«مستقبل الإعلام في الصحافة الإلكترونية»، كان هذا تصريحًا لمصطفى الخلفي، وزير الاتصال، والناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، في إحدى لقاءاته الحوارية عن الإعلام الجديد. وبالفعل يبدو أن الصحافة الرقمية بالمغرب تسحب الجمهور شيئًا فشيئًا عن الصحافة الورقية التقليدية، إذ صارت بعض المواقع تستقطب ملايين الزوار، وأصبحت تعد بالمئات حاليًا.

لكن هذه الطفرة الكمية التي حققتها الصحافة الإلكترونية بالمغرب، لم تصحبها طفرة كيفية، بحيث لا تزال تتخبط في مشاكل متعددة جمة.

أصول الصحافة الإلكترونية في المغرب

لعل أكبر ثورة عرفتها البشرية جمعاء منذ ولادتها، هي ثورة الإنترنت وما تفرع منها من أشكال اتصالية ومعلوماتية. وكانت الصحافة الإلكترونية إحدى هذه الأشكال التي برزت في العقد الأخير. ولا زالت حتى الساعة لم تبنِ هويتها وتبلور نظامها الخاص، حيث كل يوم تفاجئنا بالجديد والاستثناء. ولا يزال السجال قائمًا بين خبراء الاتصال والإعلام حول طبيعتها وعلاقتها بزميلتها الصحافة التقليدية، وتداعياتها المستقبلية على حياة الإنسان ككل.

ارتبط بزوغ الصحافة الرقمية أساسًا بالتقدم التقني والتكنولوجي، الذي عرفه العالم في النصف الأخير من القرن العشرين، إذا ابتُكر كل من القمر الصناعي والحاسوب، والتطورات الهائلة التي مستهما، ونتيجة التزاوج بين هاتين التقنيتين النوعيتين، ظهرت شبكة الإنترنت، التي حولت العالم ببعده الزماني والمكاني إلى قرية صغيرة بمعنى الكلمة.

ولسنا هنا لنعدد التعريفات الكثيرة التي وضعها العديد من الخبراء للصحافة الرقمية، كل على حسب تخصصه وزاوية نظره، وإنما سنحاول تجميعها في تعريف بعد اطلاعنا على معظمها، ربما يكون كافيًا أو مقبولًا على الأقل. إذًا يمكن تعريفها على أنّها نوع من الاتصال بين البشر، يتم عبر الفضاء الإلكتروني، وشبكات المعلومات والاتصال الأخرى، تستخدم فيه فنون وآليات ومهارات العمل في الصحافة المطبوعة، مضافًا إليها مهارات وآليات وتقنيات المعلومات التي تناسب استخدام الفضاء الإلكتروني كوسيط اتصال بما في ذلك استخدام النص والصوت والصورة والمستويات المختلفة من التفاعل مع المتلقي، لاستقصاء الأنباء الآنية وغير الآنية، ومعالجتها وتحليلها ونشرها أمام الجماهير عبر الفضاء الإلكتروني بسرعة.

ويلخص الباحث الأمريكي مارك ديوز، الخصائص المميزة لهذا النوع الجديد من الإعلام، في أربعة مفاتيح: «الترابطية، والتفاعلية، وتعددية الوسائط، والنشر الإلكتروني». ويمكن التمييز بين ثلاث أشكال على مستوى الصحافة الإلكترونية: «الصحف الورقية المحولة إلكترونيًا، والمواقع الإلكترونية الخالصة، وصحافة المواطنة».

الصحافة الإلكترونية

جريدة «لاكازيت» أول من بدأت تجربة الصحافة الإلكترونية في المغرب

 

كانت أول بذور الصحافة الإلكترونية في المغرب متزامنة مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة. بدأت هذه التجربة الجديدة تحديدًا مع بوابات إلكترونية لجرائد فرانكفونية، منها «لا كازيت دو ماروك- La Gazette du Maroc» وجريدة «ماروك إيبدو- Maroc Hebdo».

بعدها بقليل ظهرت مواقع إلكترونية إخبارية، مثل «بوان أنفو». لكن ظلت تلك التجارب، طوال سنوات، بدائية، ولا ترقى لمفهوم الصحافة الإلكترونية، أولًا كان بسبب انعدام الخبرة في هذا النوع من الصحافة، وثانيًا لضعف البيئة التقنية والجماهيرية المناسبة لتطور الصحافة الرقمية حينها بالمغرب.

ابتداءً من عام 2010، دخلت الصحافة الإلكترونية بالمغرب مرحلة ثانية، إذ عرفت ظهور مواقع إلكترونية إخبارية، مثل «هسبريس»، استقطبت في مدة قياسية جمهورًا عريضًا. ومع اندلاع الثورات العربية في 2011، شهدت الصحافة الإلكترونية المغربية ربيعها الخاص أيضًا، إذ ظهرت عشرات المواقع الإلكترونية، وتضاعفت فئة متصفحي الإنترنت المغاربة، ما خلق قطاعًا إعلاميًا جديدًا واعدًا، لم تجد وزارة الاتصال المغربية بدًا من الاعتراف به.

واقع الصحافة الإلكترونية في المغرب

رغم الطفرة الكمية التي حققتها الصحافة الإلكترونية في المغرب خلال السنوات الأخيرة، إلا أنها لا تزال فقيرة من حيث الكيف. وطبقًا لما جاء في دراسة أطلقتها وزارة الاتصال بعنوان «الكتاب الأبيض لتأهيل الصحافة الإلكترونية بالمغرب»، فإنّ عدد المواقع الإلكترونية الصحافية بالمغرب بلغ 500 كيان صحافي إلكتروني، لكن المعترف بها رسميًا (الحاصلة على ترخيص) لا يتجاوز 120 مؤسسة صحافية إلكترونية.

«ساسة بوست» تحدّث مع سعيد منتسب، سكرتير تحرير صحيفة الاتحاد الاشتراكي، ومحاضر في ماجستير الصحافة المكتوبة، بجامعة مولاي إسماعيل مكناس، حول القيمة المضافة التي يشكلها هذا الكم الكبير من المواقع الإخبارية في الساحة الإعلامية المغربية، فقال منتسب: « إنّ الصحافة الإلكترونية لدينا بالمغرب تعيش فوضى إعلامية، وإن كان البعض يرى أن هذه الفوضى قد تسفر عن نتائج إيجابية مستقبلًا».

يضيف منتسب أن الصحافة الرقمية بالمغرب، جُلّها، قائم على النسخ واللصق والسطو على الملكية الفكرية للآخرين، كما أنها تصر على «الاسترزاق بفضائح الآخرين»، مُشيرًا إلى أن «غالبية العاملين بها ليس لهم تكوين أو خبرة في مجال الصحافة». لكنه في ذات الوقت لم ينفِ استقطابها جمهورًا واسعًا.

يسيطر موقع هسبريس الإخباري على الشريحة الأكبر من زوار المواقع الإخبارية المغاربة، إذ صُنّف العام الماضي أولَ موقع مغربي ومغاربي، والثالث عربيًا، وفق إحصائيات موقع أليكسا المتخصص في ترتيب المواقع حسب الزوار. ويتجاوز حاليًا عدد معجبي صفحة هسبريس على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، سبعة ملايين ونصف. بينما لا تحظى باقي المواقع الإخبارية المغربية بشهرة تذكر لدى الجمهور، مع بعض الاستثناءات (لكم، وشوف تيفي، وكود).

أما بالنسبة للصحف الورقية المحولة إلكترونيًا، فقد أظهرت دراسة وصفية، أعددتها في هذا الصدد، أنها على عكس المتوقع منها، فشلت في حيازة مقعد لها ضمن قطاع الصحافة الإلكترونية، إذ تعتمد جميعها تقريبًا على مُحتويات نُسخها الورقية، والتي لا تتناسب دائمًا مع الوسيط الإلكتروني.

نفس الدراسة أظهرت أيضًا، أن جميع المواقع الإلكترونية المغربية تقريبًا، تعاني شحًا شديدًا في استغلال الإمكانات التي يتيحها الوسط الإلكتروني، إذ سُجّل غياب تام لرسومات الإنفوجرافيك، وانعدام المواد التفاعلية، بالإضافة إلى تجاهلها استعمال تقنية الروابط في محتوياتها النصية، ناهيك عن ضعف واضح في توظيف الوسائط المتعددة (السمعية والبصرية).

أما بالنسبة لمحتوى الصحافة الإلكترونية المغربية، فإن معظم المواقع تَعرف «ضحالة شديدة»، مثلما أفاد الصحافي سعيد منتسب، مستدلًا على ذلك باعتماد جلها على السطو أو إنتاج ما أسماه «الهراء»، مُضيفًا أن الغياب التام للصحافة التحليلية والمتخصصة على الحامل الإلكتروني في المغرب، «لا يتيح لنا القول إن لدينا صحافة إلكترونية بمعنى الكلمة».

ماذا عن صحافة المواطن؟

صحافة المواطن، هي أحد أشكال الإعلام الجديد، وتسمى أيضًا «صحافة الهواة». وتشمل المدونات والتجمعات الافتراضية على الشبكات الاجتماعية، والمواقع الإلكترونية التي لا تديرها مؤسسات إعلامية أو مختصين، وإنما مواطنين وشباب يُفجّرون مواهبهم ومكبوتاتهم، ومتحمسون جدًا لنقل مجريات الأحداث بمناطقهم المحلية.

وسمح هذا النوع الجديد من الإعلام، والذي يتيح قدرًا واسعًا من الحرية في الرأي والتعبير، في أن يكون متنفسًا للناشطين والمدونين المغاربة، للتعبير عن آرائهم الخاصة حول موضوعات سياسية ودينية واجتماعية، بعيدًا عن الاتجاه الواحد السائد. معظم هذه الصفحات غارقة في الشعبوية الساخرة، وقليل منها الجاد. نذكر منها على موقع فيس بوك: «شارل إيبدو بالدارجة»، و«شبكة رصد المغربية»، و«تقشاب سياسي». وعلى موقع يوتوب: «مول الكاسكيطة»، و«مول البلاكة».

من جهة أخرى، نجحت بعض المدونات الخاصة في استقطاب جمهور عريض، أحيانًا يفوق المليون مشترك، كالشأن مع مدونة «المحترف» التقنية لرغيب أمين، ومدونة «أبوجاد» التعليمية للمدون عبد الله أبوجاد.

وفي الآونة الأخيرة، غدت صحافة المواطن بالمغرب تحل أحيانًا مكان الصحافة التقليدية الورقية والتلفزية، أو حتى الإلكترونية، في تغطية بعض الأحداث، كالشأن مع الكوارث الطبيعية، مثلما حصل في فيضان كلميم، وكذا أحداث العنف، مثلما يحصل حاليًا مع احتجاجات الأساتذة المتدربين.

هل ثمة إطارٌ قانوني للصحافة الإلكترونية في المغرب؟

تشهد الساحة الإعلامية في المغرب منذ عامين، جدلًا مستمًرا حول تقنين الصحافة الإلكترونية، الأمر الذي يعتبره البعض محاولة من الدولة للقضاء على الصحافة الإلكترونية المستقلة بعدما تمكنت من الصحافة الورقية، فيما يراه آخرون بادرة أمل لوقف الأعمال التي يعتبرونها «لا أخلاقية» الشائعة بالمواقع الإلكترونية، وعلى رأسها السطو على حقوق النشر.

 

 

بدأت ورش قانون الصحافة الإلكترونية في 2014، وخلال 2015 قدمت وزارة الاتصال مشروع قانون الصحافة والنشر، بهدف تنظيم قطاع الصحافة الإلكترونية بالمغرب، ليصادق عليه مجلس النواب نهاية ديسمبر العام المنصرم.

لكن لم يحظ هذا القانون برضى واسع لدى الوسط الصحافي الإلكتروني، إذ أثيرت حوله مجموعة من الانتقادات، من بينها ما يخص المادة 13 التي تنص على أنه «يجب أن يكون لكل مطبوع دوري أو صحيفة إلكترونية أو أية دعامة إلكترونية أخرى، مديرًا للنشر»، وهو من سيتحمل المسؤولية -طبقًا للمادة 15 من قانون الصحافة والنشر- عن كل ما ينشر من أخبار وآراء وتعاليق الزوار. كما يشترط فيه أن يكون مهنيًا، وفق ما جاء في المادة 14 من نفس القانون.

في نفس السياق ترسم المادة 20 من قانون الصحافة والنشر، خريطة الحصول على ترخيص، بغية تأسيس موقع إلكتروني بشكل قانوني، حيث تضع طريقًا بيروقراطية طويلًا ومعقدًا، يمر عبر المحكمة الابتدائية، ثم الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات، مرورًا بالهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وأخيرًا المركز السينمائي المغربي، حيث يفرض القانون على الراغب في تأسيس موقع إلكتروني، تقديم كومة من الأوراق عله يحصل على ترخيص لدى كل مؤسسة على حدة من تلك التي أوردناها.

واستكمالًا للمواد التي لا تلقى قبولًا، نجد حزمة من مواد قانون الصحافة والنشر تضع عدة عقوبات مغلظة ضد العاملين في الصحافة الإلكترونية، نختار منها على سبيل المثال فقط المادة 88، والتي تنص على أنّه «يعاقب بغرامة من 100 ألف إلى 200 ألف درهم، عن كل قذف بحق مؤسسة عمومية»، والمادة 85، الناصة على أنّه «يعاقب بغرامة من 100 ألف إلى 300 ألف درهم على المس بشخص وكرامة رؤساء الدول ورؤساء الحكومات ووزراء الشؤون الخارجية للدول الأجنبية»، وكذا المادة 86، التي تنص على أنّه «يعاقب بغرامة من 50 ألف درهم إلى 200 ألف درهم، على المس بشخص وكرامة الممثلين الدبلوماسيين أو القنصليين الأجانب المعتمدين أو المندوبين لدى جلالة الملك».

كل هذه المواد القانونية التي ذكرناها آنفًا، تبين بشكل واضح أن الإطار القانوني للمواقع الإلكترونية لا يزال متخلفًا عن طبيعة البيئة الإلكترونية المتسمة بالمرونة والحرية والإبداع، ومن ثم سيكون عائقًا أمام تطور الصحافة الإلكترونية المغربية كمًا وكيفًا.

لكن واقعيًا، لا تُطبّق بنود قانون الصحافة والنشر على ساحة الإعلام الإلكتروني في المغرب، وإلا سنجد مئات المواقع الإخبارية مع العاملين خارج اللعبة، لكن أحيانًا ينفذ بشكل حرفي عندما تريد السلطة ذلك.

العراقيل المُكبّلة

بلغ عدد المشتركين المغاربة في شبكة الإنترنت 10,32 مليون مشترك، ويزداد هذا العدد نموًا بنسبة %61,4 سنويًا، بحسب ما جاء في تقرير الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات خلال مايو (آيار) 2015.

إذًا أمام هذا الرقم الكبير لرواد الإنترنت، فإن هناك جمهورًا عريضًا متعطشًا ينتظر الصحافة الإلكترونية بالمغرب، بيد أنه ثمّة عراقيل مثبطة قد تمنع الإعلام الجديد من استثمار الأرضية الخصبة المتاحة أمامه.

في رأي سعيد مُنتسب، فإن هذه العراقيل يُمكن تلخيصها في غياب الموارد الاقتصادية اللازمة لتأسيس مواقع إلكترونية احترافية، وهشاشة تكوين العاملين في الصحافة الإلكترونية، إذ لم يحظ معظمهم بأدنى خبرة في مجال الإعلام. لافتًا إلى أنّ الصحافة بنوعيها الورقية والإلكترونية، لا يمكن أن تقوم إلا بإقرار «حق الوصول إلى المعلومة»، وهو شرط يغيب حتى الآن.

اللجنة المُؤلفة لـ«الكتاب الأبيض لتأهيل الصحافة الإلكترونية بالمغرب»، ركزت تحديات الصحافة الإلكترونية المغربية في خمسة نقاط، بينها التحدي الاقتصادي والأخلاقي والتكنولوجي، بالإضافة إلى تحدي التكوين وتطوير المُحتوى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد