أقدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على فعل شيء أثار سخطًا كبيرًا، ففي الثاني عشر من يناير، التقطت صور لأردوغان أسفل السلالم الضخمة في قصره الجديد العملاق مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وخلفهما وقف 16 رجلاً يرتدون زيًا عسكريًا بالتاريخ التركي الذي سبق الحقبة العثمانية وبمقاتلي الخلافة العثمانية. لم يكن واضحًا من الصور الملتقطة ما إذا كان الرئيس عباس قد بدا عليه عدم الارتياح بشدة لأنه كان يلتقي بأحد الداعمين الرئيسيين لخصومه في حماس، أم بسبب زي حرس الشرف الغريب الذي كان يحيط به مما أشعره وكأنه يقف إلى جانب أحد خلفاء السلاطنة العثمانيين.

سادت حالة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب الصورة، مع مئات من التغريدات التي تشير إلى كل شيء بدءًا من فيلم “ليلة في المتحف” Night at the Museum وحتى لعبة الفيديو “حصون وتنانين” Dungeons & Dragons. وكما كان الحال مع صورة مؤخرة نجمة تلفزيون الواقع الشهيرة كيم كارداشيان، لا تزال صور الحرس الملكي التابع لأردوغان تثير جدلاً كبيرًا على الإنترنت. يبدو أن الجميع يتهكم على أردوغان، ولكن في واقع الأمر، فإن الصور تكشف المزيد حول المنحى الاستبدادي للسياسات التركية.

أردوغان ليس صدام حسين أو بشار الأسد، لكنه أصبح محور السياسة التركية. خلال التظاهرات الشعبية الواسعة التي وقعت في صيف 2013 ودعت إلى مواجهة احتجاجات حديقة غيزي، شارك العديد من أنصاره في تلك التظاهرات وهم يرتدون أقنعة وقمصانًا تحمل صوره. أما وسائل الإعلام الموالية له، التي تشكل معظم وسائل الإعلام في البلاد، فعادة ما تشير إلى الرئيس باسم “الأستاذ العظيم”. كما بدا بكاء وصياح أعضاء حزبه عندما كان يلقي خطاب الوداع بعد مدة 12 عامًا قضاها كرئيس للوزراء يشبه ما يحدث مع زعيم كوريا الشمالية، ويفوق بشدة الثناء الشديد الذي كيل لمؤسس تركيا الحديثة كمال أتاتورك.

لقد أصبح شائعًا في أوساط المحللين والصحفيين الإشارة إلى “العودة إلى التشدد” في تركيا أو “الاستبداد الذي استعاد نشاطه” في البلاد. لكن تلك المصطلحات تعجز عن نقل مدى ابتعاد تركيا عن نموذج الدولة الإسلامية الديمقراطية التي آمن بها العديد من الأتراك والعرب والقائمين على السياسة الخارجية الأميركية، وذلك خلال حقبة غزو العراق وبعد اندلاع الانتفاضات العربية، عندما أصبحت تركيا وجهة لليبراليين وغير المحافظين على حد سواء. إن حكم أردوغان لا يختلف كثيرًا عن حكم بعض الديكتاتوريين العرب الذين أُطيح بهم، وهو ما يطلق عليه علماء الاجتماع دولة الرجل الواحد، والصورة الأكثر تشددًا منها أطلق عليها ماكس فيبر اسم السلطانية. وهي بيئة سياسية لا يسمح فيها للأفراد ولا المنظمات الحكومية مثل الجيش أو القضاء بمراقبة سلطات الحاكم، ويكون الدعم الذي يحظى به نظام الحكم محدودًا، ويعتمد في الغالب على العائلات الكبيرة أو الجماعات العرقية والدينية.

إن أسلوب الحكم التركي السلطوي المتعاظم له آثار عميقة خارج تركيا أيضًا. فبما أنه لا يوجد أحد يقدم المشورة لأردوغان، اعتمدت السياسة الخارجية التركية على تحقيق مصالح أردوغان السياسية. على سبيل المثال، مناداته المستمرة بضرورة رحيل الأسد، من ناحية، هو موقف يثير الإعجاب، ولكن من ناحية أخرى، هو موقف نابع من سخط الرجل على صديقه القديم. لقد أصبح أردوغان متشددًا للغاية بشأن تغيير النظام في دمشق لدرجة أنه لا يمكنه التراجع عن هذا الموقف دون أن يبدو ضعيفًا. ونتيجة لذلك، فإن إصرار أنقرة على أن مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية لا بد أن تشمل التزامًا بإزاحة الأسد قد تسبب في تعقيد مهمة التحالف الدولي الذي تقوده أميركا لمواجهة داعش، وأضعف من موقف تركيا في الشرق الأوسط، حيث بقي لها أصدقاء قلائل بخلاف حماس. وبخلاف مواجهة التشدد، كانت تركيا ذات يوم مكانًا تطلع إليه الكثير من الشبان العرب للعيش فيه والاستفادة من مجتمع مزدهر. إن أسلوب الحكم الديكتاتوري الذي يتبعه أردوغان يذكرنا بأولئك المستبدين الذين ثار ضدهم الآلاف في ميادين شهيرة في المنطقة. ولا حاجة لأن نذكر بأن هذه التطورات قوضت أهداف إدارة أوباما الخاصة بتركيا، والتي شملت في وقت ما ضمان دعم تركيا لأهداف الأمن القومي الأمريكي، وإبقاء تركيا مرتبطة بالغرب، وتقديم البلاد دومًا على أنها نموذج يحتذى للمجتمعات المسلمة.

منذ عام 2007، عندما تمكن أردوغان من نقل شريكه البارز والعضو المؤسس لحزب العدالة والتنمية، عبد الله غول؛ من وزارة الخارجية إلى الرئاسة، وهي منصب شرفي؛ مهد أردوغان الطريق لنفسه في ميدان السياسة التركية. فقد تأكد من أن أعضاء شبكة المؤيدين للرئيس داخل الحزب إما جرى التخلص منهم أو تهميشهم، وتصدى لاحتمالية أن يتمكن غول أو أي سياسي طموح آخر من إرساء قاعدة من المؤيدين داخل الحزب بشكل مستقل عن أردوغان. المساعد الوحيد البارز لغول الذي بقي منصبه هو وزير الدولة للشئون الاقتصادية علي باباجان، الذي تمثل سمعته بالكفاءة والنزاهة المهنية أهمية لاستمرار جذب الاستثمارات الدولية.

يعتبر باباجان الاستثناء الذي يثبت قاعدة أن جميع العاملين في الدوائر التركية الرسمية مرضيّ عنهم. فليس هناك أحد من أعضاء البرلمان التركي التابعين لحزب العدالة والتنمية إلا ويدين بمقعده إلى أردوغان. ويمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لرئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو ووزراء حكومته. وهكذا فإن ثمن معارضة أردوغان باهظ. إنه من المنطقي الاعتقاد أنه على الرغم من جهود أردوغان الحثيثة لإنشاء قاعدة دعم راسخة له داخل الحزب، فهناك اختلافات في الآراء وانقسامات داخل الحزب. فقد ظهرت حالة من التذمر مؤخرًا بين أقطاب الحزب بسبب افتقاد داوود أوغلو لمهارات القيادة. كما صوت عدد كبير من نواب الحزب ضد قرار إسقاط تهم الفساد عن عدد من الوزراء السابقين البارزين. فلا يقوى أحد من الأعضاء على تحدي أردوغان خوفًا من فقدان مقعده في البرلمان لأن الثمن سيكون باهظًا.

لقد أصبحت دائرة الدعم الخاصة بأردوغان أكثر تركيزًا. كما أنه يستفيد من وجود معارضة غير مؤهلة لا تمتلك رؤية أو أفكارًا بديلة. فبينما كان بوسعه الاعتماد سابقًا على عدد كبير من الليبراليين الأتراك كدعم انتخابي، فقد تضاءل عددهم بشكل ملحوظ منذ العام 2007. فعندما يقترب أحد من القائد العظيم، يجد أن دائرة مستشاريه قد تضاءلت وأنهم أقل خبرة ويخشون أردوغان. وفي مؤشر على الطبيعة الشخصية لحكم الرئيس التركي، فقد أصبح بعض أفراد عائلته ذوي تأثير، وخاصة ابنته سمية ذات الثلاثين عامًا وشقيق زوجها بيرات ألبايراك، وهو المدير التنفيذي السابق لكاليك هولدينغ، وهو تكتل شركات استفاد بشدة من تسهيلات الحكومة.

منذ أن أصبح رئيسًا في أغسطس الماضي، عزز أردوغان من صلاحيات منصب الرئيس بعدة طرق. دومًا ما تظهر وسائل الإعلام الغربية منصب الرئاسة في تركيا على أنه منصب شرفي. لكن المنصب له صلاحيات هامة مثل قبول أو رفض التشريعات، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، وإصدار مراسيم لها قوة القانون، وتعيين القائد العام للقوات المسلحة وإعلان حالة الطوارئ، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. إن من الصعب الاعتقاد بوجود رئيس وزراء لتركيا لأن من الواضح أن أردوغان هو من يواصل وضع الأولويات وينفذ سياسات الحكومة التركية. ربما يكون قد انتقل للعيش في القصر الأبيض، لكن أردوغان لا يزال مسيطرًا على رئاسة الوزراء.

ليس من المرجح أن تحدث تلك التغيرات السياسية طريقة تعامل الولايات المتحدة مع أردوغان. إلا أن إعادة صياغة فهمنا لطبيعة الاستبداد في تركيا يوفر فرصة أوضح حول الكيفية التي ابتعدت بها البلاد عن القيم الغربية التي يزعم أنها تتشاركها معه. من المرجح أن تبقى أنقرة مندمجة بشكل جيد مع الغرب اقتصاديًا وعبر الناتو، ولكن فكرة أن الحكومة التركية تحترم القيم والمبادئ نفسها التي تشكل أساس الحكومات في أوروبا والولايات المتحدة هي خيال محض.

وما يثير القلق هو أن ما يقوم به أردوغان قد يؤثر على استقرار تركيا. لقد أكد أساتذة العلوم السياسية أن النظم الميراثية يمكن تحملها أكثر من الديكتاتوريات العسكرية، لكنها تنتهي بمآسٍ، وعادة ما ينتج عنها اضطرابات وشلالات دماء. من الصعب تصور شيء كهذا يحدث في تركيا، حيث لا يوجد حرس بريتوري للقتال نيابة عن أردوغان. فالطريقة التي تخلص بها أردوغان من معارضيه في جهاز الشرطة وجعل من جهاز الاستخبارات الوطني أداة لسلطته الخاصة وتحت رئاسة أكثر أتباعه ولاءً تثير احتمال اندلاع اضطرابات وأحداث عنف، رغم أن ذلك مستبعد. لكن الأمر ليس مستبعدًا بشكل كامل، فقد شهدت السبعينات موجة شغب كبيرة أودت بحياة 4500 شخص.

إذا انتهى حكم أردوغان بأزمة ما، فربما لا تصبح السياسة التركية راديكالية بشدة بما يتسبب في اندلاع العنف. إلا أنه ما من شك أن حكمه الميراثي سيطارد الأمة التركية مستقبلاً. فإرث أردوغان لن يكون الازدهار أو الديمقراطية، وإنما الاستقطاب السياسي وتقويض الضوابط والتوازنات والاضطرابات الدينية والعرقية وحالة عامة من عدم اليقين.

إن مستقبل تركيا الآن مرهون بكل نزوة من نزوات أردوغان، بدءًا من الضغط على البنك المركزي باتخاذ قرار غير حكيم بخفض معدلات الفائدة، إلى اتهامه الغرب بمحاولة تركيع تركيا.

لقد أصبحت البلاد تحت حكم الرجل الواحد الذي باعد بينها وبين حلفائها التقليديين في الولايات المتحدة وأوروبا، ويفصل البلاد عن منطقة الشرق الأوسط، أو بالأحرى، يجعلها تمثل خطرًا على المنطقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد