سعت دولة الإمارات لتعظيم مصالحها المالية والتجارية، ولاختراق الكيانات التجارية المُمثلة للحكومة المصرية، من خلال سلسلة استحواذات على كيانات حساسة، ومشاريع هامة.

أحد هذه الكيانات هو القطاع الطبي، الذي نجحت من خلاله شركة «أبراج كابيتال» الإمارتية، في تحقيق أكثر من صفقة استحواذ، جعلتها أكبر من مُجرد مُستثمر أجنبي، وأقرب لهيئة المُحكتر.

«أبراج الإماراتية».. باب الإمارات الخلفي لتأميم القطاع الصحي المصري

على مدار العامين الأخيرين، نجحت شركة أبراج كابيتال الاقتصادية الإماراتية العملاقة، والمتخصصة في إدارة الملكيات الخاصة، في إتمام أكثر من صفقة استحواذ لها على أكبر كيانات طبية داخل مصر، نقلتها من مُجرد مُستثمر إلى مُحتكر لهذا القطاع الطبي الذي يخدم الملايين من المواطنين.

شملت صفقات الاستحواذ للشركة الإمارتية، شراء 12 مستشفى خاص، أبرزها مستشفى «القاهرة التخصصي»، و«بدراوي»، و«القاهرة»، و«كليوباترا»، و«النيل»، بجانب معامل التحاليل الأشهر: «المختبر» و«البرج»، وتأسيس شركة جديدة تضم المعملين، وبلوغها المراحل الأخيرة في التفاوض لشراء شركة آمون للأدوية.

تُظهر المعلومات المُتاحة عن الشركة الإمارتية التي تأسست في 1999، أن قيمة الأصول التي تديرها الشركة تصل لنحو 7 .5 مليار دولار، عبر أكثر من 20 صندوقًا استثماريًّا موزعًا على أكثر من 30 دولةً، فيما يبلغ عدد الموظفين بالشركة 12931 موظفًا، ويترأس مجلس إدارتها الشيخ عبد الرحمن علي التركي، وهو رجل أعمال سعودي، يترأس مجلس إدارة شركة أتكو أيضًا.

«كيف بدأت فكرة تأميم القطاع الصحي؟»، يجيب عن ذلك أحمد يونس، مسؤول ملف الصحة بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في تصريحات خاصة «لساسة بوست»: «فكرة الاستحواذ بدأت منذ فترة بعيدة على مستوى العيادات الطبية، لصالح القطاع الخاص في مصر، كهدف استثماري لتعظيم أرباحهم، خصوصًا مع تضخم القطاع العام الطبي، وفشل الدولة في تنظيم هذا الهيكل، وتوحيد الكيانات المختلفة داخله، كالمستشفيات التعليمية، والعيادات الطبية، والمستشفيات الجامعية».

يضيف «يونس»: «بدأت دولة الإمارات عملية الاستحواذات على القطاعات الصحية داخل مصر منذ عام 2008، بالسيطرة على بعض المعامل الطبية الكبرى، قبل أن تتوسع خطتها الاستثمارية باستحواذات أكبر على مستشفيات كُبرى، وشركات أدوية مصرية خلال العامين الأخيرين، بشكل مُريب».

استحواذ شركة أبراج كابيتال الإمارتية على القطاع الصحي داخل مصر، أخذ وسيلتين بواسطة الشركة نفسها، التي قامت بعملية استحواذ على بعض المعامل الطبية كمعملي البرج والمُختبر، أو من خلال شركة أسستها بالشراكة مع البنك الأوربي و«بروباركو»، التابعة للوكالة الفرنسية للتنمية، والتي قامت بدورها بشراء مستشفيات القاهرة وكليوباترا ومستشفى النيل، بجانب اتجاههم لشراء شركة آمون للأدوية، حسب يونس.

يُظهر الموقع الإلكتروني لـمجموعة شمال أفريقيا القابضة للمستشفيات، أن شركة أبراج هي المستثمر الرئيسي فيها، بحصة تبلغ 145 مليون دولار أمريكي، بينما يبلغ حصص كُل من الوكالة الألمانية للاستثمار والتنمية، ‏وبروباركو التابعة للوكالة الفرنسية للتنمية، مبلغ 15 مليون دولار أمريكي.

تزامنت هذه السياسات الاحتكارية للمجموعة الإمارتية، بطلب إحاطة للنائب البرلماني أيمن أبي العلا، عضو حزب المصريين الأحرار، حذر فيه مما أسماه «محاولات الشركة متعددة الجنسيات، التي لا تفصح عن مموليها والمساهمين فيها، للتحكم في أسعار تقديم الخدمات الصحية، مما سوف يؤدي إلى فشل نظام التأمين الصحي الشامل، من جهة غير معلوم المساهمين فيها».

ما وراء الاحتكار.. الإمارات تحصد مكاسب الدعم المالي لمصر باستحواذات على كيانات حساسة

احتلت دولة الإمارات المرتبة الأولى، ضمن قائمة الدول الداعمة لمصر ماليًّا، في أعقاب عزل الرئيس المصري الأسبق، محمد مرسي، بـ14 مليار دولار، منذ يوليو (تموز) 2013، وحتى مارس (آذار) 2015، بجانب منحة قيمتها مليار دولار، ووديعة بقيمة ملياري دولار، وتمويل مبادرات ومشاريع متنوعة، بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

سكون غبار المواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين، وتراجع فاعلية أدوارها داخل مصر وخارجها، لفشل خارجي وانقسام داخلي، جعل الإمارات تتجه نحو تحقيق مكاسب من وراء هذا الدعم، عبر تحقيق سيطرة كاملة للأذرع الإعلامية أو المالية على مصر.

يتجلي هذا الأمر في سماح الحكومة المصرية لشركة أبراج، بالسياسة الاحتكارية للقطاع الصحي خلال العامين الأخيرين، إلى جانب دخول الإمارات شريكًا في أغلب المشاريع الاستثمارية الكُبري داخل مصر، وتعظيم لمصالح الإمارات المالية والتجارية، وتحقيق اختراق للدولة، من خلال سلسلة استحواذات على كيانات حساسة، ومشاريع هامة.

تُظهر الإحصائيات الصادرة من البنك المركزي المصري، احتلال دولة الإمارات العربية المتحدة المركز الأول، من حيث الاستثمارات العربية المباشرة الموجودة بمصر، بقيمة 401.2 مليون دولار.

يقول علاء غنام، خبير السياسة الصحية، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»، أن الهدف المُعلن من وراء هذه الاستحواذات على القطاعات الصحية الكُبرى داخل مصر، هو الاستثمار المالي والمضاربة على البورصة، كأغلب أنشطة الشركة المالية، التي تتوزع على عشرات الدول حول العالم، مؤكدًا أن الشركة تتجه للقطاع الخاص، لعدم رغبتها في الاستثمار في مشاريع خاسرة تتبع القطاع الحكومي.

يضيف غنام، أن الشركة تهدف في المقام الأول للربح المالي، مُستدلًا على ذللك بطبيعة القطاعات الصحية، المُستحوذ عليها من جانبها، وعدم اتجاهها لبناء مستشفيات بأماكن نائية، تنقصها الخدمات الطبية.

انعكاسات الاحتكار الإماراتي على المواطن المصري: ارتفاع أسعار الخدمات الطبية.. وشريحة محدودة قاصرة على العلاج

وبشأن انعكاسات سياسة احتكار الشركة الإمارتية، أغلب الكيانات المُمثلة للقطاع الصحي في مصر، على الخدمة الطبية للمواطن، يقول الدكتورأحمد يونس، مسؤول ملف الصحة بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: «الحكومة المصرية ستكون مُضطرة للتفاوض مع شركة وحيدة، وليس أكثر من شركة، لتحديد أسعار الخدمات الطبية، وهو ما يجعل الشركة المُتحكم الوحيد في الأسعار».

يضيف يونس: «أسهمت كذلك سياسة الشركة الاحتكارية، في القضاء على مسألة تطوير القطاع العام، الذي كان مؤهلًا لهذا الدور الذي تلعبه الشركة الإمارتية، جنبًا إلى تركيز هذه المستشفيات التابعة للشركة، على علاج أمراض بعينها، التي ترتفع فيها تكلفة العلاج، لأن الهدف الأساسي الذي تسعى إليه، هو رفع أرباحها المالية».

يتوقع يونس أن تمتد هذه السياسة الاحتكارية للشركة الإمارتية إلى القطاع الطبي العام، مدللًا على ذلك بأن قانون التأمين الصحي، الذي تعكف لجنة على إعداده، يُتيح ضمن أحد بنوده، سياسة الخصخصة للمستشفيات التي تتبع هيئة التأمين الصحي.

يُظهر التقرير السنوي الصادر من منظمة الصحة العالمية، أن الجزء الأكبر من الإنفاق الكلي على الصحة، يخرج من جيوب المواطنين مباشرة، بنسبة تفوق 70٪ من إجمالي الإنفاق، بينما بلغ حجم العجز المالي في مُخصصات وزارة الصحة، لموازنة العام المالي الجديد، 30 مليار جنيه عن المبلغ الذي تُلزم به مواد الدستور المصري.

من جانبه، يصف غنام تداعيات هذه السيطرة «بالسلبية»، إذ سيؤدي ذلك إلى التركيز في خدماتهم الطبية مع شريحة محدودة من المواطنين، وارتفاع أسعار الخدمات الطبية، مطالبًا وزارة الصحة المصرية، بتفعيل دورها الرقابي على نشاط الشركة في كل القطاع الصحي، ووضع قواعد للبيع والشراء في مجال الصحة تمنع الاحتكار، من خلال قرارات وزارية وقوانين خاصة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد