إن ما فعلناه بحق المسيحيين ليس إلا ما يمليه علينا الواجب الديني والإنساني *رسالة الأمير عبد القادر إلى الأمير شامل الداغستاني في معتقله بكييف.

في شهر ديسمبر (كانون الأول) من سنة 1847، وبينما الأمير عبد القادر الجزائري، قائد المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، محاصرٌ من جيوش الاحتلال؛ بدا أن قصة هذا الفارس قد وصلت إلى نهايتها بعد مقاومة استمرَّت 15 سنة، خصوصًا وأن الاستمرار في القتال كان سيعني وقوع مجزرة دمويَّة في حقِّ الأطفال والنساء والشيوخ الذين معه، ولذلك فضَّل ترك السلاح على المجزرة، لتنتهي بذلك أكبر حركة مقاومة جزائرية مسلَّحة ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر.
ولكن قصَّة هذا الفارس، الذي نال البيعة على جهاد الفرنسيين وعمره لم يتجاوز 24 سنة، لم تنتهِ فقط بانتهاء مقاومته المسلَّحة، إذ كُتبت له حياة جديدة ووصلت سمعته إلى كل أنحاء العالم؛ وذلك بسبب موقف إنساني نادر أبهر العالم، ليس في مسقط رأسه الجزائر، ولكن في الشام، الذي انتقل إليه سنة 1856.

Embed from Getty Images

عقب دخول الاستعمار الفرنسي الجزائر سنة 1830 واستسلام الداي العثماني؛ بدأت المقاومات المسلَّحة في التنظُّم لمجابهة هذا الخطر الأجنبي، وقد التفَّت قبائل الغرب الجزائري حول والد الأمير عبد القادر، محيي الدين الجزائري، شيخ الزاوية القادرية من أجل تنصيبه زعيمًا عليهم، وقد رفض الوالد العرض بسبب تقدُّمه في السن، واقترح بدلًا من ذلك ابنه عبد القادر بدلًا عنه، وقد جرت مبايعة الأمير الشاب سنة 1932؛ ليشرع في إرساء دولة لها جيش وحكومة وولاة، ونظام إداري دقيق، ومراسلات مع الدول الأجنبية، بالتوازي مع المواجهة المسلحة مع المستعمر.

طيلة سنوات المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي، عُرف عن الأمير عبد القادر بشهادة المؤرخين الفرنسيين احترام العهود، وحسن معاملة الأسرى؛ لكن فرنسا، لم تُبادله الصفات ذاتها. فبعد استسلام الأمير سنة 1847؛ ألقي القبض عليه من طرف الفرنسيين الذين أخلفوا الاتفاق معه، إذ كان يقضي الاتفاق بالسماح له ولحاشيته بالمغادرة إلى مصر أو فلسطين؛ لكن جرى اعتقاله ونقله مع عائلته وحاشيته المقرَّبة إلى فرنسا، حيث سجن في ظروف شديدة السوء، خصوصًا على حاشية الأمير، لدرجة أن كثيرًا منهم عانى المرض والجنون وحتى الموت.

المقاومة الجزائرية

لوحة تخلِّد مقاومة الأمير عبد القادر – الرسام: حسين زياني

مع حدوث ثورة في فرنسا سنة 1848 ووصول نابليون الثالث إلى السلطة، انفرجت ظروف الأمير عبد القادر، إذ استقبله نابليون الثالث وأعاد له الاعتبار والاحترام، وسمح له بحرية التنقّل، وتعرَّف إليه المثقفون والمسؤولون الكبار الفرنسيُّون وانبهروا بشخصيَّته؛ كما تذكر مؤلفاتهم، وقد سمح نابليون الثالث للأمير بالمغادرة إلى المشرق.

غادر الأمير عبد القادر فرنسا باتجاه مدينة بورصة التركية التي استقرَّ فيها مؤقتًا، لينتقل بعدها إلى مدينة دمشق التي استقرَّ فيها سنة 1956، وقد وقع اختيار الأمير عبد القادر على دمشق؛ بسبب إعجابه الشديد بها منذ زيارته الأولى لها مع والده أثناء رحلتهما إلى الحج في شبابه، وأقام في دار القباقي، وكان يُلقي دروسًا دينية في المسجد الأموي، أو في دار الحديث النووي.

«طوشة نصارى».. ما سبب أحداث دمشق سنة 1860؟ 

في سنة 1860، اندلعت في جبل لبنان الواقع آنذاك تحت الحكم العثماني، أحداث عنف بين طائفة الموارنة المسيحيين والدروز، ويمكن رصد هذا التوتُّر الطائفي قبل هذا التاريخ؛ إذ حدثت أحداث أقلُّ حدة قبلها في سنوات الأربعينيات في شكل تنافس على منصب حاكم جبل لبنان، مما أدى إلى اقتسام المنطقة بين شمال وجنوب لكلٍّ حاكمه. ولا يمكن إغفال التدخلات الأجنبية في المسألة الطائفية في منطقة الشام، خصوصًا وأن الدولة العثمانية حينها كانت في مرحلة ضعف سياسي؛ مما أدى بفرنسا وبريطانيا إلى التدخُّل بشكل غير مباشر بذريعة حماية الأقليات الدينية، ففي حين حملت فرنسا لواء الدفاع عن الموارنة المسيحيين، دعمت بريطانيا الدروز ردًّا على الفرنسيين.

Embed from Getty Images

رسم يخلِّد أحداث 1860

هذه التدخلات الأوروبية في الشؤون الطائفية أدَّت إلى فشل الانسجام بين مختلف الطوائف، وهو ما أدى في النهاية إلى تمرُّد الفلاحين في منطقة كسروان، وبقيادة من شخصية تدعو طانيوس شاهين، هاجم الفلاحون الإقطاعيين الموارنة في المنطقة، وأعلنوا جمهورية مستقلة. بدأت شرارة الفوضى بالانتقال بين المناطق إلى أن وصلت إلى الفلاحين الموارنة المؤيَّدين من طرف الكنيسة، الذين انتفضوا بدورهم ضد الإقطاعيين الدروز، ليندلع الصراع بين الطائفتين في مايو (أيار) سنة 1960، ويتطوَّر إلى حرب أهلية دموية في شوارع دمشق، حيث أقدم الدروز والعامة من المسلمين السنة والشيعة على ارتكاب مجازر ضد المسيحيين. ويقدَّر عدد ضحايا هذه الأحداث الدموية ما بين 7 آلاف و 11 ألف ضحيَّة، بالإضافة إلى 100 ألف لاجئ.

ورغم ما قد يبدو بأن الجانب الديني هو المحرِّك لهذا الصراع الطائفي؛ فإن المؤرخين لهم نظرة مختلفة لا تختزله في مجرَّد حرب المسلمين والمسيحيين؛ إذ يؤكدون عوامل أخرى كالصراع بين الإقطاع والفلاحين، والتدخلات الأجنبية التي تختفي خلف ستار حماية الأقليات الدينية، والحكم العثماني الذي كان يقف مكتوف الأيدي في ذلك الحين بلا حيلة.

وتنفي المؤرخة الأمريكية ليندا شيلشر في كتابها «دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر» أن تكون أحداث دمشق 1860 قد قامت على أساس ديني في جوهرها، إذ تؤكِّد أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هي الأكثر قدرة على تفسير تلك الأحداث، وليس بوصفها حربًا طائفية فحسب، فحسبما تذكر، هنالك جماعة بعينها من المسيحيين الذين تعرَّضوا للهجوم بينما تُرك الآخرون، كما قام مسلمون بعينهم بالهجوم، بينما دافع مسلمون آخرون على المسيحيين وتقديم العون لهم.

الأمير عبد القادر يتدخَّل لوقف المجزرة

وسط هذه الأجواء المشحونة؛ تشكَّلت فرق شبه عسكريَّة من الدروز والمسلمين، وبدأ الهجوم على الموارنة الذين كانوا يشكِّلون أقليَّة، وبدأت عمليات القتل والنهب والتخريب وحرق الكنائس؛ هنا تدخَّل الأمير عبد القادر بالتنسيق مع المهاجرين الجزائريين المقيمين في دمشق، وجيرانه من العائلات الدمشقية العريقة، التي كانت تجمعه بهم علاقات طيَّبة؛ إذ فتحوا بيوتهم للمسيحيين للاختباء هناك طيلة أسبوعين؛ وتشير تقديرات إلى أن حوالي 15 ألف مسيحي اختبؤوا في هذه البيوت ونجوا من الموت المحقَّق، ومن بين هؤلاء الذين حماهم الأمير، الرهبان والراهبات والقناصل الأجانب، كما أمَّن الأمير ومساعدوه الطرق والمسالك للمسيحيين الفارين من دمشق إلى بيروت، وساعدهم بالحراسة والحماية، وهو ما أدَّى إلى نجاة مئات المسيحيين اللاجئين من الموت.

بالإضافة إلى ذلك فإن الأمير عبد القادر لم يمنع المجزرة الدموية من التمادي فحسب، بل أوقف أيضًا بذلك القوات الفرنسية من احتلال دمشق حينها؛ إذ كانت تستعد فرنسا لإرسال كتائب عسكرية للتدخُّل بذريعة حماية المسيحيين، ويذكر المؤرخ شارل هنري تشرشل أن الأمير عبد القادر كان من بين القليلين الذين تفطَّنوا لقرب وقوع هذه الأحداث، واكتشفها قبل حدوثها «ولذلك فقد استعدَّ لها بالتعاون مع رجاله من المهاجرين الجزائريين والعائلات الدمشقية التي كانت تسكن في جواره، الذين فتحوا ديارهم لاستقبال المسيحيين وحمايتهم من الغوغاء».

وقد أنقذ الأمير عبد القادر من القتل والتعذيب بشكل مباشر، من الذين لجأوا إلى داره، حوالي 15 ألف من المسيحيين والرهبان والراهبات، كما أنه أمن لعدد من المسيحيين طريقًا آمنًا للذهاب إلى بيروت هربًا من الأحداث، بناء على طلبهم.

يا له من قدر عجيب وفريد من نوعه، عربي من سلالة النبي محمد؛ يحمي ويصون عروش المسيح ويخمد هياج أوروبا المسيحية وغضبها! *المؤرخ تشارل هنري تشرشل

وبسبب هذا الدور الإنساني الفريد للأمير عبد القادر في إيقاف هذا الصراع الدموي؛ تهافتت عليه الإشادات الدولية من مختلف أنحاء العالم، وتحدَّثت الصحافة عن هذا الموقف النبيل، كما وصلته هدايا وأوسمة من عدَّة بلدان، من بينها روسيا التي قدَّمت له الصليب الأكبر للنسر الأبيض، والسلطة العثمانية التي منحته وسام المجيدية من الدرجة الأولى، وفرنسا التي أرسلت له الوشاح الأكبر لجوقة الشرف، وهدايا من حكومات أمريكا وبريطانيا وغيرها.

المصادر

تحميل المزيد