عندما يريد أحد أن يستشهد بملك خرق قالب الزواج الملكي من أجل الحب، يقفز إلى ذهنه مباشرة اسم «هنري الثامن»، فبعد زواج دام 24 عامًا، أصر على إبطال زواجه من زوجته الأولى «كاثرين أراجون»، وهو القرار الذي عارضته الكنيسة الكاثوليكية والبابا، مما أدى إلى قطع هنري الثامن علاقته مع كنيسة روما الكاثوليكية، وتحولت إنجلترا إلى دولة بروتستانتية، ليتمكن هنري من فسخ زواجه، وإعلان الزواج من زوجته الثانية «آن بولين».

بعد ثلاث سنوات، انتهى الزواج بإعدام «آن بولين» بعد اتهامها بالزنا والتآمر على قتل الملك، وما لبث الملك أن تزوج بثالثة ورابعة وخامسة وسادسة، وأحدث الملك هنري الثامن فضيحة أوروبية بزيجاته الست، لكنه لم يكن الأول في خرق تقاليد الزواج الملكي في تاريخ الملكية الإنجليزية، فقد سبقه الملك إدوارد الرابع (أول ملك لإنجلترا من أسرة يورك، وجد هنري الثامن) عندما تزوج أرملة من أسرة «لانكاستر»، وتسبب في غضب النبلاء، فمن هذه المرأة التي أثارت الجدل بسبب زواجها من الملك، وكانت سببًا في انقلاب حلفائه عليه؟

حرب الوردتين.. من الأحق بعرش إنجلترا؟

لنتعرف في البداية إلى خلفية الأحداث، على مدار ثلاثة عقود، بين عامي 1455 و1485، كانت إنجلترا تعاني من ويلات الحرب الأهلية بين عائلتي «لانكاستر» و«يورك»، المتفرعتين من عائلة «بلانتاجانت» الملكية، في صراعٍ حول أحقية كلٍّ منها في الجلوس على عرش إنجلترا في حرب عرفت بـ«حرب الوردتين» نسبة إلى شارات الطرفين المتنازعين وهما: الوردة البيضاء لعائلة يورك، والوردة الحمراء لعائلة لانكاستر.

كان إدوارد الرابع ينتمي إلى أسرة يورك، وتمكن من الجلوس على العرش لفترة 14 عامًا تقريبًا بصفته أول ملوك إنجلترا من أسرة يورك، وتولى الحكم من بعده ابنه إدوارد الخامس، إلا أن ريتشارد الثالث (أخو الملك إدوارد الرابع والوصي على الملك الجديد) قد انتزع التاج من ابن أخيه ليصبح ملك إنجلترا.

واستمر ريتشارد الثالث في الحكم لمدة عامين حتى قُتل في معركة «حقل بوسورث» (ضمن سلسلة حرب الوردتين) لينسدل الستار على حكم أسرة يورك، ويبدأ هنري تيودور من أسرة لانكاستر (هنري السابع) فترة حكم سلالة تيودور الحاكمة، وتزوج هنري السابع من إليزابيث الابنة الكبرى للملك إدوارد الرابع، وتنتهي بذلك حرب الوردتين، وتستمر سلالة تيودور في الحكم 118 عامًا.

زوجة ملك وأم ملك وحماة ملك.. من هي إليزابيث وودفيل؟

كانت إليزابيث وودفيل الابنة الأكبر لوالديها «ريتشارد وودفيل» و«جاكيتا دي لوكسمبورج» بين 12 طفلًا، وكان جدها لوالدتها كونت من نسل «سيمون دي مونتفورت» وزوجته «إليانور» ابنة ملك إنجلترا الثامن «جون لاكلاند»، وقد كانت والدتها جاكيتا متزوجة من دوق بيدفورد، شقيق هنري الخامس، قبل أن يموت وتتزوج من «ريتشارد وودفيل» وكانت عائلة إليزابيث من الحلفاء المقربين للملك هنري السادس وزوجته «مارجريت أنجو».

بينما كانت إليزابيث لا تزال في السابعة من عمرها، أرسلها والداها إلى منزل عائلة أخرى، وكانت هذه عادة في الطبقات العليا أن تُرسل الأبناء لتربى في عائلات أخرى، خاصة إن كانت لها مكانة أعلى، فتعلمت إليزابيث القراءة والكتابة باللغات الإنجليزية والفرنسية واللاتينية، كما تلقت دروسًا في أسس القانون والرياضيات.

وعندما بلغت إليزابيث 14 عامًا، أرسلها والداها إلى «إليزابيث فيرير» وزوجها السير «إدوارد جراي» لتتعلم كيف تصبح سيدة وتدير منزلها، وعندما أصبحت إليزابيث في الخامسة عشرة، تزوجت من ابنهما الأكبر السير «جون جراي»، الذي كان يقاتل على جانب أسرة لانكاستر خلال حرب الوردتين.

وأنجبت إليزابيث من زوجها ولدين هما: «ريتشارد جراي» و«توماس جراي» وهو الجد الأكبر لملكة «الأيام التسعة» جين جراي. وخلال معركة «سانت ألبانز» (حرب الوردتين) عام 1461، قُتل جون جراي، وسيطرت عائلة يورك على أراضي إليزابيث (مهرها)، وعادت إلى منزل عائلتها في جرافتون.

زواج إليزابيث وودفيل وإدوارد الرابع المخالف للأعراف

من غير المعروف يقينًا كيف قابلت إليزابيث وودفيل إدوارد الرابع، فهناك أقاويل بأنها انتظرته مع أبنائها أسفل شجرة بلوط لتطلب منه استعادة أراضيها التي سيطر عليها بعد مقتل زوجها، وهناك شائعات انتشرت عنها تفيد بأنها كانت «ساحرة»، تمكنت منه بسحرها، ولكن قد يكون ما حدث خلاف ذلك، لكن في كل الأحوال تزوج إدوارد الرابع وإليزابيث وودفيل سرًّا في 1 مايو (أيار) 1464، ولم يُكتشف أمر زواجهما إلا عندما عُرض على إدوارد الزواج من أميرة فرنسية.

إليزابيث وودفيل

إليزابيث وودفيل. مصدر الصورة: فليكر

إذ كانت والدة إدوارد الرابع، «سيسيلي نيفيل»، دوقة يورك، وابن شقيقها «ريتشارد نيفيل»، إيرل وارويك الذي كان حليفًا لإدوارد الرابع في الفوز بالتاج، يرتبان زواجًا مناسبًا لإدوارد من الأسرة الملكية في فرنسا.

وكان اختيار إدوارد لإليزابيث زوجة له مخالفًا للأعراف الملكية في إنجلترا آنذاك، إذ من المفترض أن يتزوج الملوك من أميرات أجانب لترسيخ التحالفات الخارجية، وكانت إليزابيث إنجليزية، كما كان من المفترض أن تكون الزوجة من أصل ملكي، ولكن إليزابيث ابنة فارس، فضلًا عن أنها تكبر إدوارد بخمس سنوات، وقد سبق لها الزواج من جانب أحد أفراد عائلة لانكاستر وأنجبت منه ولدين.

لكن في النهاية تُوجت إليزابيث ملكة في كنيسة وستمنستر في 26 مايو (أيار) 1465، وأصبح لديها 10 أبناء من الملك إدوارد الرابع، وهم: إليزابيث يورك التي أصبحت زوجة هنري السابع، وماري، وسايسلي، وإدوارد أمير ويلز والملك إدوارد الخامس فيما بعد، ومارجريت، وريتشارد دوق يورك، وآن، وجورج، وكاترين، وبريدجيت.

وبعد فوز الملك إدوارد الرابع بالعرش، أصبحت عائلة إليزابيث مقربة من الملك، وأصبح ابنها توماس جراي من زوجها الأول، ماركيز دورست الأول عام 1475، ومن أبرز الأمور الفاضحة التي ارتبطت بإليزابيث كانت زواج شقيقها البالغ من العمر 19 عامًا من «كاثرين نيفيل»، دوقة نورفولك الثرية، البالغة من العمر 80 عامًا.

انقلاب الحلفاء بعد إعلان الزواج

عندما علم «ريتشارد وارويك» بزواج إدوارد من إليزابيث وودفيل، انقلب ضده، فقد كانت هذه إشارة بالنسبة لريتشارد عن ابتعاد إدوارد ومحاولته التملص من سيطرته بعدما سانده في الوصول إلى الحكم، فبدأ ريتشارد في تنظيم المعارضة ضد إدوارد، ومن ناحية أخرى تخلى أخوه «جورج بلانتيجينيه» دوق كلارنس عن دعمه بعد هذه الزيجة، علمًا بأن جورج كان متزوجًا من الابنة الكبرى لريتشارد وارويك.

ريتشارد نيفيل إيرل وارويك

ريتشارد نيفيل إيرل وارويك. مصدر الصورة: موقع period oak antiques

وتمكن ريتشارد وارويك من هزيمة جيش الملك في يوليو (تموز) 1469، وأعدم والد إليزابيث وشقيقها، وعددًا من مساعديهم، وفي مارس (آذار) 1970، تمكن إدوارد من استعادة سيطرته، مما أجبر ريتشارد وارويك على الفرار إلى فرنسا، وأجرى هناك تحالفًا مع لويس الحادي عشر، وعاد ريتشارد وارويك إلى إنجلترا في سبتمبر (أيلول) 1470، وتمكن من خلع إدوارد وإعادة التاج إلى هنري السادس، وحكم وارويك لمدة ستة أشهر بصفته ملازمًا لهنري، وفر إدوارد مع أتباعه إلى هولندا.

لكن في مارس 1471، تمكن إدوارد من العودة، والتقى مع قوات ريتشارد وارويك في 14 أبريل (نيسان) في معركة «بارنت»، إذ تمكن إدوارد من هزيمة ريتشارد وارويك الذي قُتل في المعركة، وقُبض على هنري السادس وسُجن في برج لندن، وقُتل ابنه في المعركة، وعاد إدوارد إلى السلطة، وظل فيها حتى وفاته عام 1483.

وفاة إدوارد الرابع وسيطرة ريتشارد الثالث على العرش

بعد موت إدوارد الرابع فجأة بسبب الالتهاب الرئوي في 9 بريل 1483، كان الملك الجديد إدوارد الخامس لا يزال صغيرًا، فجرى تعيين عمه ريتشارد الثالث حاميًا له، لكنه تمكن بعد مدة قصيرة من الاستيلاء على العرش من الوريث الشرعي ذي الاثني عشر عامًا.

وبعد تولي ريتشارد الثالث الحكم، ألقى القبض على شقيق إليزابيث، وابنها ريتشارد جراي، ثم سجن إدوارد الخامس في برج لندن وبعدها سجن الأخ الأصغر ريتشارد، ولكي يرسي حكمه ويضيف عليه صبغة الشرعية، ادعى ريتشارد الثالث أن زواج إدوارد الرابع وإليزابيث وودفيل «غير شرعي»، ومن ثم فإن أبناءهما «غير شرعيين» لأن إدوارد كان قد أعلن خطبته رسميًّا من أخرى قبلها، أما عن مصير الأميرين إدوارد الخامس وشقيقه ريتشارد المعروفين باسم «أميري البرج»، فهو غير مؤكد، وأغلب القول إن ريتشارد الثالث قد تخلص منهما أيضًا.

الأخوان إدوارد الخامس وشقيقه ريتشارد في برج لندن قبل مقتلهم

الأخوان إدوارد الخامس وشقيقه ريتشارد في برج لندن قبل مقتلهما. مصدر الصورة: ويكيبيديا

أمَّن ريتشارد عرشه بإعدام شقيق إليزابيث، أنتوني وودفيل، وابنها ريتشارد جراي، كما حاول تزويج ابنه من إليزابيث يورك الابنة الكبرى لإليزابيث وودفيل، ليجعل مطالبته بالعرش أكثر صلابة، لكن هذا لم يحدث.

إليزابيث وودفيل تحاول النجاة بأبنائها وتتحالف مع أسرة لانكاستر

كانت إليزابيث وودفيل غاضبة عندما سمعت عن عمليات الإعدام، ودخلت على الفور في تحالف مع مارجريت بوفورت، والدة هنري تيودور، الوريث الوحيد لأسرة لانكاستر، واتفقا على أن تساعد إليزابيث في تولي هنري العرش إذا تزوج هنري ابنة إليزابيث الكبرى.

وانضم جون جراي ابن إليزابيث في المعركة ضد ريتشارد الثالث، وقطعت قوات الملك ريتشارد رأس ريتشارد جراي بقرار من الملك عام 1483 وكان عمره 26 عامًا، فانضم أخوه توماس إلى قوات هنري تيودور الذي غزا في عام 1485، إنجلترا، وهزم ريتشارد الثالث في المعركة، وتمكن من الفوز بالعرش وأصبح أول ملك لإنجلترا من أفراد أسرة تيودور، ثم تزوج من إليزابيث يورك ابنة إليزابيث وودفيل في يناير (كانون الثاني) 1486.

وأعاد هنري السابع إعلان شرعية زواج إليزابيث وودفيل وإدوارد الرابع، وكانت إليزابيث عرابة «آرثر» الطفل الأول لهنري السابع وابنتها إليزابيث، وفي عام 1487 تقاعدت إليزابيث لتعيش في دير، ولكن، هناك بعض الأقاويل بأن إليزابيث اتُهمت بالتآمر على هنري السابع زوج ابنتها، مما دفعه للاستيلاء على أملاكها، وإرسالها إلى دير «بيرموندسي» وتوفيت هناك في الثامن من يونيو (حزيران) 1492، ودُفنت في كنيسة القديس جورج في قلعة وندسور بالقرب من زوجها.

تاريخ

منذ سنة واحدة
قصة المراهقة التي جلست على عرش إنجلترا 9 أيام قبل أن تُقطع رأسها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد