تشهد حدود بيلاروسيا منذ أسابيع تجمُّع أعداد كثيفة من اللاجئين، مما شكَّل أزمةً وصلت إلى ذروتها في بدايات نوفمبر (تشرين الثاني) 2021؛ إذ يحاول مئات المهاجرين – بينهم عراقيون وسوريون ولبنانيون – عبور الحدود من بيلاروسيا إلى بولندا، تحت إشراف قوات الأمن البيلاروسية. وحاليًا تواجه بولندا – بجانب ليتوانيا ولاتفيا – احتمالية تدفق آلاف اللاجئين إلى أراضيها.

وبدأت أزمة تدفق موجات اللاجئين إلى أوروبا منذ عام 2015، في ضوء تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، ولجوء ملايين السكان إلى النزوح للنجاة بأرواحهم، أو بحثًا عن فرص اقتصادية، لكن ما يحدث في بيلاروسيا حاليًا ليس مجرد حلقة جديدة في هذا المسلسل الممتد منذ سنوات، بل حلقة جديدة من مسلسل استغلال هؤلاء اللاجئين سياسيًّا من طرف رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، فكيف حدث ذلك؟

ألكسندر لوكاشينكو.. دكتاتور يدافع عن نظامه بـ«اللاجئين»

يقبع ألكسندر لوكاشينكو في الحكم منذ عام 1994، وقد جرى وصفه من طرف وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، بـ«آخر ديكتاتور في أوروبا»، على خلفية اتهامه بتزوير الانتخابات الست التي خاضها على مدار 27 عامًا، بجانب الاتهامات التي يتعرض لها على خلفية انتهاكه حقوق الإنسان وقمعه للحريات، ومطاردة المعارضين في الداخل والخارج، كما يصطف ألكسندر على الصعيد الدولي في المعسكر الروسي، في مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.

Embed from Getty Images

ألكسندر لوكاشينكو رئيس بيلاروسيا

وعلى خلفية هذا الانتماء وكذلك نمط الحكم الاستبدادي، فرضت الحكومات الغربية على ألكسندر سيلًا من العقوبات الاقتصادية، وضربوا حول نفوذه الدولي حصارًا سياسيًّا، وقد كان يبحث منذ سنوات حكمه الأولى عن سلاح قوي يُمكِّنه من الصمود ومواجهة الضغوط الغربية، ويبدو أنه وجد ضالته في سلاح «الهجرة» واللاجئين، فمنذ عام 2002، وفي ظل تدفق موجات اللاجئين من الشيشان وأفغانستان والعراق، كان لوكاشينكو يُعلن أنه «إذا لم يدفع الأوروبيون، فلن نحمي أوروبا من هذه التدفقات».

وخلال العقد الثاني في القرن الواحد والعشرين، وبعد أن تضخمت أزمة اللاجئين، وصارت ذات أولوية قصوى على أجندة معظم دول أوروبا، تحوَّلت موجات الهجرة القسرية إلى أداة مهمة وسلاح خطير تُدار به العلاقات الدولية، وقد استخدمته الدول لابتزاز خصومها وتهديدهم؛ بغية الحصول على مكاسب مباشرة أو تمرير مصالح بعينها.

عام

منذ 3 سنوات
هل اقتربت الدول الأوروبية من إعادة اللاجئين السوريين إلى فم «االأسد»؟

فقد استخدمته تركيا في مواجهة اليونان والاتحاد الأوروبي، واستخدمته المغرب في مواجهة إسبانيا، واستخدمته روسيا وسوريا في مواجهة أوروبا، وتحاول حاليًا أفغانستان استخدامه أيضًا في مواجهة أوروبا، لكن لوكاشينكو يظل رائدًا في هندسة «الهجرة القسرية بوصفها سلاحًا، إلى يومنا هذا.

فقد ألقت الأزمة الأخيرة الضوء على كيفية إدارة لوكاشينكو لهذا الملف، فذكرت وزيرة الداخلية الليتوانية، أجني بيلوتايت، أن جلب المهاجرين غير الشرعيين إلى بيلاروسيا جرى تسريبهم عمدًا إلى الحدود، وهو عمل منظم ومربح يشارك فيه مسئولون وضباط بيلاروس.

وأضافت بيلوتايت أن شركة «Centrkurort» للسياحة، والمملوكة للدولة وتحت إشراف أجهزة الاستخبارات، عملت بالتعاون مع وكالات السفر العراقية، على جلب المهاجرين إلى بيلاروسيا، بعد أن حصلوا على تأشيرات سياحية بيلاروسية، وبعد هبوطهم في مطار «مينسك»، جرى تسكينهم في فنادق، قبل نقلهم أخيرًا إلى الحدود، وهناك تنقل وحدة خاصة من النخبة تُسمى «OSAM»، والتي خدم فيها أبناء لوكاشينكو في السابق، هؤلاء اللاجئين إلى الجانب الآخر من الحدود، سواءً إلى بولندا أو ليتوانيا أو لاتفيا.

ولا يقل ثمن هذه الرحلة عن عدة آلاف من الدولارات، ينتهي جزء كبير منها في جيوب المخابرات البيلاروسية، لذلك، فإن لوكاشينكو يضرب عصفورين بحجر واحد: يُهدد أوروبا بزعزعة استقرارها الاجتماعي وأمنها، وفي الوقت نفسه يكسب المال عن طريق تهريب الأشخاص الذين يحاولون –يائسين – الوصول إلى أوروبا.

كاسترو.. البارع في استخدام «الهجرات القسرية المُهندَسة»

رغم أن لوكاشينكو حاليًا أشهر من يستخدم اللاجئين وموجات الهجرة القسرية بوصفها سلاحًا، فإنه ليس الأول في تاريخ العلاقات الدولية، فهو سلاح جرى التوسع في استخدامه منذ منتصف القرن الماضي، منذ توقيع الوثيقة الأممية لعام 1951، والتي نظَّمت وضع اللاجئين على مستوى العالم، وحددت حقوقهم، وألزمت الدول المُستقبِلة لهم بعدم إعادتهم قسريًّا إلى بلد يمكن أن يواجهوا فيه تهديدًا خطيرًا على حياتهم أو حريتهم.

هذه الفكرة هي من فتحت أعين القادة السياسيين على استخدام التدفقات البشرية، التي تتحرك عبر العالم هربًا من موجات العنف المختلفة، من أجل ابتزاز خصومهم، والذين يكونون في الأغلب، أقوى سياسيًّا وعسكريًّا، إلا أن الوثيقة مكَّنت الباحثين في المقابل من دراسة تلاعب هؤلاء القادة بموجات اللاجئين، حتى ظهر مصطلح «الهجرات القسرية المُهندَسة- Coercive Engineered Migration»، والذي صكَّته عالمة السياسة الأمريكية كيلي م. جرينهيل، في دراستها المنشورة عام 2010.

ويشير هذا المصطلح وفق تعريف جرينهيل إلى «التحركات السكانية عبر الحدود التي يجري تشكيلها أو التلاعب بها عمدًا، من أجل الحصول على تنازلات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، من دولة أو عدة دول مُستهدَفة».

وكانت «الهجرات القسرية المهندسة» أو «سلاح اللاجئين» أداةً رائجة ومنتشرة عبر السياسة الدولية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ إذ تشير دراسة جرينهيل إلى أنه في الفترة من (1951-2006) جرى استخدام هذه الأداة بمعدل حالة واحدة على الأقل كل عام، وهو معدل لا يُستهان به، بالنظر إلى أن معدل استخدام الحروب الدولية (أداةً سياسية) كان 4.82 حالة في العام الواحد، ومعدل استخدام الحروب الداخلية كان 0.68 حالة في العام الواحد.

وتعد «الهجرات القسرية المُهندَسة» أداة فعَّالة، وغالبًا ما ينجح مَنْ يستخدمها في تغيير أو إيقاف سياسة محددة مسبقًا قد اتخذها خصمه، وكذلك قد ينجح في الحصول على مدفوعات مالية أو عينية من هذا الخصم.

ولعل المثال الأشهر في هذا الصدد هو «أزمة مارييل»، والتي وقعت عام 1980، على خلفية تصاعد التوتر بين الرئيس الكوبي «فيدل كاسترو» والرئيس الأمريكي «جيمي كارتر»، عقب تراجع الأخير عن وعوده لكوبا بتخفيف الحصار الاقتصادي عنها.

ففي أبريل (نيسان) من عام 1980، أعلنت الحكومة الكوبية أن أي شخص يمكنه مغادرة البلاد (وهو ما فُهم ضمنيًّا حينها على أنه فتح المجال أمامهم للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية)، فنتج من ذلك تدفق الآلاف إلى ميناء مارييل البحري، مستخدمين السفن والقوارب من أجل الوصول إلى الشواطئ الأمريكية. وفي الفترة من أبريل (نيسان) إلى أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1980، دخل 125 ألف كوبي بصورة فوضوية إلى الولايات المتحدة، صُنِّف 2% منهم على أنهم مجرمون عنيفون.

أزمة اللاجئين في كوبا

المهاجرون الكوبيون في أزمة مارييل – المصدر: معهد اليابان للشؤون الدولية

ولأن كاسترو استغل عامل الوقت، وأشعل هذه الأزمة أثناء الانتخابات الأمريكية، فقد اعترف كارتر بالهزيمة، وطلب من كاسترو إنهاء الأزمة، مع وعد بفتح محادثات حول العلاقات الأمريكية الكوبية بعد فوزه في الولاية الثانية.

ورغم أن الحديث عن استخدام الهجرة سلاحًا في العلاقات الدولية، لا يصِم اللاجئين أو المهاجرين أنفسهم، بل يشير إلى استغلالهم دون موافقة أو معرفة منهم، فإن بعض الباحثين يرفضون استخدام عبارة «الهجرة سلاح»، فهم يرون أن هذه العبارة تُرسِّخ صورة ذهنية لدى الجمهور بخطورة اللاجئين، كما لو أن اللاجئين  أسلحة خطيرة تستهدف المدنيين الآمنين في بلادهم، وهي صور ومقولات يحاول اليمين المتطرف في أوروبا حاليًا ترسيخها – بالفعل – في ذهن الرأي العام.

إسرائيل و«داعش».. واستخدام الهجرة لنزع الملكية

«الهجرة القسرية المُهندَسة»، ليست مجرد أداة ابتزاز في العلاقات الدولية، بل يمكن أن تكون أداة تغيير ديموغرافي وانتزاع للملكية حسب بعض الدراسات، وهو أمر تقوم به الدول وكذلك الحركات المسلحة، على حدٍّ سواء، وتستدل هذه الدراسات على ذلك بنموذجي الاحتلال الإسرائيلي وتنظيم «داعش».

فقد كشفت الوثائق الإسرائيلية، وتحدث «المؤرخون الجدد» (وهم مؤرخون إسرائيليون دعوا إلى إعادة النظر في الرواية التاريخية الصهيونية لأحداث حرب 1948 وما بعدها) في إسرائيل في أن القادة الصهيونيين إبان حرب 1948 صمَّموا بشكل مُسبق مُخططات لعمليات تهجير قسري للفلسطينيين بوسائل مختلفة، كان أبرزها ارتكاب المذابح الوحشية، التي كانت تنال من قرى بأكملها، وذلك بهدف السيطرة على الأرض، وتوسيع حدود إسرائيل التي نصَّ عليها القرار الأممي في مايو (أيار) 1948.

وتتحدث دراسات أحدث عن أن مخططات الهجرة القسرية مستمرة منذ عام 1967 إلى وقتنا الحالي في الضفة الغربية، وذلك من خلال تأسيس بؤر استيطانية داخل الأراضي التي من المفترض أنها تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.

Embed from Getty Images

مستوطنون إسرائيليون على أنقاض مبانٍ فلسطينية جرى الاستيلاء عليها

إذ تقوم الحكومة الإسرائيلية من جهة بالتضييق على الفلسطينيين من أجل ترك أراضيهم في الضفة الغربية، ومن جهة أخرى تساعد بشكلٍ فعَّالٍ المستوطنين على الانتقال إلى هناك، بل تمنحهم مزايا ضريبية وحوافز إضافية، وتشجع الأعمال التجارية الجديدة وتُموِّل مشروعات السياحة والزراعة في الأرض المسلوبة، الأمر الذي يُقلِّل من إمكانية قيام دولة فلسطينية في المستقبل.

وتجد هذه الدراسات أن السلوكيات الإسرائيلية لا تختلف عمَّا فعله «داعش» منذ صعوده عام 2014، حين نفَّذ التنظيم حملة تطهير عرقي مُمنهجة ومُتعمدة في شمال العراق ضد اليزيديين وغيرهم من السكان المسلمين غير السنَّة؛ إذ جرى قتل نحو 3100 شخص، وخطف آلاف آخرين، ما أجبر نحو 830 ألف شخص على مغادرة الأراضي التي استولى عليها التنظيم، وحوَّلهم بذلك إلى لاجئين، ومن ثَمَّ تمكن «داعش» من السيطرة على الأراضي ذات الأهمية الاقتصادية، التي ساعدته على البقاء والتوسع، قبل السقوط في مارس (آذار) 2019.

المصادر

تحميل المزيد