قال ذات مرة الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، في كتابه «المتمرد»، إن «أهمية الديمقراطية تكمن فيما تمنعه أكثر مما تسمح به»، ولعل هذه الفكرة تتعرض لاختبار شديد الصعوبة في فرنسا، إذ يخوض المرشحون الرئاسيون سباقًا انتخابيًّا حامي الوطيس، لا يمكن التنبؤ بنتائجه النهائية أمام التقلبات المفاجئة في مزاج الرأي العام الفرنسي، التي كان آخرها بزوغ نجم ماري لوبان، زعيمة اليمين المتطرف.

ماكرون النجم الجديد الصاعد

لا تقل أجواء الانتخابات الفرنسية إثارة عن انتخابات رئاسة أمريكا، التي انتهت على نحو مفاجئ بفوز دونالد ترامب، إذ شهدت الساحة الانتخابية الفرنسية العديد من المفاجآت المثيرة، منذ إعلان انطلاق السباق الرئاسي الفرنسي أمام المواطنين الفرنسيين الذين سينتخبون ممثلهم الرئاسي، في يوم 23 أبريل (نيسان) 2017 بالنسبة للجولة الأولى، التي ستفرز مرشحين اثنين يتباريان في الجولة الثانية في السابع من مايو (أيار) من نفس العام، ليفوز أحدهما بورقة دخول قصر الإليزيه.

في البداية، كانت المفاجأة بفوز المرشح المحافظ فرانسوا فيون، خلال الانتخابات التمهيدية لأحزاب اليمين، التي شهدتها فرنسا يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، إذ حصد بشكل مفاجئ 43.6% من الأصوات، متفوقًا بفارق كبير على خصميه اليمينيين ألان جوبيه الحاصل على 26.7% من الأصوات، ونيكولا ساركوزي، الخاسر بحصوله فقط على 22.9% من الأصوات، وضمن فيون ترشيحه ممثلًا وحيدًا لليمين في السباق الرئاسي، بعد أن تغلب مرة أخرى على منافسه ألان جوبيه في الدورة الثانية من الانتخابات اليمينية، بـ69.5%.

وكانت استطلاعات الرأي حينها قد تنبأت بفوز ألان جوبيه، الذي يوصف بالليبرالي المعتدل، بترشيح أنصار اليمين، إلا أن صعود فرانسوا فيون المفاجئ آنذاك أربك حسابات الإعلام والمراقبين للمشهد السياسي الفرنسي، وضمنوا بتوقعاتهم فوز فيون مسبقًا بكرسي الإليزيه، بالنظر إلى ضعف منافسيه من اليسار المتدهور.

في هذه الأثناء، كان الليبرالي إيمانويل ماكرون مرشحًا بالكاد يسمع عنه خارج فرنسا، ولم تكن له حظوظ تذكر في استطلاعات الرأي للظفر برئاسة فرنسا، نظرًا لكونه مرشحًا مستقلًا بدون قاعدة حزبية، ورجل تكنوقراط بالأساس لم يُنتخب سابقًا، فيما كانت كافة التوقعات تشير إلى أن المنافسة ستكون محصورة بين رئيسة «الجبهة الوطنية» ماري لوبان، ومرشح اليمين الوسط، فرانسوا فيون.

لكن يبدو أنه لا شيء محسوم في المجتمعات الديمقراطية، المتسمة بالمرونة، والتغير، ودينامية الرأي العام، فلا مجال للخرائط السياسية المفصلة على المقاس سلفًا، فبعد أن انكشفت فضيحة زوجة «فيون» بحصولها على 500 ألف يورو نظير وظائف وهمية، تسارعت أسهم مرشح يمين الوسط، فرانسوا فيون، بالسقوط، وفقد شعبيته السابقة أمام الرأي العام الفرنسي، تبعًا لم أكده استطلاع أجراه معهد «إيفوب» لحساب صحيفة «جورنال دو ديمانش»، الذي بين أن نحو ثلثي الناخبين الفرنسيين، بنحو 65% من المستطلَعين، يرغبون في انسحاب فرانسوا فيون من السباق الرئاسي بعد الفضيحة.

وفي الوقت الذي تراجعت فيه شعبية فيون، إثر مزاعم الفساد المالي الذي اتهمت به زوجته بينيلوب فيون، ارتفعت أسهم إيمانويل ماكرون بشكل صاروخي في الفوز برئاسة فرنسا، إذ كشف آخر استطلاع رأي، أجرته مؤسسة أودوكسا لصالح شركة دنتسو- كونسالتينج، أن المرشح المستقل سيهزم زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة في مايو (أيار) القادم، بنسبة 61% لصالح ماكرون مقابل 39% للوبان.

من هو إيمانويل ماكرون؟

يثير صعود نجم المرشح الرئاسي الفرنسي، إيمانويل ماكرون، فضول الكثير من المتتبعين لمعرفة خلفية هذا المرشح الجديد في الساحة الفرنسية، الذي يوصف بأنه يمثل نموذجًا جديدًا لرجل السياسة، إذ لا يصنف نفسه في أي اتجاه، ولا يكثر من الكلام أمام كاميرات الإعلام، ويعتمد على تجربته العملية كرجل تكنوقراط في ممارسته السياسة، بدل تمثيله التوجهات السياسية كباقي السياسيين، ويزداد هذا الفضول في معرفة هذا المرشح الرئاسي بالمنطقة العربية حيث لا يسمع عنه كثيرًا.

وليس غريبًا على إيمانويل ماكرون تحرره من قيود الشخصية السياسية التقليدية، إذ منذ فترة مبكرة من حياته اختار لنفسه قرارات غير تقليدية، عندما تزوج مدرسته الفرنسية التي تكبره بعشرين عامًا، بعد أن أغرم بها وهو في سن السادسة عشر، وما تزال رفيقته في العمر إلى اليوم، المرأة التي كانت وراء تألق ماكرون في حياته المهنية والسياسية.

يملك إيمانويل ماكرون، البالغ من العمر 39 سنة، سجلًا حافلًا بالتكوينات الأكاديمية، بدأه بمعهد «هنري 4»، ثم التحق بمدرسة العلوم السياسية بباريس ذائعة الصيت سنة 2001، وأتبعها بتكوين في المدرسة العليا للإدارة بمدينة ستراسبورغ (2002-2004)، بالإضافة إلى مروره بمؤسسات تربوية عريقة أخرى.

وبالموازاة مع ذلك، تقلد ماكرون عدة وظائف عليا، فعمل مفتشًا عامًا للمالية لمدة ثلاث سنوات، ثم انتقل بعد ذلك ليعمل في لجنة مهمتها إيجاد سياسة مالية تدعم الاقتصاد الفرنسي تحت رئاسة جاك أتالي، مستشار الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران، ليغادر وظائف إدارات الدولة سنة 2008، ويلتحق بمصرف «روتشيلد»، حيث سيكتشف خبايا المال والعمال، ويراكم خبرة في تسيير البنوك، وبعدها عاد في 2012 للعمل مع الرئيس هولاند مستشارًا اقتصاديًّا، ليعينه الأخير وزيرًا للاقتصاد سنة 2014.

لكن مع بداية 2016، قدم إيمانويل ماكرون استقالته من العمل في الحكومة، وأسس حركة «إلى الأمام»، التي استقطبت الآلاف من الشباب الفرنسي، ثم أعلن بعد ذلك ماكرون ترشحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية، مرشحًا مستقلًا، بعد أن رفض الترشح تحت مظلة الحزب الاشتراكي.

ويحظى ماكرون بسمعة محبوبة وسط الفرنسيين، بالنظر إلى أفكاره الحداثية الجديدة، وسجله النظيف، إضافة لخبرته العملية، مما جعله المرشح الأوفر حظًّا في دخول قصر الإليزيه، ولا سيما بعد تراجع شعبية فيون، ليصبح المنافس الأوحد، المعول عليه من قبل اليسار واليمين والمستقلين، لهزيمة ماري لوبان في انتخابات رئاسة فرنسا.

الهجرة بين ماكرون وفيون ولوبان

إذا لم تحدث مفاجآت أخرى في الساحة الانتخابية الفرنسية حتى أبريل (نيسان) القادم، فإن المنافسة حول كرسي الإليزيه ستكون حصرًا بين المرشح المستقل إيمانويل ماكرون، ومرشح اليمين المحافظ فرانسوا فيون، وزعيمة اليمين المتطرف ماري لوبان، كما تظهر حاليًا بوصلة الرأي العام الفرنسي.

على الرغم من أن إيمانويل ماكرون لا يصنف نفسه ضمن أي إطار سياسي، إلا أن أفكاره تجسد أقصى التيار الليبرالي،  خاصة فيما يتعلق بالهجرة، إذ يظهر واضحًا في هذا الموضوع تميزه عن منافسيه: فرانسوا فيون، وماري لوبان، وهي القضية التي باتت تؤرق أوروبا بعد «الهجمات الإرهابية» المتوالية، وتفاقم مشاكل المهاجرين، خلال السنوات الأخيرة.

يقول ماكرون في خطاباته أمام تجمعاته المناصرة، إن لديه مشروعًا متناغمًا يقوم على رؤية شمولية، ردًّا على منافسيه اللذين انتقدا افتقاره إلى اقتراحات محددة، ويعد بأن «لا يكون هناك منبوذون ومنسيون في فرنسا»، واعتبر أن «العالم اليوم أمام مرحلة تتسم بالهجرات الجماعية، وعلينا الاستعداد للمزيد من تلك الهجرات»، في إشارة إلى موجة الهجرات التي اجتاحت أوروبا خلال الخمس سنوات الأخيرة.

ويدعو ماكرون في هذا الإطار إلى فتح أبواب الهجرة أمام بلدان العالم الثالث، التي تشهد حروبًا وكوارث طبيعية، كما يشيد في خطاباته الانتخابية بسياسة اللجوء التي تنتهجها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، معتبرًا أن هذه السياسة التي نهجتها ألمانيا أنقذت «كرامة أوروبا»، ومنتقدًا السياسة الأوروبية الحالية بشأن اللاجئين، التي يصفها بأنها «فاشلة على نحو شامل».

وعرف ماكرون بتصريحاته المثيرة للجدل، إزاء سياسة الأحضان المفتوحة أمام المهاجرين التي يسعى إلى تطبيقها في حالة فوزه بالرئاسة، وكان قد دعا العلماء الأمريكيين الخائفين، أو المختلفين مع إدارة الرئيس الجديد دونالد ترامب للانتقال إلى فرنسا، قائلًا: «أريد من جميع من يجسدون الإبداع والتميز في أمريكا سماع ما أقوله، من الآن فصاعدًا سيكون لديكم وطن جديد في فرنسا»، كما سبق للرجل أن صرح خلال زيارته للجزائر بأن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي، وجريمة ضد الإنسانية، تستدعي تقديم الاعتذار.

بينما مرشح اليمين الوسط، فرانسوا فيون، يتبنى منظورًا أقل انفتاحًا نحو الهجرة، إذ يشترط أنه على كل أجنبي سعى للحصول على الجنسية الفرنسية إخضاعه لاختبار يقيس مدى إلمامه بالثقافة والقوانين الفرنسية، كما يرغب في تقليص المساعدات الاجتماعية الموجهة للأجانب، ويرغب في وقف العمل بمنح الجنسية الفرنسية التلقائي للمولود على التراب الفرنسي، ويريد أيضًا تحديد عدد المهاجرين الممكن استقبالهم.

أما مرشحة اليمين المتطرف، ماري لوبان، فتؤسس برنامجها الانتخابي على طرحها المتشدد في قضية الهجرة، الطرح الذي تلخصه لوبان في حديث لها مع صحيفة «لوموند» بالقول: «إن المهاجرين المقيمين بصفة غير قانونية عليهم العودة إلى بلدانهم، وعلى الذين سيبقون على التراب الفرنسي من المهاجرين المقيمين بصفة قانونية، الاستجابة لشروط معينة حتى لا يشكلون أي عبء على مالية الدولة».

وعليه فإن الجبهة الوطنية تنوي تطبيق قوانين تصعب على المهاجرين الجدد الحصول على الجنسية الفرنسية والعمل بفرنسا، وقطع المساعدات الاجتماعية، والتطبيب المجاني، والتعليم المجاني عن المهاجرين المقيمين في فرنسا، فيما ينتظر المهاجرون المقيمون بصفة غير قانونية مصير الطرد، في حالة فوز زعيمة اليمين المتطرف، ماري لوبان.

ولذلك يعد إيمانويل ماكرون، الذي يتبنى طرحًا منفتحًا تجاه المهاجرين، العدو اللدود لليمينيين في فرنسا، الذين يصفونه بـ«العميل»، ويعتبر المنافس الوحيد حتى الآن، الذي يقف عقبة أمام مرشحة اليمين المتطرف، ماري لوبان، في الوصول إلى سدة الرئاسة الفرنسية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد