توفي أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد، يوم أمس الثلاثاء 29 سبتمبر (أيلول) 2020 عن عمر يناهز 91 عامًا، وذكرت وكالة الأنباء الكويتية أن الأمير خضع لعملية جراحية ثم نُقل إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج في يوليو (تموز) الماضي، دون الإشارة لسبب الوفاة.

وأعلن تلفزيون الكويت الرسمي أن جثمان الأمير الراحل يصل إلى الكويت من الولايات المتحدة اليوم الأربعاء، وقال إن حضور مراسم الدفن سيقتصر على الأقارب، بسبب الاحتياطات المتبعة بفعل جائحة كورونا.

وقبل أن يعينه مجلس الوزراء الكويتي أميرًا جديدًا للبلاد؛ كانت بعض صلاحيات الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، قد نُقلت بشكل مؤقت إلى ولي العهد أخيه غير الشقيق، الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، والأول لا يزال على أجهزة الإنعاش في مستشفى بولاية مينيسوتا.

صباح الأحمد.. الوسيط الموثوق به في حل الصراعات

يُنظر إلى الأمير الراحل على أنّه مهندس السياسة الخارجية الحديثة لدولة الكويت الغنية بالنفط، إذ قاد السياسة الخارجية للبلاد طوال أربعة عقود، قبل أن يتسلم مقاليد الحكم عام 2006. وقد سعى خلال مسيرته الطويلة في السلطة إلى نسج علاقات وطيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولعب في الوقت نفسه دورًا مهمًّا، باعتباره وسيطًا موثوقًا به في حل النزاعات الإقليمية، بدءًا من الحرب الأهلية اللبنانية في الثمانينيات إلى الأزمة الخليجية.

Embed from Getty Images

في عام 1990، قام صدام حسين بغزو الكويت لمدة ستة أشهر، قبل أن تتدخل القوات الأمريكية وتطرد الجنود العراقيين من البلاد، ومنذ ذلك الحين أضحى الشيخ صباح الراحل مؤيدًا بشدة لوجود قوات أمريكية في الخليج رغم الحساسية المحافظة للمنطقة، وشجع على إنشاء قواعد عسكرية أمريكية هناك، بما في ذلك في الكويت، حيث يتمركز أكثر من 13 ألف جندي أمريكي.

وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ، قرر الأمير أن يُطّبع العلاقات من جديد مع بغداد، على الرغم من تحفظ معظم دول الخليج على الحكومة الجديدة في العراق، وقد ساعدت هذه الخطوة، بما في ذلك زياراته للعراق، في تحقيق المصالحة بين العراق ودول الخليج الأخرى.

وعلى طول مسيرته السياسية، سعى الأمير الراحل إلى الحفاظ على نوع من التوازن في علاقاته مع الجوار الخليجي، وحاول التوسط في حل الأزمة بين قطر وباقي جيرانها من السعوديين والإماراتيين والبحرين، والتي بدأت عام 2014، بسبب اتهامات لقطر بـ«تمويل الإرهاب، والتهجم عليهم عبر قناة الجزيرة الفضائية، والتطبيع مع إيران»، وهي الأزمة التي مزّقت وحدة مجلس التعاون الخليجي، وعلى إثرها قطعت البلدان الخليجية المعنية علاقاتها مع قطر في 2017.

عمل الأمير بجد على محاولة رأب الصدع بين الجيران الخليجيين، وبين قطر ومصر من جهة أخرى، ومع أن جهوده لم تتكلل بنجاح كبير، إلا أنه كما قال في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض مع الرئيس ترامب: «المهم أننا أوقفنا أي عمل عسكري».

بعد السلطان قابوس.. فرد آخر من الحرس القديم في المنطقة يرحل

ولد الشيخ صباح الأحمد في الكويت في 6 يونيو (حزيران) 1929، وكان الابن الرابع للأمير في ذلك الوقت. حكمت عائلته الكويت وتلقى الرجل تعليمه في مدارس كويتية على يد مدرسين خصوصيين، بحسب ما نشر على موقع السفارة الكويتية.

بدأ عمله السياسي، عندما عُيِّن في لجنة حكومية وهو في سن 25، وظل في مناصب حكومية مختلفة حتى وفاته حديثًا، وكان أهم دور له قبل أن يصبح أميرًا هو منصب وزير الخارجية، الذي شغله معظم السنوات من عام 1963 حتى عام 2003، عندما عُيِّن رئيسًا للوزراء، ثم تقلد الحكم في 2006، ليصبح الأمير الخامس عشر، للأسرة الكويتية الحاكمة منذ منتصف القرن الثامن عشر.

وبوفاته حديثًا، يختفي فرد آخر من الحرس القديم في دول الخليج العربية، بعد السلطان قابوس، والذين كان أسلوبهم في الحكم يميل إلى التأني وجمع اللُحمة في منطقة متصدعة، مقارنة مع الجيل الصاعد من القادة الخليجيين الأصغر سنًا، الذين يفضلون تسوية النزاعات عن طريق القوة.

ونجح الشيخ صباح في قيادة الكويت بسلام في خضم كل الاضطرابات التي عصفت بالمنطقة الإقليمية، كما عُرف عنه التبرع بسخاء من ثروة الكويت النفطية للأزمات الإنسانية في جميع أنحاء العالم العربي، وخاصة اللاجئين الفلسطينيين. وكان قد حصل في عام 2015 على لقب «القائد الإنساني» من قبل الأمين العام للأمم المتحدة السابق، بان كي مون.

ومن المتوقع أن يسلك ولي العهد الجديد الشيخ نواف الأحمد الصباح، البالغ من العمر 82 عامًا الطريق نفسه الذي سلكه أخوه الراحل، وأن تستمر الكويت في لعب دور الوسيط في جوارها غير المستقر.

«جنّب الكويت الانغماس في الصراعات»

تحت حكم الشيخ صباح الأحمد، ظلت الكويت متحفظةً، لكن قدرتها المالية جعلتها لاعبًا أساسيًا على الساحة الشرق أوسطية، ولطالما ترأس الأمير الراحل الدبلوماسية الكويتية، وهو المنصب الذي سمح له بالتعرف على مختلف زعماء العالم.

وقدَّمت مختلف البلدان العربية، من دول الخليج والشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا، تعزيتها للكويت مباشرة بعد وفاة أميرها الشيخ صباح، والعديد منها أعلن الحداد لثلاثة أيام، إلا أن الكثير من المسؤولين السياسيين لن يحضروا جنازته بسبب وباء كورونا.

وقال العاهل الأردني الملك عبد الله على «تويتر»: «فقدنا اليوم أخًا كبيرًا وقياديًّا حكيمًا ومحبًّا.. لم يدخر جهدًا من أجل الوحدة العربية»، فيما غرد المبعوث السابق للبيت الأبيض للشرق الأوسط، بريت ماكغورك، بأن «الأمير كان صانع سلام وكذلك صديقًا جيدًا للولايات المتحدة، وسعى دائمًا إلى الجمع بين الناس».

عربي

منذ سنة واحدة
كان العالم العربي سيتغير جذريًّا.. 5 أشياء كانت لتحدث لو لم تغز العراق الكويت!

كذلك عبرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أسفه لوفاة الشيخ وقال، إنه: «كان صديقًا وشريكًا لا يتزعزع للولايات المتحدة»، مضيفًا بأن وساطته التي لا تعرف الكلل في النزاعات في الشرق الأوسط ساعدت في سد الانقسامات في ظل أصعب الظروف. وبدوره أشار السفير الفرنسي السابق لدى الكويت، تشارلز هنري دراجون، إلى أنه عرف الرجل منذ عام 1992 عندما كان وزيرًا للخارجية، ووصفه بأنه «ذو خبرة كبيرة في الشؤون الدولية، ورجل حكيم يُستمع إليه ويحترمه».

وسعى الأمير طوال فترة حياته على إبعاد الكويت عن صخب الصراعات والعمل بهدوء، وفي هذا الصدد يقول كريستيان كوتس، زميل الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسة العامة: «أظهر الأمير صباح الأحمد أنه كان قادرًا على اتخاذ موقف وسط، وتجنب الانغماس في الصراعات الإقليمية من خلال الانحياز إلى أي طرف».

وتمتلك الكويت، سادس أكبر احتياطي نفطي معروف في العالم، ما يمنحها ثروة هائلة منحتها درجة من الاستقلال عن جيرانها الأقوياء، وتتميز بخصائص عديدة مقارنة بجيرانها الخليجيين. فعلى سبيل المثال لديها برلمان حقيقي، مما يتيح للكويتيين المشاركة في حكومتهم إلى حد أكبر من جيرانهم الخليجيين، الذين تحكمهم ممالك مطلقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد