوسِّطة الدخل، وانتشال مواطنيها من الفقر وانعدام التعليم والرعاية الصحيَّة الأساسيَّة.

ثانيًا: كما سيؤثر الخطر العالمي لتغير المناخ بالسلب على مصر أيضًا، على المستويات القوميَّة والمحليَّة، وستعاني من الإجهاد المائي الشديد، والتي بدأت في المعاناة منه بالفعل. وستعاني من كوارث جويَّة أسوأ، ومن تسرُّب المياه المالحة لمصادر المياه العذبة بمنطقة الدلتا.

ثالثًا: بموجب المعاهدات الدولية، من المحتمل أن تقدم مصر إسهاماتٍ في تقليل الانبعاثات التي تسري على الأقل حتى عام 2030.

وسيخرج من هذا المسار نتائج مزيج الطاقة في 2035 كالتالي:

تجدر الإشارة إلى أنه كان من المفترض في الأصل لهذا المسار أن يكون بعنوان «صفر كاربون»، لكن اتضح بعد إجراء العديد من البحوث الأخرى أنّ الجدول الزمنيّ حتى عام 2035، لم يسمح بنزعٍ سريع للكربون من قطاع الطاقة بدون استثمارات خارجية ضخمة للغاية، نظرًا لأن مصر تقع تحت تصنيف «دولة نامية»، بالتالي كانت إضافة كلمة «نحو»، لضمان استمرار سيناريو 2035 ومساهمته في الوصول لصفر كربون بحلول 2050 في حالة الاضطرار للسير على جدول زمني أطول.

رابعًا: مسار «نحو صفر كربون مع الطاقة النووية TZC + NUCLEAR »

التكلفة الإجماليَّة: 23.7 مليار دولار أمريكي.

بافتراض هذا المسار، وُضع في الاعتبار أنّ مصر ستحتاج إلى استيراد اليورانيوم رغم أنّ مصر لديها خام اليورانيوم بالفعل! ولكن الأزمة توجد في نقص المعلومات حول قدر الخام ومدى كفايته للتشغيل المطمئن لمحطَّة طاقة نووية.

لكنَّ مصر ستواجه أزمة أخرى، وهو عدم تأهُّل بنيتها التحتيَّة لاستقبال محطَّات نووية، لأن بناء محطة نووية يحتاج لعمالة يدوية وفريق عمل مُدرب على الفنيَّات، ولا توجد هذه المهارات في مصر حاليًا، ولا توفر المؤسسات المعنية بهذه المؤهلات (الجامعات) المهارات المطلوبة لتدريب مجموعة من المصريين في الوقت المطلوب للبناء. كما أنّ موقع بناء محطة نووية يحظى بحساسية شديدة في مصر، فيجب أن تكون المحطة بجانب مجرى مائي بغرض استخدامها كمصدر للتبريد أثناء تشغيل المحطة، وإيقاف تشغيلها. ولن تعمل محطات الطاقة النووية في أوقات الجفاف التي تعد مصر معرضة لها بشدَّة.

خامسًا: مسار «نحو صفر كربون مع الطاقة الشمسيَّة المركزة TZC + CSP »

التكلفة الإجماليَّة: 24 مليار دولار أمريكي.

ويُعدُّ هذا المشروع هو أكثر السيناريوهات تكلفةً على الإطلاق، وعلى الجانب الآخر فلدى مصر قابليَّة من أعلى القابليات في العالم للتسبُّب في الإشعاع الشمسي، ما يُعدُّ مثاليًّا للطاقة الشمسيَّة المركزة. كما أنّ مصر لديها مساحة أراضي صحراويَّة شاسعة واقعة غرب وادي النيل، والتي يمكن توزيع المحطات الشمسيَّة عليها. ومن المؤيد أيضًا لهذا المسار أنّ مصر تُنتج مواد بناء محطات الطاقة الشمسية داخل أراضيها، كالأسمنت والخرسانة والصلب، والزجاج الطافي. لكنّ العقبة الوحيدة أمام مصر في هذا المسار أنه أبهظ المسارات تكلفةً على الإطلاق.

انبعاثات ثاني أكسيد الكربون

سادسًا: مسار «نحو استقلال الطاقةTEI »

التكلفة الإجماليَّة: 13.2 مليار دولار أمريكي.

ويعمل هذا السيناريو على أساس أنّ الأولويَّة القُصوى تُعطَى للموارد المصريَّة المحليَّة، ثمّ بالتحرك في الاتجاه الذي يزداد فيه استقلال الطاقة، لا يتمّ استخدام أي فحم أو نووي بما أنّ الاثنين يُعدَّان من مصادر الطاقة المستوردة، وستسدّ محطات الطاقة الحراريَّة التي تعمل بالغاز الطبيعي الطلب المتبقِّي على الطاقة. النتيجة الأبرز لهذا المسار أنَّ هناك تشابهًا كبيرًا بين نتائجه، وبين نتائج «نحو صفر كربون»، فستتكرَّر معهُ مشكلات البنية التحتية وإتاحة الطاقة.

ربما المشكلة التي تواجه هذا المسار ستكون في التكاليف، فسيصبح من المهم إجراء عملية دمج ما بين استثمارات القطاع العام والقطاع الخاص. كما سيكون استيراد معدَّات الطاقة المتجددة، ومحطات الطاقة الحرارية، ومحطات الكتل الحيوية أمرًا واردًا، مثل بقيَّة السيناريوهات.

سابعًا: مسار «نحو طاقة لا مركزيَّة TDE»

التكلفة الإجماليَّة: 19.5 مليار دولار أمريكي.

يسعى هذا السيناريو لوضع مصر على طريق الاكتفاء الذاتي عبر تفكيك «مركزيَّة توليد الطَّاقة» ونقل التحكم إلى مستوى المحليَّات والمحافظات؛ مما يقرب المواطنين أكثر من صناعة القرار المتعلق بالطاقة، ويزيد من تمكينهم من اتخاذ قرارات تؤثر في حيواتهم. ووفقًا للدراسة فإنها تتوقع عدم الوصول لتحقيق الهدف من هذا المسار تحقيقًا كاملًا خلال العشرين سنة القادمة، ولكنه سيظل يغذِّي الرهان طويل المدى على التمكين، والتغيير والتنمية البشرية التي تظهر تعبير المصريين عن بلدهم.

أمَّا القلق الآخر وراء تفكيك مركزية تزويد الطاقة في مصر، فهو تجنب استحواذ الشركات الكبرى على سوق الطاقة الذي قد ينتج عن تحرير الاستثمار، وله آثار سلبية بالطبع على البلاد النامية، تضرب الدراسة مثلًا بالمملكة المتحدة، التي تسيطر فيها ستّ شركات على قطاع الطاقة، تعرف بـ«الشركات الستّ الكبرى»، التي توفر خدمات الطاقة عبر المملكة المتحدة من أجل المواطنين. وهذه الشركات ربحية بالأساس ولا يعنيها أن تغير موقع المملكة المتحدة كونها من أكثر الدول الأوروبيَّة التي تعاني من فقر الوقود.

من المعروف أنّ مصر ليست بمنأى عن ذلك، فرغم أنّ نظام الطاقة في يد الدولة المركزيَّة، وجدت الدراسات أنّ عقود تصدير الغاز الطبيعي من مصر إلى إسرائيل والأردن وإسبانيا تبيع بأسعار أرخص من قيمتها الحقيقية بشكلٍ ثابت؛ مما تسبب في خسارة مصر 10 مليارات دولار من أرباح أعوام 2005 – 2011.

ووفقًا لهذا المسار، سيتكون مزيج الطاقة من 40% استيعاب طاقة حراريَّة من الغاز الطبيعي، و5% من السد العالي والتوربينات متناهية الصغير، و15% رياح، و35% ضوئية شمسيَّة، و5% كتل حيويَّة. ويعتبر هذا المسار هو ثالث أكثر المسارات تكلفةً.

وبمقارنة جميع المسارات، سيكون مسار «بقاء الأمور على حالها BAU » هو الأنسب، فسنجد أنّ هذا المسار يلحق ضررًا أقلّ بالبيئة نظرًا لانخفاض الانبعاثات.




عرض التعليقات
تحميل المزيد