في الفيلم الأمريكي «أحدهم طار فوق عش الوقواق» الذي أُنتج عام 1975 وأخرجه ميلوش فورمان، يجلس جاك نيكلسون منتظرًا دوره في جلسة العلاج بالصدمات الكهربائية في مصحة نفسية، ليجد مريضًا آخر انتهى من الجلسة، وقد قُيدت يداه وقدماه، بعدها يخضع جاك نيكلسون لصدمة كهربية، والتي كانت أشبه بعملية تعذيبية، وهي الصورة الغالبة في ذهن العديد من الناس عن العلاج بالصدمات الكهربائية أو الـ«ECT»، بسبب السينما عادة.

يعمل العلاج بالصدمات الكهربائية عن طريق تمرير تيار كهربي لإحداث تشنجات، وعلى الرغم من أنه علاج يحرز الكثير من النجاحات في شفاء أمراض نفسية مزمنة إلا أن اسمه وحده يثير الذعر والرهاب، ربما بسبب نقص المعلومات عنه، وتقدر أعداد المرضى التي تتلقى العلاج بالصدمات مليون شخص في العالم سنويًا.

الصدمات الكهربائية.. استخدام مرض لعلاج مرض آخر

في هذا العالم السريع واللاهث لم يعد المرض النفسي نادرًا على الإطلاق، على العكس هو شديد الشيوع أكثر مما تتخيل، ففي دراسة تمت عام 2017، هناك 792 مليون شخص في العالم يتعايشون مع المرض النفسي، ويأخذ المرض النفسي أشكالًا كثيرة ومعقدة، من الاكتئاب، إلى ثنائية القلق، والشيزوفرينيا، حتى اضطرابات الطعام، وما زالت التقارير الواردة عن نسبة المرضى النفسيين في العالم غير كافية، وذلك بسبب الحرج الاجتماعي، وعدم توافر الوعي اللازم، وسبل الرعاية الطبية في البلاد منخفضة الدخل.

قُدم العلاج بالصدمات الكهربائية لأول مرة في روما في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد استخدم أوجو سيرليتي، ولوسيو بيني تيارًا كهربيًا لإحداث نوبة صرع لأغراض علاجية، فقد اكتشف الأطباء النفسيون أن إحداث التشنجات يخفف من أعراض المرض النفسي، وفكرة إحداث نوبة صرعية لم تكن جديدة، فقد قدمها طبيب الأعصاب المجري جوزيف ميدونا ولكنه كان يحدث نوبة الصرع كيميائيًا، لأنه لاحظ أن نوبات الفصام تتناقص، عندما يصاب المريض بالتشنجات.

واستُخدم عقار الميترازول الذي يتسبب في إحداث تشنجات، لكنه كان يصيب المرضى بالرهاب، وهو ما دفع الأطباء للبحث عن بديل أكثر أمانًا، وكان هو الصدمات الكهربائية. وفكرة إحداث مرض، للتخلص من مرض آخر بدورها اخترعها الطبيب النمساوي فاجنر ياورج، وقد مُنحت له جائزة نوبل في الطب، لتقديمه أول علاج بيولوجي فعال في مجال الطب النفسي عام 1927، وبعد سنوات من هذا اختراع العلاج بالصدمات الكهربائية، عرفته كل المستشفيات النفسية في العالم.

علاج آمن وسمعة سيئة

مر العلاج بالصدمات الكهربائية بتغيرات كثيرة، لكنه لا يزال يتمتع بسمعة سيئة مجتمعيًا، لإساءة استخدامه تاريخيًا، فقد كان يُستخدم للسيطرة على المرضى، وأيضًا باعتباره علاجًا كاذبًا للمثلية الجنسية، وكان يسبب أخطارًا جسدية، مثل الكسور، لكن الآن لم يعد العلاج بالصدمات الكهربية عقابًا، وأصبح يتم بعد موافقة المريض. العلاج بالصدمات طريقة آمنة وفعالة، وسريعة أيضًا، وتحقق تحسنًا ملحوظًا.

معلومة أخرى قد لا يعرفها الكثيرون؛ العلاج الحديث بالصدمات يخضع فيه المريض لتخدير كلي وريدي قصير المدى، بالإضافة إلى إعطائه باسط للعضلات، للوقاية من إصابة العضلات الهيكلية، وقبلها يخضع لفحص إكلينيكي، ويصلح هذا العلاج لمن تعجز معه العلاجات الأخرى، ويصلح بشكل خاص للحوامل، اللواتي لا يستطعن تناول أدوية حتى لا تؤثر على الأجنة، وكبار السن الذين لا يتحملون الآثار الجانبية للأدوية النفسية، وللمرضى الذين نجح معهم العلاج السابق بالصدمات الكهربائية.

فيم تُستخدم الصدمات الكهربائية؟

يوصف العلاج بالصدمات الكهربائية بشكل أساسي لمرضى الحالات الشديدة من:

  •  الشيزوفرينيا المقاومة للعلاج، وتوصف عادة في تلك الحالة سلسلة جلسات من 6-12 جلسة، كل يومين، أو ثلاثة أيام.
  • الاكتئاب الشديد المقاوم لعقارات الاكتئاب المعروفة.
  • الهوس الشديد: وهي حالة من الانتعاشة الشديدة، وفرط النشاط، والإثارة، وغالبًا ماتكون مرتبطة بمرض الاكتئاب ثنائي القطب، وأحيانًا ما تكون مصحوبة بسلوك خطر، والتصرف برعونة، والإدمان.
  • الكتالونيا: وتتميز بقلة الحركة، والتصرفات السريعة والغريبة، وقلة الكلام، وترتبط الكتالونيا بمرض الشيزوفرينيا، وبعض الأمراض النفسية الأخرى.
  • العنف والعدوانية الناتجين عن حالات الخرف: وهي حالات يصعب التعامل معها، وتؤثر بشكل سلبي على حياة المرضى.

أعراض جانبية.. ما يجب معرفته قبل العلاج بالصدمات الكهربية

ومع أن العلاج بالصدمات يتسم عامةً بالأمان، لكن تظل هناك بعض الآثار الجانبية غير المرجوة مثل:

  • الشعور بالتوهان، مباشرة بعد الجلسة الكهربية، وقد تستمر هذه الحالة من دقائق لعدة ساعات، وتزداد هذه الحالات عند كبار السن.

صحة

منذ 3 شهور
أشهر 4 خرافات عن أدوية الاكتئاب ودليلك للتعامل معها
  • تشوش الذاكرة: قد يؤدي العلاج في بعض الأحيان إلى نسيان المريض لأحداث ترجع لأيام، أو شهور، وبشكل نادر لسنوات قبل الجلسات العلاجية، وهو ما يعرف بفقد الذاكرة التراجعي، وعادةً ما تتحسن الذاكرة بعد مرور شهر أو اثنين بعد انتهاء العلاج.
  • آثار جانبية جسدية: قد يعاني المريض من صداع، وقيء، وألم في الفك، والعضلات، وتعالج هذه الأعراض بالأدوية.
  • مضاعفات طبية: مثل أي عملية تحتاج تخديرًا كليًّا يزداد ضغط الدم، وضربات القلب أثناء الجلسة العلاجية، وفي حالات نادرة قد ينتج مضاعفات قلبية، لذا لا يفضل خضوع مرضى القلب للعلاج بالصدمات الكهربائية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد