هل تتخيل أن قطعة الزينة العاجية التي نظرت إليها عن قرب، قد تسببت في مقتل فيل وتهديد حياة المئات غيره؟ فخلال مئات السنين، كان العاج مادة قيّمة ونفيسة، تستخدم في صنع أشياء مثل: المجوهرات، والأمشاط، ومفاتيح البيانو، وحلي الكهنة، والرهبان وفي صناعة مقابض الأثاث وترصيع الأثاث أيضًا.

تابع قراءة السطور التالية لتتعرّف أكثر على الصناعة التي دمّرت أعداد الأفيال في العالم وتقتل ما يزيد عن 10 ألف فيل كل عام، وتهدد بقاء هذا الحيوان المسالم!

لماذا عاج أنياب الفيلة هو الأفضل؟

منذ آلاف السنين كان يُنحت العاج ويعاد تشكيله ليصبح منحوتات زخرفية، فهو معروف بجماله وقوة تحمّله وصلاحيته للنحت. أدّت التجارة الحديثة لارتفاع كبير في ثمنه، فيما أدى الطلب على العاج بدوره إلى تدمير أعداد الأفيال في جميع أنحاء العالم، بسبب الصيد الجائر.

فقد كانت الأفيال أكثر الحيوانات المُناسبة للحصول على هذه المادة النفيسة، فأنياب الفيل هي أسنان كبيرة للغاية، والناب هو القاطع العلوي، والذي يستمر في النمو طوال حياة ذكر وأنثى الأفيال الأفريقية، وكذلك الفيل الهندي الذكر.

فنون

منذ 3 سنوات
رقيق ويحترم كبار السن.. رحلة للتعرف إلى الفيل أكثر الحيوانات إثارة لتعاطف البشر

وفقًا للموسوعة البريطانية، فإن العاج الموجود في أسنان فرس النهر، وحوت العنبر، وبعض أنواع الخنازير البرية قيمته التجارية قليلة، بسبب صغر حجمها. أما أنياب الفيلة الأفريقية فيبلغ متوسط طولها حوالي 6 أقدام، أي نحو 2 متر، ويزن كل منها حوالي 50 رطلًا، أي حوالي 23 كجم.

المكون الرئيسي لهذه الأنياب هو العاج، إذ يُشكل نسبة تصل لحوالي 95% من الناب. ويبلغ متوسط ​​وزن أنياب الفيلة الأفريقية الذكور سبعة أضعاف وزن أنياب الإناث، ويُركز الصيد الجائر على الذكور والإناث المُسنات. أما أنياب الفيلة الآسيوية فتُعتبر أصغر نوعًا ما.

يستخدم الفيل الأنياب للدفاع والهجوم، كما يستخدمها في الحفر للوصول إلى آبار المياه، ورفع الأشياء، وجمع الطعام. وهناك نوعان رئيسان من عاج الفيل، هما: الصلب والناعم.

يأتي الصلب بشكل عام من الأفيال في النصف الغربي من أفريقيا، والناعم من النصف الشرقي. ويكون الناب العاجي الصلب أغمق في اللون وأكثر رشاقة واستقامة من الناب الناعم. يتم صيد الأفيال عن طريق المروحيات والأسلحة العسكرية وبواسطة القرع المسموم؛ ثم يتم جمع الأنياب من الأفيال المقتولة.

ويقدر عدد الأفيال المتبقية في أفريقيا بحوالي 350 ألف فيلا، ويُقتل حوالي 10 إلى 15 ألف فيل كل عام على يد الصيادين للحصول على أنيابهم.

ارتفاع سعر العاج يعوق المُحاولات الدولية لحظر تجارته!

وفقًا لموقع «thoughtco»، فقد كان سعر الجملة للعاج عام 2014 يُقدّر بنحو 2100 دولار للكيلوجرام الواحد، وقد أدى الطلب الغربي على الحُلي، والمجوهرات، ومفاتيح البيانو، وكرات البلياردو المصنوعة من العاج إلى خفض أعداد الأفيال في أفريقيا. فقد كانت آلاف الأفيال تُذبح بلا رحمة، لدرجة أن الأفيال الآسيوية والأفريقية أصبحت مُدرجة في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التجارة الدولية في الأنواع المُهددة بالانقراض من الحيوانات والنباتات البرية (CITES).

Embed from Getty Images

فرضت اتفاقية «CITES» الحظر عام 1989 على تجارة العاج بعد سنوات من الصيد الجائر غير المسبوق للأفيال، ففي الثمانينيات من القرن الماضي، كان يقُتل ما يُقدّر بنحو 100 ألف فيل سنويًا، وفُقِد حوالي 80٪ من القطعان في بعض المناطق، لكن قرار الحظر، سمح لبعض القطعان بالتعافي.

هذا التراجع في الصيد الجائر كان لفترة وجيزة، ثم لم يلبث أن حدث تحوّل كبير في النظام المالي العالمي، وهذا التحوّل تمّثل في بروز الصين باعتبارها قوة اقتصادية كبرى. وأصبحت الصين واحدة من أكثر الأسواق المُستهلكة للمصنوعات العاجية، فقد أصبح العاج مصدرًا لإظهار القيمة، والثروة، ومنح الهدايا المميزة.

لكن مؤخرًا حين انخفض سعر الكيلوجرام الواحد من العاج، لاح أمل جديد لإنقاذ الفيلّة. إذ أصبح سعر الكيلو جرام إلى 730 دولارًا، ويعود هذا الانخفاض جزئيًا إلى إنهاء الصين لتجارتها القانونية في العاج في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2017.

ومع ذلك لم تزل التجارة غير المشروعة مستمرة، وهو ما أدى إلى حدوث زيادة مرة أخرى في الصيد الجائر. هذه الزيادة كانت مدفوعة بزيادة الطلب في آسيا، ونتج عن هذا انخفاض حاد في أعداد أفيال الغابات وبعض أعداد أفيال السافانا، فالسيطرة على الصيد الجائر للأفيال رُبما يكون أمرًا بالغ الصعوبة بسبب السعر المُغري، إذ يصل أحيانا قيمة أنياب الفيل الواحد، نحو 100 ألف دولار أمريكي!

وعلى الرغم من أن هناك 179 دولة قد وقعّت على «CITES»، إلا أن التجارة غير المشروعة في عاج الفيلة لم تزل صناعة تُقدّر بمليارات الدولارات. وتهدف بعض التحركات، مثل حملة «Bloody Ivory» إلى الضغط على «CITES» لبذل المزيد من الجهد لمنع الصيد الجائر وتهريب أنياب الفيلة، فعدم وجود قدرة كافية على مكافحة الصيد الجائر وضعف إنفاذ القانون والفساد يقوّض الجهود المبذولة لوقف الصيد غير المشروع والإتجار في بعض البلدان.

تجارة العاج تُمّول الجماعات المُسلحة في وسط أفريقيا

وفقًا لتقرير مُطوّل نشرته «ناشونال جيوجرافيك» فإن تجارة العاج غير المشروعة تُساعد الجماعات المسلحة في تمويل عملياتها عن طريق تهريب عاج الأفيال، وقد ورد بالتقرير المنشور عام 2015 أنه: «أصبحت شرق أفريقيا الآن نقطة محوريّة لمعظم الصيد الجائر. إذ أعلنت الحكومة التنزانية في يونيو (حزيران) أن البلاد فقدت 60% من أفيالها في السنوات الخمس الماضية، وانخفض عدد الأفيال من 110 آلاف إلى أقل من 44 ألف فيلًا. وخلال الفترة ذاتها، ورد أن موزمبيق المجاورة فقدت 48% من أفيالها هي الأخرى».

ويضيف التقرير أن السكان المحليون، ومنهم القرويون الفقراء، وحراس المنتزهات الذين لا يتقاضون أجورًا، «يقتلون الأفيال مقابل المال، وهي مخاطرة يكونون على استعداد لتحمّلها؛ لأنه حتى لو قُبِض عليهم، فإن العقوبات غالبًا ما تكون خفيفة».

Embed from Getty Images

ويُضيف كاتب التقرير أنه في وسط أفريقيا «هناك شيء أكثر شرًا، إذ يقود عمليات قتل الأفيال، ميليشيات وجماعات إرهابية، تُمّول جزئيًا عن طريق تجارة العاج، وهو ما يدفعهم لاصطياد الأفيال، وحتى قتل حراس الحدائق الذين يعترضون طريقهم، فغالبًا ما يكون حراس الحدائق غير المجهزين هم القوات الوحيدة التي تصطدم بالقتلة».

الإجراءات الرسمية لمنع صيد الأفيال

هناك بعض الإجراءات التي تعمل على محاولة حماية الأفيال من القتل، ومنها:

  • متابعة الخبراء للأفيال ومراقبتها، باستخدام أجهزة مثل أطواق التتبع، حتى يتمكنوا من مشاهدة ما يفعلونه، وأين يذهبون.
  • تستأجر المتنزهات الوطنية ومناطق المحميات حراسًا للقيام بدوريات في المنتزهات سيرًا على الأقدام لإبعاد الصيادين.
  • تعمل البلدان على وقف تهريب العاج عبر حدودها، وإحدى طرق القيام بذلك هي محاولة العثور على هذا العاج ومصادرته، من خلال استخدام الكلاب البوليسية، وطرق الكشف الأخرى، مثل الماسحات الضوئية.

لكن.. هل لك دور في وقف كل هذا؟

بالطبع بشكل شخصي وفردي لك دور: فأول ما يُمكنك فعله هو عدم شراء العاج، ولا المصنوعات العاجية، وعلى الرغم من أن شراء العاج العتيق، المصنوع قبل عام 1947، قانوني للشراء، إلا أن شراءه يُزيد من رواج سوق التحف المُقلّدة والمصنوعة من أنياب الأفيال المقتولة حديثًا، لذلك من الأفضل عدم شرائه من الأساس.

تُقدّم صحيفة «الجارديان» البريطانية مجموعة من النصائح للمساعدة، من بينها أن تقوم بتثقيف الناس في مُحيطك حول وضع الأفيال، وخطورة صناعة العاج، ووجوب منع شراء أو التهادي بالمصنوعات العاجية.

علوم

منذ سنة واحدة
كيف تشيع الحيوانات جنائز موتاها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد