نقلًا عن عربي 21

 

 

كتب إريك تريغر على موقع مجلة “فورين أفيرز” عن سبب البؤس المصري الذي يمكن تحمله، والسبب الذي يجعل من نظام عبدالفتاح السيسي مستقرا. ويرى أن الأمر متعلق بحربه للإخوان المسلمين.

ويقول الكاتب إن العامين الماضيين اللذين مرا على مصر يعدان من أشد الأعوام عنفا واضطهادا في تاريخ مصر الحديث، فمنذ أن رد الجيش على التظاهرات الجماهيرية، التي خرجت احتجاجا على الإطاحة بنظام الرئيس المنتخب محمد مرسي، قتل 1800 مدني و700 من قوات الأمن والجيش المصري. فيما اعتقل عشرات الآلاف، وفرضت قيود شديدة على الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والتظاهر.

ويرجح تريغر أن تزداد هذه القصة المؤسفة سوءا في قادم الأيام. فبعد مقتل النائب العام هشام بركات في 29 حزيران/ يونيو، حمّل السيسي الإخوان مسؤولية قتله، وتعهد بتمرير قوانين شديدة تؤكد تنفيذ الأحكام الصادرة ضد قادة الإخوان، ممن حكم عليهم بالإعدام في وقت قريب. ورد الإخوان على هذه التهديدات بدعم الهجمات على البنى التحتية، بما فيها محطات توليد الطاقة الكهربائية.

وتستدرك المجلة بأنه رغم هذه النظرة القاتمة من الناحية الأمنية، إلا أن الكاتب يناقش في تقريره استقرار النظام السياسي. ويجد أن نظام السيسي، وعلى خلاف الأنظمة الأخرى التي انهارت خلال أعوام 2011 و2013، متماسك داخليا. مرجحا أن تظل مؤسسات الدولة ومجتمعات العمل المدني موالية للنظام؛ لسبب واحد، وهو أنها ترى في الإخوان المسلمين تهديدا على مصالحها، ولهذا ترى في قمع النظام وملاحقته للجماعة ضرورة من أجل بقائها. كما أن الكثير من المصريين يرون في نظام السيسي وتماسكه الشيء الوحيد الذي يمنع مصر من الانزلاق نحو دوامة الفوضى والحروب التي تعيشها دول عربية أخرى، ولهذا فإنهم يفضلون نظاما قمعيا وأحمق بدرجة ما على نظام أسوأ منه.

ويشير التقرير إلى أن الوضع الأمني يبدو هشا، إلا أن الوضع القائم يمكن الحفاظ عليه، ما يعني أن تغييرا للنظام يبدو بعيدا في الوقت الحالي.

ويعتقد الكاتب أن استمرار نظام السيسي يعني أن السيسي نفسه باق، وما  يواجهه هو خطر تعرضه للاغتيال. ويتحدث المصريون عن الموضوع بشكل مفتوح لدرجة أن السيسي تحدث عنه قبل انتخابه العام الماضي، واعترف بتعرضه لمحاولتي اغتيال بعد الإطاحة بمحمد مرسي. ويقول تريغر إن “الوضع لم يتغير، فالإخوان المسلمون يدعون إلى موت السيسي بشكل واضح، وكذلك المجموعة الجهادية (أجناد مصر)، التي زرعت قنابل أمام القصر الرئاسي في حزيران/ يونيو الماضي، بعد أسابيع من تولي السيسي السلطة”.

وتلفت المجلة إلى أن بقاء النظام لا يعتمد على طول أمد حكم السيسي، مع أن النظام يحاول تقديم السيسي باعتباره رجلا قويا على طريقة عبد الناصر. مع أن وصفه بأنه مدير تنفيذي لتحالف من المؤسسات وأصحاب المصالح، الذين دعموا الإطاحة بمرسي عام 2013، ودعموا ترشحه عام 2014، أدق من وصفه بأنه رجل قوي. مشيرة إلى أن هؤلاء هم من يشكلون لحمة نظامه. ويضم هذا التحالف عددا من مؤسسات الدولة، مثل الجيش والاستخبارات والشرطة والقضاء، وكذلك كيانات خاصة تخدم الدولة في الريف، مثل القبائل القوية في دلتا النيل وقبائل صعيد مصر.

ويفيد التقرير، الذي ترجمته “عربي21″، بأن النظام يعتمد على دعم رجال الأعمال والإعلام الخاص، الذي أدى دورا مهما في التحريض ضد مرسي، فمراكز القوة هذه ظلت موحدة خلال العامين الماضيين لسبب واحد؛ وهو: أنها تشترك في مصلحة تدمير الإخوان المسلمين، الذين تم اعتبارهم تهديدا لمصالحهم أثناء حكم مرسي، الذي لم يستمر سوى 369 يوما.

ويناقش الكاتب هنا موقف المدافعين عن الإخوان المسلمين، الذين يرون أنهم يؤمنون بالتدرج في تحقيق أهدافهم. لكنه يرى أن لا “تدرج” ظهر أثناء فترة حكمهم، حيث يتهم تريغر مرسي بمحاولة السيطرة على القضاء، عندما أعلن في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 عن أمر يجعل قراراته غير خاضعة للقضاء، وسيطر الإخوان على مجلس الشعب، وحاولوا إحالة ثلاثة آلاف قاض إلى التقاعد، واستخدموا تأثيرهم في كتاية الدستور في نهاية عام 2012، وحاولوا من خلاله منع رموز نظام حسني مبارك كلهم من المشاركة في الانتخابات مدة عشرة أعوام. وهو ما استبعد القبائل والعشائر القوية في ريف مصر، التي دعمت النظام السابق، وخدم أبناؤها في البرلمان.

ويقول تريغر إن الإخوان المسلمين حاولوا تهميش قطاع رجال الأعمال، وخلق مؤسساتهم الخاصة، التي كان قادتها يرافقون مرسي في رحلاته الخارجية.

وتجد المجلة أن دعوات الإخوان إلى تنظيف الإعلام، بعد زيادة النقد لحكم مرسي، ودعوتهم إلى إعادة ترتيب وزارة الداخلية، قد أثارت قلق عدد من الضباط الذين قرروا دعم التظاهرات المعادية لمرسي وبزيهم الرسمي.

ويستدرك التقرير بأنه رغم محاولات الرئيس مرسي التقرب للجيش، والحفاظ على استقلاليته، إلا أنه أضعف الترتيبات معه، من خلال تصريحاته المتعلقة بالسياسة الخارجية، خاصة في الأشهر الأخيرة من حكمه، فقد انتقد الجنرالات خطاب مرسي، الذي هدد فيه إثيوبيا، وقال إن الخيارات كلها مفتوحة معها، وذلك ردا على خطط أديس أبابا لبناء سد النهضة. وكذلك دعمه للجهاد في سوريا، عندما ألقى خطابا في أحد ملاعب القاهرة، حضره قادة سلفيون في منتصف حزيران/ يونيو 2013.

ويعتقد الكاتب أن تحالف هذه المؤسسات وأصحاب المصالح ليس جديدا، ويعود إلى عهد مبارك، إلا أن قربها لم يكن أكبر مما عليه اليوم. ففي عهد مبارك نظر الجيش إلى وزارة الداخلية كونها منافسا له، وهذا يفسر السبب الذي دعا قادة الجيش إلى الوقوف جانبا عندما انهارت قوات الأمن في عام 2011. وفي السياق ذاته، فقد انتقدت مؤسسات إعلامية خاصة الانتهاكات التي مارستها الشرطة في عهد مبارك، وكانت ناقدة لحكم النخبة العسكرية بعد الإطاحة بمبارك، الذي استمر مدة 16 شهرا. وكان هناك انقسام داخل مراكز القوة بين القيادة العجوزة والشابة، وقد أصلحه مرسي في عام 2012، عندما أحال قادة الجيش الكبار في العمر إلى التقاعد، وعيّن السيسي وزيرا للدفاع.

وتبين المجلة أنه رغم الوحدة الظاهرية بين ممثلي مراكز القوة في مصر، إلا أن الخلافات بينهم لم تتلاش، كما يرى مايكل حنا من مؤسسة القرن الجديد “سينشري فاونديشن”، وقد ظهر ذلك من خلال التسريبات الهاتفية الأخيرة، وانتقاد الإعلام لوزراة الداخلية، وحملة الأمن ضد قائد القوات الجوية السابق والمرشح الخاسر في الرئاسة أحمد شفيق، فكلها تظهر انقساما داخل النخبة الحاكمة.

ويورد التقرير أنه رغم هذا كله، فإن الخلافات كانت تختفي واحدا تلو الآخر؛ نظرا لوحدة النظام ومراكز القوى في هدف تدمير الإخوان المسلمين. فلو لم يتم تدمير الجماعة، فإن هناك خوفا من عودتها للظهور، ومحاولة الانتقام لمئات الإخوان المسلمين الذين قتلوا في العامين الماضيين. وهو ما تود الجماعة فعله في الحقيقة.

ويقول تريغر: “بالتأكيد هذا ما قاله لي عدد من قادة الإخوان منذ الانقلاب، من أنهم سيقومون بالتحقيق، ومحاكمة، وربما إعدام، من شاركوا في حملة القمع ضد الإخوان. وبالنسبة لمكونات النظام ومراكز القوة، فإن نجاح حملة القمع ضد الإخوان هي مسالة حياة أو موت”.

ويرى الكاتب أن تركيز النظام على محاربة الإخوان هو محاولة لتشريع قوانين وإصدار أوامر جديدة لتعزيز شرعيته القانونية. فالقانون الذي أصدره السيسي، الذي يعطيه الحق في عزل مسؤولي وكالات الرقابة المصرية، هو مثال على هذا الأمر. وهو ما لم يتمتع به مرسي من قبل، وانتهت محاولات الأخير بتظاهرات ضده، إلا أن محاولات السيسي مرت دون أي نقد.

وترى المجلة أن هناك أسبابا كثيرة تدعو إلى الشك في قدرة نظام يضع نصب عينيه تدمير الإخوان المسلمين على الحكم، فنظام يقضي وقتا لمنع جماعة بعينها، لن يكون أبدا شاملا وممثلا للمصريين كلهم، كما أن إصرار النظام على تحميل الإخوان المسلمين مسؤولية كل حادث إرهابي، حتى تلك الهجمات التي يعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عنها، يعني أنه، أي النظام، لا يتعامل مع الخطر بطريقة واقعية. بالإضافة إلى أن قمع النظام للناشطين والصحافيين الذين دعموه، فقط لأنهم انتقدوه وباسم مكافحة الإرهاب، يخلق أعداء جدد، ويبذر بذور ثورة على الطريق.

ويجد التقرير بأنه مع ذلك، فإن سياسة معاداة الإخوان المسلمين لا تزال تدعم النظام، وتجعله رابحا سياسيا على المدى القريب، خاصة أن الكثير من المصريين لا يزالون ينظرون للجماعة على أنها عامل تهديد. وهؤلاء المصريون قد لا يكونون متحمسين للسيسي، ولكنهم يرون في تماسك نظامه الداخلي أمرا يحمي البلد من الانزلاق في الحرب، التي تعيشها ليبيا وسوريا والعراق واليمن.

ويختم تريغر تقريره بالإشارة إلى أن نبرة العداء للإخوان ساعدت في جلب رجال الإعمال والأثرياء في الخليج. ويرى أن الوضع القائم يمكن الحفاظ عليه، ولكن في حال انهياره فسيكون دمويا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد