داهمت قوات الأمن الجزائرية يوم أمس مقر قناة الوطن الخاصة، وقامت بغلق القناة ومصادرة الأجهزة وكل الأملاك بأمر من الوالي المنتدب للدائرة الإدارية لدرارية (غرب الجزائر العاصمة)، كما قام رجال الأمن بطرد الصحفيين العاملين بها، والقيام بإجراءات تفتيشية مشددة قبل مغادرتهم لمبنى القناة.

وحسب مدير الأخبار بالقناة نصر الدين قاسم، فإن قوات الأمن اقتحمت المبنى بتهمة ممارسة نشاط غير شرعي وبث أفكار هدامة، وهددت باستعمال العنف لإجبار العمال على مغادرة المبنى. كما أبرز المسؤول بالقناة عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك أن قرار الوالي لا يحمل أي وثيقة تثبت حكمًا قضائيًّا لغلق الفضائية الخاصة وتشميع مقرها، رغم أن المؤسسة تمارس نشاطها بطريقة قانونية.

وجاء هذا القرار الإداري المرفق بالسلوك الأمني القمعي حسب صحفيي القناة، بعد تصريح وزير الاتصال حميد قرين برفع دعوة قضائية ضد القناة ومالكها جعفر شلي، تحريك القضاء الجزائري جاء بتهمة استضافة الأمير السابق للجيش الإسلامي للإنقاذ مدني مزراق وتهديده لرئيس البلاد عبر أحد البرامج الحوارية للقناة، كما حاول الوزير قرين مؤخرًا إهانة صحفي القناة في الندوة الصحفية بحجة عدم شرعية القناة بالوسط الإعلامي الجزائري.

 

جعفر شلي: عانيت سابقا من الجنرالات واليوم من مافيا المال!

2015-10-1212-38-11.758604-cheli-555x318

(رجل الأعمال الجزائري جعفر شلي مالك القناة)

 

وقال المدير العام للقناة جعفر شلي في تصريح لجريدة الخبر، إنه تحدى الإرهاب سنوات التسعينات بصدر عار في وقت كان وزير الاتصال قرين لاجئًا ببلد أجنبي والذي يغلق قناته اليوم، وأعلن عن تأسيس خلية أزمة عبر مساعديه بالقناة لبحث الإجراءات القانونية والعملية التي يمكن القيام بها. وقالت وكالة الأنباء الجزائرية أن الوالي المنتدب حرك مصالحه بناء على طلب من وزارة الاتصال، وأضاف مصدر الوزارة “تنشط القناة الممثلة في الجزائر من قبل المؤسسة ذات المسؤولية المحدودة (الوطن ميديا) بطريقة غير قانونية، وتبث مضامين تحريضية تمس برموز الدولة”.

وفي اتصال كذلك له مع موقع سبق برس، اتهم رجل الأعمال شلي السلطة بالتعدي على الحريات وحقوق الإنسان في الجزائر من خلال تشميع قناته ومصادرة ممتلكاته، واعتبر هذه الإجراءات بالغدر الفاضح والطاعن لحقوق الإنسان وعملا تمييزيًّا. كما أوضح شلي لنفس الموقع، أن مسؤولي وزارة الاتصال أبلغوه خلال اجتماعه بهم نهاية الأسبوع المنصرم أن مسألة الدعوى القضائية طويت، وأنه بدوره أعطى تطمينات وشروحات عن التمسك بالتوجه العام للقناة بما يخدم المصلحة العليا للوطن ولا يمس بمؤسسات الجمهورية.

وأضاف مالك القناة القيادي في حركة مجتمع السّلم، أن السلطات لم تحترم الخطوات القانونية، متسائلا “وزير الاتصال قال إنه سيقاضي القناة، فلماذا لم ينتظروا الحكم القضائي؟ أم أنهم يخافون أحكام القضاء؟”. ونفى شلي الصبغة الحزبية عن القناة، مبرزًا أن القناة جزائرية تهدف إلى الدفاع عن الحقوق والحريات لجميع الجزائريين مهما كانت توجهاتهم ومعتقداتهم. وأوضح شلي دائمًا لموقع سبق برس أنه تم التضييق على نشاطاته التجارية مع بداية الانفتاح الاقتصادي، واليوم عادت المافيا في تجديد عقابها بغلق القناة التي أملكها. وهو ما يعكس قراره الأخير بالرحيل للعيش خارج الجزائر وطلبه الاستقالة من كل المسؤوليات التنفيذية بحركة مجتمع السلم.

 

حمس تشدد اللهجة وتتهم السّلطة

timthumb

وفي أولى ردود الفعل تجاه الإجراء غير القانوني والتعسفي حسب المتابعين للساحة الإعلامية، أبدى عديد من النشطاء والصحفيين والهيئات السياسية والإعلامية تضامنهم المطلق مع قناة الوطن الجزائرية، حيث أشار البرلماني ناصر حمدادوش في اتصاله مع “ساسة بوست” أن للقناة سجلًّا تجاريًّا تحت اسم “الوطن ميديا” وتقدمت في وقت سابق بطلب اعتماد مكتب القناة لدى وزارة الاتصال ولم يرخص لها على غرار عدد كبير من القنوات الجزائرية الخاصة التي تبث باستمرار ولم تتعرض لأي اعتراضات أو إجراءات كالتي تعرضت لها قناة الوطن اليوم. كما اتهم حمدادوش السلّطة كونها العدو الأول للحريات وحقوق الإنسان، مضيفًا: “نحن نعيش في بيئة موبوءة لا تسمح بصناعة أي قصة نجاح في كل المجالات”، متسائلا: “أين هو التضامن الإعلامي من مختلف وسائل الإعلام؟”.

وندد الناطق الإعلامي لحركة مجتمع السّلم المعارضة (حمس) بوعبد الله بن عجايمية بأشد العبارات قيام قوات الأمن باقتحام القناة والاعتداء السافر على العمال بها، وإجراءات إيقاف البث وطرد الصحفيين، واعتبرت حركة مجتمع السلم أن هذا الغلق يعتبر سابقة خطيرة تعكس حقيقة السلطة السياسية في البلاد والقائمة على قمع الحريات وتكميم الأفواه وإسكات الرأي الحر والتعدي على حرمة الصحافة والإعلاميين عشية عيدهم الوطني.

وأصدرت الحركة بيانًا شديد اللهجة، واعتبرته غير مقبول وتصرفًا لا أخلاقيًّا وغير ديمقراطي، ويؤكد سياسة الهيمنة والدكتاتورية وغلق الأفواه وإعدام لمجال الحريات، وأضاف البيان الذي وقعه الناطق الإعلامي بن عجايمية إن هذا الإجراء هو استهداف لمالك القناة جعفر شلي بسبب انتمائه السياسي والخط الوطني الحر للقناة. وذكرت حركة مجتمع السلم بنضالها لأجل إعلام حر ومستقل في إشارة إلى رفضها لغلق القناة الخاصة سابقًا “الأطلس” أثناء انتخابات الرئاسة في أبريل 2014، ودعت في الأخير كل أحرار الجزائر من إعلاميين وسياسيين ومجتمع مدني إلى الوقوف ضد هذه الممارسات التعسفية لغلق الحريات التي تعتبر الدفاع عنها مسؤولية الجميع.

وأصدرت جبهة العدالة والتنمية هي الأخرى بيانًا تستنكر وتندد فيه بشدة قرار الغلق والتشميع الذي تعرض له مقر قناة “الوطن الجزائرية”، واعتبرت الجبهة أن هذا القرار مساس بحرية الرأي والتعبير والصحافة وتفريط في المكاسب. وأبدى البرلماني عن نفس الحزب لخضر بن خلاف رفضه المطلق لهذا السلوك التعسفي، ووضع مجموعة من التساؤلات “أين هي سلطة الضبط؟ أين هي العدالة الجزائرية؟ خاتمًا منشوره على فيس بوك: “أنا متضامن مع قناة الوطن الجزائرية”.

كما سجل عضو المكتب السياسي لحزب جيل جديد تضامنه المطلق مع قناة الوطن، ووصف يونس صابر شريف السلطة بالجنون والخروج عن السيطرة، وكتب أحمد عظيمي الناطق باسم حزب طلائع الحريات: “تتعرض القناة في هذه اللحظة لنفس مصير قناة الأطلس والتشميع دون حكم قضائي”، مضيفًا أن مدني مزراق يجتمع بأعوانه وأنصاره منذ أعوام، ويستشار في صياغة الدستور الجديد، كما شارك ببرامج عديدة عبر مختلف القنوات التليفزيونية الخاصة ولم تتحرك السلطات للمنع أو القمع.

 

الإعلاميون يتضامنون وينددون

12095249_953230704783795_8556548854314774823_o

كما عبّر المعلق الرياضي حفيظ دراجي عن تضامنه مع قناة الوطن، واستهزأ معلق قنوات بين سبورت عبر صفحته بالفيس بوك بمصطلح “الدولة المدنية” الذي يروج له أمين عام الحزب الحاكم عمار سعيداني منذ أشهر، مضيفًا أن الجزائريين سيعيشون أيامًا سوداء بالموازاة مع استكمال سيناريو الجماعة. وقال رئيس تحرير جريدة الحوار مروان الوناس أن السلطة بغلقها القناة بتهمة عدم وجود ترخيص للنشاط التجاري هي بذلك لا تريد ربط المنع والغلق والقمع بقضايا حرية التعبير، مستدلًّا بجريدة الرأي التي أغلقت منذ 13 سنة مضت بسبب الديون المتراكمة.

وأفاد الإعلامي سليم صالحي بأن هذا القرار ظالم يؤذن بالخراب، كما تساءل عن مصير عشرات العائلات التي أصبحت بلا مصدر رزق، موجهًا مقولة شعبية لوزير الاتصال قرين “الحقار يموت ذليل”. وأضاف رئيس التحرير السابق لقناة المغاربية التي تبث من لندن “أندد بشدة القرار التعسفي والجائر والقاضي بغلق مقر قناة الوطن، هذه حقرة ويجب أن تتوقف، كما أعلن عن تضامني الكامل وغير المشروط مع الزملاء العاملين في القناة، وأدعو من بيده سلطة القرار في البلاد إلى مراجعة قرار غلق مقر قناة الوطن، هذا عيب وعار، وقرار يعطي إشارات سلبية إلى الرأي العام الداخلي والخارجي”.

ووصف الكاتب الصحفي عثمان لحياني السلطة بالمعطوبة، وأكد أن هذا القرار عرّى السلطة وأبانت من خلاله عن فقدان للعقل، مبرزًا أنها أصبحت أكثر قبحًا من القبح، وحمّل في ثنايا منشوره وزير الاتصال حميد قرين هذه السلوكيات المنافية لحرية الرأي والتعبير والمضيقة على كل وسيلة إعلام لا توالي العهد الرابع لبوتفليقة، مذكرًا الوزير بأيام عمله كصحفي في “الحياة” المغربية.

 

المغاربية تتضامن .. و«الوطن» ليست الأولى ولن تكون الأخيرة

12118914_953342561439276_3449246700516492712_n

(احتجاج عمال القناة أمام وزارة الاتصال)

وتضامنت قناة المغاربية التي تبث من لندن البريطانية يوم أمس مع قناة الوطن الجزائرية الخاصة، وفتحت برامجها لتدخل النشطاء والإعلاميين وجمهور الفضائية، في خطوة تضامنية ومبدئية رفضًا لمبدأ التعسف في استعمال القوة العمومية في تكميم أفواه وسائل الإعلام، كما أطلق نشطاء سياسيون ومدونون هاشتاغ #الحرية_للوطن عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتقديم التضامن اللازم مع الظلم السياسي والإداري الذي تعرضت له قناة الوطن، وتجمع كذلك العاملون من إداريين وصحفيين بالقناة مساء أمس أمام مقر وزارة الاتصال احتجاجًا على الغلق التعسفي، وقامت قوات الشرطة باعتقال البعض منهم وتفريق المحتجين خلال مدة قصيرة من الاحتجاج.

وتعرضت قناة “الأطلس” الخاصة سابقًا خلال رئاسيات أبريل 2014 إلى الغلق وتشميع مقرها بالجزائر العاصمة، بعد تغطيتها لمظاهرات مناهضة للعهدة الرابعة لرئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة، وقدمت قناة الأطلس حينها برامج جريئة ضد السلطات وفي أوج الحملة الانتخابية، واتهمت العديد من الأوساط الإعلامية المرشح علي بن فليس بالوقوف وراء حملة التشويه التي يتعرض لها عبد العزيز بوتفليقة، وهو ما أدى بقوات من الدرك الوطني إلى الغلق الفوري وبالقوة للقناة، وحجز ممتلكاتها وطرد العاملين بها خارج المبنى.

للإشارة انطلقت قناة الوطن منذ عامين تقريبا أي سنة 2013، بعد صعوبات مالية وبشرية كبيرة عرفتها مع البداية، القناة التي يملكها القيادي في حركة مجتمع السلم محسوبة على التيار الإسلامي الوسطي وبالخصوص حركة حمس، في وقت تعرف الساحة الإعلامية بالجزائر بروز العديد من القنوات الخاصة المستقلة والحزبية، وتعتمد وزارة الاتصال هذه القنوات كمكاتب أجنبية رغم أن كل شيء جزائري في هذه المؤسسات سوى القانون الذي تخضع له من قبل الوزارة الوصية التي تماطلت في تنصيب سلطة الضبط للسمعي البصري. وتبث غالبية القنوات الجزائرية الخاصة من عواصم خارج الجزائر عبر لندن وجنيف ومدريد وروما وقبرص وعمان.

 

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد