«نوبات غضب وعصبية مُتكررة يصعب السيطرة عليها وتُسبب لي الإحراج في الأماكن العامة»، هذه الشكوى من الشكاوي التي تتردد بكثرة على ألسنة الأمهات والآباء، البعض يتساءل هل هذا الأمر طبيعي؟ الإجابة هي: نعم، هذا الأمر طبيعي إذا كان طفلك يبلغ عمره نحو العامين أو الثلاثة أعوام، أما إذا كان الطفل في عُمر المدرسة وما زلت تشكو من الشكوى السابقة نفسها فقد يُشير هذا إلى أن طفلك يواجه صعوبة في التنظيم الذاتي العاطفي، تابع قراءة السطور التالية للتعرُّف أكثر إلى صعوبات التنظيم الذاتي العاطفي لدى الأطفال وكيفية التعامل معها.

ما التنظيم الذاتي العاطفي لدى الأطفال؟

دعنا نعرف في البدء ما هو التنظيم الذاتي العاطفي لدى الأطفال. يُقصد بهذا المصطلح قدرة الطفل على إدارة مشاعره وعواطفه والتحكم في سلوكياته وفقًا لما يُمليه عليه الموقف الذي هو فيه، فيشمل التنظيم الذاتي العاطفي القدرة على مقاومة ردود الفعل العاطفية الحادة والشديدة تجاه المنبهات المزعجة والأحداث المُثيرة للاكتئاب والضيق.

التنظيم الذاتي يساعد الطفل أيضًا على التكيف مع تغيُّر التوقعات، فإذا أخبرت طفلك مثلًا أنك ستذهب به إلى الحديقة أو السينما، ولم تتمكن من تحقيق هذا، فتعامل الطفل مع هذا الإحباط دون انفجار هو من قبيل التنظيم الذاتي العاطفي.

التنظيم الذاتي هو الفرق بين طفل يبلغ من العمر عامين وخمسة أعوام، ففي هذا العمر الأكبر سنًّا يكون أكثر قدرة على التحكم في عواطفه. التنظيم العاطفي ليس مهارة نولد بها، ومساعدة أطفالنا على تعلُّمه من أهم واجبات الآباء.

عدم التنظيم العاطفي لدى الأطفال

هل رأيت طفلك ذي الخمسة أعوام يُبعد أطباق الطعام من أمامه فقط لأنه يريد كوبًا من الماء وأنت تريده أن يأكل أولًا؟ إذا كان طفلك يُعاني من صعوبة التنظيم الذاتي العاطفي فمن المؤكد أن هذا المشهد سيتكرر.

Embed from Getty Images
مشكلات التنظيم الذاتي تختلف من طفل للآخر، بعض الأطفال رد فعلهم فوري بلا مُقدِّمات أو تصعيد، فاللحظة الأولى من رد فعله هي أقصى نقطة من الغضب والعصبية، ولا يستطيع الطفل في هذه الحالة منع هذه الاستجابة السلوكية الفورية، ولأطفال آخرين يتراكم الضيق ولا يمكنهم تحمله لفترة طويلة ويخرج في اندفاع سلوكي. وفي كلا الحالتين يكون سلوك الطفل اندفاعيًّا بشدَّة وبحاجة لمعالجته.

لماذا يُعاني بعض الأطفال من صعوبة التنظيم الذاتي؟

يرى الباحثون والخبراء النفسيون أن مشكلات التحكم في المشاعر هي مزيج من الطبيعة المزاجية لدى الطفل والسلوك المكتسب. ومن الأسباب التي قد تؤدي إلى حدوث صعوبة في التنظيم الذاتي العاطفي:

  • طبيعة الشخصية: قدرة طفلك على القيام بالتنظيم العاطفي الذاتي تعتمد على تكوينه الفطري وطبيعة مزاجه وشخصيته.
  • البيئة: للبيئة المحيطة بالطفل دور كبير في تعليمه التنظيم العاطفي، فعندما يجد الأطفال أن آباءهم أنفسهم لا يملكون القدرة على التنظيم العاطفي يميلون ليصبحوا مثلهم، وكذلك عندما يجد الأطفال أن الآباء يستسلمون لنوبات غضبهم فإن الأطفال يواجهون في هذه الحالة صعوبات أكثر في تطوير انضباطهم الذاتي.
  • اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه: قد يجد الأطفال المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه صعوبة خاصة في إدارة عواطفهم، سبب صعوبة التنظيم الذاتي هنا يأتي من الجهاز العصبي؛ إذ يواجه صعوبة في تنظيم نفسه، ولذا يحتاج الأطفال الذين يُعانون من هذا الاضطراب إلى المساعدة لتطوير هذه المهارة عندهم.

تأثيرات صعوبة التنظيم الذاتي في الطفل

تؤثر قدرة الطفل على تنظيم عواطفه في علاقاته بأسرته وأقرانه، وأدائه الدراسي، وصحته العقلية على المدى الطويل، وقدرته على التطور والنمو.

العلاقات مع الأسرة والأصدقاء:

الطفل الذي لا يستطيع تنظيم نفسه عاطفيًّا وتصيبه نوبات غضب قد يضغطُ على علاقة الوالدين بما يؤثر في مزاج الأسرة بأكملها. وقد يواجه الطفل صعوبة في تكوين الصداقات واستمرارها، فعجزه عن تنظيم المشاعر يعزِّز صفات الغضب أو العدوانية أو الانسحاب أو القلق، وهي سمات يصعب التعامل معها على الصعيد الاجتماعي.

الأداء الدراسي:

التنظيم العاطفي الجيد لدى الأطفال مؤشرٌ على الأداء الدراسي الناجح، فالإدارة الفعَّالة للعاطفة تسمح للطالب بالتركيز على مهامه أثناء التعلم والاختبارات، ويساعد التنظيم الأطفال على حل المشكلات بشكل أفضل، ويكون أداؤهم أفضل في المهام التي تتضمن تأخير الإشباع والتثبيط، فمثلًا إذا كان طفلك جالسًا في الفصل الدراسي ويشعر أنه يحتاج ويرغب في أن يلعب ويتحرك، فسيستطيع أن يؤخِّر تلبية رغبته هذه لبعض الوقت، وهي أمور قد تتطلبها العملية التعليمية.

الصحة العقلية:

يمكن للأطفال الذين تعلموا تنظيم عواطفهم أيضًا التعامل بشكل أفضل مع الصدمات والظروف الصعبة؛ إذ لديهم قدرة أكبر على تحمل هذه الظروف والصمود خلالها، وترتبط العديد من الاضطرابات العقلية عند الأطفال ارتباطًا وثيقًا بصعوبة التنظيم العاطفي، ويرتبطُ هذا باضطرابات أخرى مثل القلق واضطراب الأكل والاكتئاب.

كيف يُمكنك أن تُساعد طفلك على تطوير التنظيم الذاتي العاطفي؟

1- تقديم نموذج فعَّال للتعامل مع المشاعر:

يُلاحظ الأطفال كل حركات والديهم، ويستوعبون سلوكياتهم ثم يقلدونها، وقدرة الوالدين على تنظيم عواطفهم هي أول نموذج يراه الأطفال ويتعلمون منه. فمثلًا يتعلم الأطفال رد الفعل الصحيح في المواقف المختلفة من مشاهدة آبائهم وكيف يتحكمون بمشاعرهم.

Embed from Getty Images

ويُظهر بحث صدر عام 2012 أن الأطفال الذين يُعاني أهلهم من صعوبة التنظيم العاطفي يكونون أكثر عرضة للإصابة بخلل في التنظيم، فإذا كان أحد الوالدين انفعاليًّا أو عدائيًّا يتعلم الطفل أن هذا هو رد الفعل الطبيعي الصحيح، أما إذا كان الوالد يُقدِّم نموذجًا هادئًا ويفكر تفكيرًا نقديًّا لحل المشكلات سيتعلم الطفل الهدوء والبحث عن الحلول.

ويتعلم الأطفال أيضًا من خلال ما يسمى بـ«العدوى العاطفية»، فالأطفال يشعرون دون وعي بمشاعر والديهم ويستجيبون بمشاعر مماثلة، فمثلًا عندما يرفع الآباء أصواتهم أو تعلو وجوههم ملامح غاضبة، يغضب الأطفال أيضًا ويكررون أفعال والديهم نفسها.

2- اقبل طفلك وكن حنونًا ودافئًا:

التعامل المُحب والدافئ مع الأطفال يساعدهم على تطوير تنظيم ذاتي عاطفي جيد. عندما يتفاعل الآباء بشكل مُحب وهادئ مع أطفالهم تصبح العلاقة مُريحة ومطمئنةً لهم، وتُظهر الأبحاث أن الأطفال الذين يستجيب آباؤهم لبكائهم بهذا الشكل يتوقفون عن البكاء عند رؤية والدهم أو سماع صوته.

أما إذا كان الآباء يُظهرون رفضهم لانفعال الطفل أو لا يوافقون على تعبيره عن مشاعره، خاصة السلبية منها، فيميل الأطفال في هذه الحالة إلى تطوير أساليب تنظيم عاطفي مدمرة. الاستجابة السلبية أو معاقبة الأطفال على عواطفهم قد تسبب المزيد من التوتر مما ينشِّط النظام العصبي ويجعل تهدئة الأطفال أصعب.

3- خلق جو عاطفي إيجابي في الأسرة:

طبيعة الجو العاطفي العام للأسرة من الأشياء التي تحدد مدى قدرة الطفل على التنظيم الذاتي، ومن العوامل التي تؤثر في الجو العاطفي للأسرة علاقة الوالدين بعضهما ببعض، وشخصياتهما وأسلوب تربيتهما وتعاملهما مع الطفل، وعلاقات الأشقاء وموقف الأسرة من التعبير عن المشاعر، وبالطبع عندما يكون الجو إيجابيًّا، يشعر الأطفال بالقبول والأمان.

4- اعتناء الأطفال بأنفسهم:

من المهم للأطفال الأكبر سنًّا أن يهتموا برعاية أنفسهم بشكل مستمر لزيادة طاقتهم لتنظيم مشاعرهم، بالقيام بمجموعة من الأنشطة مثل: الانتظام في ممارسة الرياضة، والحصول على قسط كافٍ وجيد من النوم، واتباع نظام غذائي صحي ومتوازن وغني بالمُغذيات المختلفة.

5- خطط مع طفلك لمواجهة المواقف الصعبة:

اصنع مع طفلك نماذج تخيلية للمواقف الصعبة التي قد تواجهه، وفكِّرا معًا كيف يمكنه أن يتصرف في هذه المواقف، ومن المهم أن يشعر الطفل بأن مشاعره مسموعة ومقبولة، ومن هذا المنطلق يمكن أن يختلف سلوك الطفل في هذه المواقف للأفضل.

مجتمع

منذ 5 سنوات
16 خطوة لتتمالك أعصابك عند الغضب المفاجئ

6- امدح طفلك:

عندما يضبط الطفل عواطفه ويتعامل بشكل جيد مع مواقف صعبة من المهم الإشادة بذلك، فعلى سبيل المثال يُمكن أن تقول له: «لقد كنت رائعًا في انتظار دورك»، أو «أعجبتني الطريقة التي تعاملت بها مع الأمر»، ومن المهم موازنة توقعاتك لسلوك طفلك مع عمره ومرحلة نموه.

7- فكر في طلب المساعدة المهنية المتخصصة:

قد تحتاج إلى مساعدة متخصصة إذا كان طفلك يُعاني من واحدة من الحالات التالية:

  • يُعاني من نوبات غضب أو سلوك أكثر صعوبة من الأطفال الآخرين في العمر نفسه.
  • يتصرف بطريقة صعبة أو خارجة عن السيطرة في كثير من الأحيان مع تقدُّمه في السن.
  • يتصرف بطريقة قد تُشكل خطورة على نفسه أو على الآخرين.
  • لديه ضعف في مهارات الاتصال والمهارات الاجتماعية المتوقعة من عمره.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد