صدمة هائلة اختلطت بذهولٍ غير مسبوق، وعاصفة كاسحة من الاستياء، اجتاحتا العالم الإسلامي بأسره عندما ذاعت أنباء ما حدث في القدس الشريف، بعد أكثر من 40 عامًا من تحريره الشهير من قبضة الصليبيين على يد السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي عام 1187م = 583هـ. 

نقلت الأخبار الصادمة أن سلطان مصر الكامل الأيوبي، ابن أخي صلاح الدين الأيوبي، قد سلَّم مدينة القدس للصليبيين دونما قتال، ومعها بيت لحم، والناصرة، في صفقةٍ سياسية عقدها مع أهم أباطرة أوروبا آنذاك، فريدريك الثاني، ملك ألمانيا، وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والمُكلَّف من بابا روما بقيادة الحملة الصليبية – السادسة – من أجل استعادة القدس من المسلمين. 

لم يخفِف من غلواء صدمة جماهير المسلمين واستيائهم من تلك الصفقة ما تضمَّنتْه من احتفاظ المسلمين بالسيطرة على منطقة المسجد الأقصى داخل القدس، والتزام فريدريك الثاني أمام الكامل بالامتناع عن تحصين المدينة المقدسة وتجديد أسوارها، ولم يعبأ الكثيرون بما ذاع عن فريدريك الثاني من انفتاحه على الإسلام والمسلمين، وإعجابه بتراثهم في جزيرة صقلية، وكثرة خصوماته مع بابا روما، والذي عاقبه بالحرمان الكنسي لتباطؤه في قيادة الجهود الصليبية لانتزاع بيت المقدس من المسلمين.

لكن كيف تمخَّضت الأيام عن مثل تلك الصفقة الاستثنائية بين أكبر ملوك الشرق والغرب، في عصرٍ تعاقبت فيه حلقات الصراع الدامي بين نصفي العالم؟!

فريدريك الثاني.. الإمبراطور الأوروبي المفتون بالشرق الإسلامي

لم يأتِ اهتمام فريدريك الثاني بالشرق الإسلامي من فراغ؛ فجدُّه كان الإمبراطور الألماني فريدريك بارباروسا الذي زحف بجيشٍ صليبي جرَّار نحو الشام بعد تحرير صلاح الدين الأيوبي للقدس، والذي دفع البابا لدعوة ملوك أوروبا لشنِّ الحملة الصليبية الثالثة. لكن حالت الأقدار دون نجاح فريدريك فيما أراد، فقد غرق في أحد أنهار آسيا الصغرى، وعاد جيشه الضخم إلى أوروبا.

بدأت حياة فريدريك الثاني السياسية مبكرًا جدًّا؛ فقد اختاره الأمراء الألمان ملكًا بينما كان في الثانية من عمره، وانضمَّ إلى ألقابه لقب (ملك صقلية) وهو في السادسة. لكن دارت رحىً لا تتوقف من الصراعات على السلطة والنفوذ حول الملك الصغير، لاسيَّما في جزيرة صقلية.

بعد أن تجاوز سن الخامسة عشرة، نجح الملك الصغير الموهوب في الانفراد بحكم صقلية، وخلال سنوات استعاد صلاحياته الملكية في المقاطعات الألمانية، ليتوَّج ملكًا لألمانيا كامل الصلاحيات في فرانكفورت عام 1212م، وينجح في سحق أبرز منافسيه، عسكريًّا عام 1214م.

لم يقتصر اهتمام فريدريك على السياسة والحرب، فقد قام بإصلاحات اقتصادية وإدارية عديدة، وأنشأ عام 1224م جامعة في مدينة نابولي الإيطالية تعد الأولى من نوعها في أوروبا العصور الوسطى.

عام 1220م، حاول فريدريك تحسين علاقاته المتوترة مع بابا روما، عبر التفاهم معه في الكثير من الخلافات السياسية بخصوص مملكة صقلية، وغيرها من المناطق الإيطالية. عام 1225م، ضمَّ فريدريك إلى ألقابه لقب ملك القدس، بعد زواجه من الأميرة إيزابيلا ولية عرش مملكة القدس الصليبية (كانت عاصمتها عكا، لكنها ظلَّت تحمل اسم القدس تيمُّنًا بقرب استعادتها من المسلمين لتعود عاصمة للمملكة التي تحمل اسمها). 

ورغم انشغاله بفرض سيطرته الإمبراطورية على شمالي إيطاليا، وجد فريدريك نفسه تحت ضغطٍ بابوي شديد، ليبحر على رأس حملة صليبية كبيرة إلى المملكة التي أصبح ملكها، وانتزاع القدس من المسلمين.

بالتزامن مع ذلك، كانت حمى المراسلات بين فريدريك، والسلطان الكامل الأيوبي في مصر، تتصاعد، وبدأت الصداقة تتعزز بين الرجلين، لاسيَّما وأن كلًّا منهما تحت حوزته ما يحتاجه الآخر بشدة. في إحدى المرات، أرسل فريدريك إلى الكامل هدايا فخمة، فبالغ الكامل في إكرام رسوله، وحيَّا التحية بأحسن منها، وأعاده مُحمَّلًا بتحفٍ ونفائسَ متنوعة من كافة أرجاء البلاد الإسلامية.

كان الكامل عبر تعزيز تلك الصداقة يريد أن يقطع الطريق أمام حلفٍ أوروبي صليبي جديد، أو صليبي-أيوبي، يستهدف ملكه في مصر وفلسطين. وكان فريدريك المنفتح على الثقافة الإسلامية، والذي يخضع لحكمه عشرات الآلاف من مسلمي صقلية كثيري التمرد، يريد أن يحصل من صداقته مع أهم ملوك الإسلام على نفوذٍ أكثر في المناطق الإسلامية، وأن يحظى من صديقه الكامل بصفقةٍ سخية فيما يخص فلسطين التابعة لسلطان الكامل، تعزِّز وضعه في أوروبا بصفته إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، المقابل الدنيوي لدولة البابا في روما.

الحملة الصليبية الخامسة.. دمياط في مقابل القدس للمرة الأولى

قبل عقدٍ ونصف من عقد صفقة القدس مقابل السلام بين الكامل الأيوبي وفريدريك، تعرَّض الكامل لامتحانٍ كبير في السنوات الأولى لاعتلائه عرش القاهرة؛ إذ تزامنت وفاة أبيه الملك العادل – أخي صلاح الدين – مع استهداف حملةٍ عسكرية صليبية كبيرة – عُرفت بالحملة الصليبية الخامسة – للديار المصرية عبر ثغر دمياط الشمالي على ساحل البحر المتوسط، والذي كان يعد الميناء السلمي والحربي الأهم لمصر آنذاك، وتتمثل خطورة موقعه في إشرافه على ملتقى النيل والبحر، مما يُمكن الصليبيين بعد احتلاله من الاندفاع برًّا وبحرًا – عبر النيل – صوب العاصمة القاهرة. 

عام 615هـ = 1218م، وبينما كان الملك العادل يُوارَى تحت الثرى، نجح الصليبيون – بعد حصارٍ طويل دام لأشهر – في الاستيلاء على حصن السلسلة المنيع في دمياط، والذي يحمي منفذ النيل من البحر.

في ذلك الوقت العصيب، اضطر الأمير الكامل والذي كان يقود في الجبهة جهود الدفاع ضد الغزو الصليبي، أن يعود إلى القاهرة دون ترتيب بعد أن اضطربت الأحوال فيها، ووصلته الأنباء المفزعة بأن أحد الأمراء – واسمه ابن المشطوب – حاول استغلال الفرصة مع بعض حلفائه للقيام بانقلاب عسكري في القاهرة، وانتزاع ملك مصر من الكامل، ومنحه إلى أخٍ للكامل يلقَّب بالفائز، كي يهيمن هؤلاء الأمراء على المقادير الفعلية من وراء ستار.

عندما ترك الكامل معسكره جنوبي دمياط في فوضىً بالغة وانسحب جنوبًا لضبط الأوضاع، تزعزت الأوضاع في دمياط، وفرَّ أكثر سكانها وحاميتها، فاستغلَّ الغزاة الفرصة الذهبية، وعبروا النيل دون مقاومةٍ، واستولوْا على المدينة، وأعملوا القتل والسلب والنهب فيمن وجدوه فيها، لتسقط دمياط بعد 16 شهرًا من صمودٍ عسكري فريد. حصَّن الصليبيون أسوار دمياط، واتَّخذوها معقلًا حصينًا، ومنطلقًا لاجتياح مصر، فبدأوا بالمناطق القريبة من دمياط، للاستيلاء على كل ما تطوله أيديهم.

قمع الكامل المؤامرات في القاهرة، لاسيَّما وقد وصلهُ مدد كبير من الشام بقيادة أخيه الملك المعظَّم عيسى، والذي عاد مسرعًا إلى الشام، وخرَّب أسوار بيت المقدس، لكي لا يتمكن الصليبيون من الدفاع عنها في حال استيلائهم عليها. وشدَّد الكامل قبضته على مصر وعلى القاهرة خصيصًا، ليحول دون تفاقم الهلع من تقدم الصليبيين، وفرار الكثير من السكان إلى مناطق داخلية بعيدة، مما يضعف جهود الدفاع والمقاومة. 

عاد الكامل بجيشه للتمركز إزاء الصليبيين إلى الجنوب من دمياط، وقطع الملاحة في النيل بإغراق بعض السفن الكبيرة في مجراه؛ لئلا يتمكن الصليبيون من غزو القاهرة عبره، لكن ولأشهرٍ طويلة، لم تحدث مواجهة كبرى فاصلة بين الصليبيين وجيش الكامل، فاتَّسم الموقف العسكري بالجمود، رغم استمرار تقاطر الإمدادات بالرجال وبالأسلحة إلى الصليبيين عبر البحر. 

تاريخ

منذ شهرين
دمياط والحملات الصليبية.. قرن من الملاحم

خشي الكامل من تحوُّل دمياط إلى حصنٍ متقدم للفرسان الصليبيين المتعصبين على الأرض المصرية، ويصبح استعادته من المحال لتتابع الحبل السري الواصل إليه من أوروبا بحرًا، مما سيجعل من استيلاء الصليبيين على مصر مسألة وقت لا أكثر،  فعرض على الصليبيين عرضًا سخيًّا مقابل الجلاء عن دمياط، يتضمن تسليمهم بيت المقدس (القدس)، وعسقلان، واللاذقية، ومعظم ما فتحه صلاح الدين الأيوبي، باستثناء قلعة الكرك الحصينة بالأردن. 

أراد ملك عكا الصليبي، وأبرز قادة الحملة، حنا دي برين، الموافقة على عرض الكامل بعد مساومته للحصول أيضًا على الكرك، و300 ألف دينار،  لكن المتعصبين وعلى رأسهم مندوب بابا روما المتعصب بلاجيو، رفضوا الصفقة السخية تمامًا، وأصروا على مواصلة القتال حتى احتلال القاهرة، والقضاء على دولة الأيوبيين، فيصبح الاستيلاء على الشام والقدس هينًا. ففشلت المفاوضات.

شرع الصليبيون عام 618هـ = 1221م في شن هجوم كاسح للوصول إلى القاهرة، فعسكر جيشهم إلى الجنوب من دمياط على مقربةٍ من معسكر الكامل في المنصورة، وارتكبوا خطأً فادحًا لجهلهم بطبيعة البلاد، فعسكروا في منطقةٍ منخفضة، فاستغلَّ الملك الكامل موسم فيضان النيل، وأمر بفتح السدود، فاندفعت مياه الفيضان لتكتسح معسكر الصليبيين المنخفض، فتعرَّضوا لخسائر جسيمة في الأفراد والمعدات، وأحاطت بهم المياه من كل جانب، وعجزوا عن الانسحاب شمالًا، واستولى الأسطول المصري على الإمدادات الآتية إليهم من دمياط، وأصبح وضع الصليبيين في منتهى الخطورة.

حاول الصليبيون استدراكَ ما فاتهم، وراسَلوا الكامل موافقين على صفقة القدس-دمياط التي سبق أن قدَّمها لهم قبل أشهر، لكن الكامل رفض بشكلٍ قاطع، بعدما أصبح في موضع قوة، كما وصلته إمدادات جديدة من الأفراد والأسلحة من طرف أخويه الأميرين المعظم عيسى، والأشرف موسى في الشام، فلم يجد الصليبيون مفرًّا من مفاوضة الكامل على تسليم دمياط دون قيدٍ أو شرطٍ سوى ضمان سلامتهم الشخصية، فوافق الكامل على ذلك، وأخذ بعض قادة الصليبيين رهائن، حتى تسليم حامية دمياط الصليبية المدينة إلى قوات المسلمين. 

«اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَمُلُوكُ بَنِي أَيُّوبَ مُفْتَرِقُونَ مُخْتَلِفُونَ، قَدْ صَارُوا أَحْزَابًا وَفِرَقًا، وَقَدِ اجْتَمَعَ مُلُوكُهُمْ إِلَى الْكَامِلِ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ مِصْرَ، وَهُوَ مُقِيمٌ بِنَوَاحِي الْقُدْسِ الشَّرِيفِ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُ الْفِرِنْجِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكَثْرَتِهِمْ بِمَنْ وَفَدَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَحْرِ». *ابن كثير الدمشقي، في كتاب البداية والنهاية، عن أحداث عام 626هـ

بعد انتهاء السنوات الأربعة العصيبة، نجمت الخلافات السياسية بين الأمراء الأيوبيين في السنوات التالية، لاسيَّما بين الكامل وأخيه المعظم عيسى حاكم دمشق، وخشي الكامل أن تدفع تلك الصراعات المحتدمة أخاه المعظم إلى التحالف مع الصليبيين ضده. وفي تلك الأثناء، كانت الأنباء ترد إلى الكامل من أوروبا بأن البابا يحرض صديقه فريدريك الثاني على شن حملة صليبية جديدة إلى المشرق، من أجل تحقيق ما فشلت فيه الحملة الصليبية الخامسة.

صفقة عام 1229 م.. القدس في مقابل السلام

أمام الخارطة المعقدة من التحديات التي تواجه الكامل الأيوبي، لاسيَّما التناحر الذي لا ينتهي بين الأمراء الأيوبيين، وطمع الأقوياء منهم في منافسته، وتكاثف الأخطار الخارجية من كل جانب، وفي مقدمتها المد التتري الكاسح من الشرق، والذي اجتاح جل آسيا الإسلامية، ودقَّت مطامعه أبواب العراق والشام والأناضول، والمد الصليبي من الغرب، والذي لا يكاد يعتريه جزرٌ مؤقت، حتى تعود أمواجه للاندفاع صوب الشام وفلسطين من جديد؛ أمام كل هذا، لجأ الكامل إلى خطوةٍ غير مسبوقة، لتأمين عرشه ودولته، وللحيلولة دون اتحاد خصومه ضده.

Embed from Getty Images

في تلك الأثناء، شرع فريدريك الثاني عام 1227م، في التحرك بجيشه صوب الشام، لكن المسيرة تعطَّلت نتيجة انتشار بعض الأوبئة بين الجنود. اعتبر البابا جريجوري التاسع ذلك تباطؤًا من قبل فريدريك في تنفيذ قسمه، فعاقبه بالحرمان الكنسي أوائل عام 1228م

رغم ذلك، وصل فريدريك إلى عكا منتصف عام 1228م، وتكاثفت المراسلات بينه وبين الكامل من أجل تجنب الحرب، وإقامة السلام بين الجانبيْن، والوصول إلى حلِّ وسط يحفظ الحد الأدنى الواجب لدى الطرفين. وبالفعل جرى الاتفاق على وضع الحرب بين الجانبين لعشر سنوات، مقابل تسليم القدس دون تحصين لفريدريك الثاني، ليدخلها الأخير في موكبٍ عظيم، ويزور كنائسها ومساجدها.

وكان من المواقف اللافتة أن نهر فريدريك أحد القساوسة الذي أراد أن يدخل إلى المسجد الأقصى بالصليب، وأصدر أمرًا قاطعًا بمنع المسيحيين من الاقتراب من منطقة المسجد الأقصى ومحيطها، المتروكة للمسلمين وفق الاتفاق.

وكبادرة حسن نية، أمر فريدريك المؤذنين في مساجد القدس برفع الأذان في وقته، بينما انشغل الكامل بإرسال الرسل إلى الخليفة العباسي ببغداد، وإلى مختلف الجهات الإسلامية للدفاع عن وجهة نظره في الاتفاق مع فريدريك، وللتقليل من شأن تسليم القدس الجزئي للصليبيين مقابل تجنب حربٍ عاصفة في وقتٍ حرج. 

بعد الكامل وفريدريك.. عودة دموية إلى القدس

تغيَّر المشهدان السياسي والعسكري بشدة بعد وفاة الكامل عام 635هـ؛ إذ اضطربت الأمور في الشام ومصر لبضع سنوات نتيجة الصراع الكبير على السلطة بين ابنيْ الكامل، الصالح نجم الدين أيوب، والعادل سيف الدين، والذي انتهى آخر المطاف بنجاح الصالح أيوب في انتزاع عرش القاهرة، والاتجاه بطموحاته نحو الشام، لتصطدم بتشبث أعمامه بما تحت أيديهم من حواضر الشام، لاسيَّما الصالح إسماعيل ملك دمشق.

Embed from Getty Images

نتيجة هذا الصراع الأيوبي – الأيوبي المحتدم، تشكَّل تحالفٌ واسع بين الأمراء الأيوبيين في الشام والصليبيين، ضد الصالح نجم الدين أيوب، فاستعان الأخير إزاء هذا الوضع الصعب بورقته الرابحة القاتلة التي تمثَّلت في الآلاف من الفرسان الخوارزميين من فلول الدولة الخوارزمية التي دمرها التتار، والذين كانوا مقاتلين أشداء، ينضوون تحت لواء من يدفع لهم أكثر، ويعدهم بالإقطاعات.

اجتاحَ الخوارزمية الشام من أقصاه إلى أقصاه في طريقهم للحاق بجيش الصالح أيوب في مصر قبل توجهه لحرب التحالف الأيوبي الشامي-الصليبي، وعاثوا فسادًا في الكثير من أرجائه، حتى وصلوا إلى فلسطين، فاجتاحوا القدس ضعيفة التحصينات، وقتلوا الآلاف من الصليبيين بها دون أدنى مقاومة، ثم تكاملت حشود التحالفيْن قرب غزة، لتقع موقعة فاصلة عام 642هـ = 1244م، بين الطرفين، انتهت بانتصار ساحق للصالح أيوب والخوارزميين، ومقتل الآلاف من فرسان الصليبيين وحلفائهم، وتعزيز أيوب سلطانَه على فلسطين، وبعض أجزاء الشام الأخرى. 

أما فريدريك الثاني، فقد انشغل منذ عام 1234م بتمرد ابنه هنري ضده في ألمانيا، مما اضطره لشن الحرب ضده لسنوات، حتى انتصر عليه وأخضع المقاطعات الألمانية لسلطته مجددًا. كذلك عادت الخلافات للتفاقم بينه وبين البابا، نظرًا إلى محاولة الأخير التدخل في شؤون صقلية، وفرض نفوذه عليها. 

تاريخ

منذ 3 شهور
موقعة غزة عام 1244م.. هزيمة الصليبيين التي كانت أشد من «حطين»

وهكذا أسهم المشهد الداخلي المعقد في الدولة الأيوبية، والاقتتال الأيوبي-الأيوبي،  في تدمير الصفقة الاستثنائية بين الشرق والغرب، مثلما كان من أهم الشرارات التي أوجدتْها قبل بضع سنوات. وأصبح المشهد في الشرق مهيئًا لملاحم أخرى أفرزتها نتائج موقعة غزة، واقتراب الزحف التتري من البوابة الشرقية للعراق، ولكن لتلك الملاحم مواعيد أخرى معنا.

المصادر

تحميل المزيد