نساء قليلات جدًّا تمكنّ من قيادة دول وشعوب في الحضارات المختلفة، ولكن المعادلة الأصعب هو أن تتمكن إحداهن من الوصول إلى هذا المنصب بمفردها؛ بل تنفرد به، وهي كانت كذلك، فلم تعرف الصين طوال تاريخها امرأة وصلت إلى قيادة الشعب سواها، فعلت كل ما يمكن حتى تصل إلى هذا المنصب، دبرت المكائد، وقتلت كل من وقف في طريقها، وتمكنت في نهاية المطاف من حكم إمبراطورية الصين في القرن السابع الميلادي، تدعى وو تسه تيان، ويشار إليها أيضًا بوو تشاو وو.

وو تشاو.. فاتنة في القصر

تولى الإمبراطور تانج تاي تسونج، الحكم في الربع الأول من القرن السابع الميلادي، وتغيرت ملامح الصين في فترة ولايته، ازدهر التسامح الديني، وسمح لأتباع الكونفوشيوسية بالدعوة لدينهم، وكذلك للزرادشتية والمسيحية، وكانت وجهة نظر تسونج، وهو بوذي متدين، أن جميع الأديان يجب أن تعيش معًا بسلام، وسن تسونج قوانين تسمح بالطلاق، ولم يكن ذلك موجودًا قبله، وشجع على التعليم للذكور والإناث على حد سواء.

وو تشاو

الإمبراطور تانج تاي تسونج، المصدر جتي ايمدج

فتاة جميلة تبلغ من العمر 14 عامًا، وو تشاو، ولدت لأسرة موظف ميسورة الحال، وشجعها أبوها على التعليم، ولحقت في هذه السن بالبلاط الإمبراطوري بوصفها واحدة من محظيات تانج تاي تسونج، ورغم أن مصطلح «محظية» يشير غالبًا إلى الجنس، فإن المحظيات في البلاط الإمبراطوري الصيني كن يقدمن خدمات إضافية للإمبراطور، مثل الغناء والرقص، والتنظيف وغسل الملابس، وأسندت إلى وو تشاو مهمة الغسيل.

كانت وو تشاو لا تهدف أبدًا أن تظل تغسل الملابس، لذا استغلت فرصة أن تسونج في الغرفة وهي معه بمفردها، فتحدثت إليه وكأنه أي شخص آخر، وليس أقوى رجل في الصين، وفوجئ تسونج أن هذه الفتاة الصغيرة على اطلاع جيد بالتاريخ الصيني، ولديها لباقة الحديث، واكتشف أيضًا أن بإمكانها الغناء، والرقص، وعزف الموسيقى، وكتابة الشعر، لم يفكر تسونج كثيرًا بعد ذلك في انتشال وو تشاو من الغسيل وجعلها سكرتيرته الشخصية.

مترجم: الملكة زنوبيا.. تعرف إلى المرأة التي استطاعت هزيمة الإمبراطورية الرومانية

العشق الممنوع.. ابن الإمبراطور

كانت وو تشاو تشق طريقها بدقة، كانت تعلم أن التقاليد تقتضي أن يرث الابن أباه في الحكم، وأن المحظيات بموت الإمبراطور تُحلق رؤوسهن؛ ويذهبن إلى الدير حتى لا يمسهن أحد غير الإمبراطور، لذا كان عليها أن تؤمّن طريقها، وتمكنت من ذلك حين أوقعت ولي العهد الأمير لي تشى في غرامها، ودخلا في علاقة غرامية كانت محفوفة بالمخاطر، نظرًا إلى أنها كانت ما تزال مرتبطة بوالده وإحدى محظياته.

Embed from Getty Images

لوحة مرسومة لوو تشاو أثناء وجودها محظية في عهد تانج تاي تسونج

توفي الإمبراطور تسونج عام 649م، وكل ما لديه من محظيات أرسلن إلى الدير، وفقًا لما جرت عليه العادة، وتولى الأمير لي تشي الحكم، وعلى الفور أعاد وو تشاو إلى القصر، وصارت محظية ضمن المحظيات الأخرى له، بالإضافة إلى زوجته السيدة وانج.

لم ينجب الإمبراطور لي تشي من زوجته وانج، لكنه أنجب من محظية أخرى تدعى ليو، ولدًا وبنتين، لكن لأن الزوجة وانج لم تكن تحب وو تشاو، طلبت من زوجها الإمبراطور أن يجعل ابنه الأكبر من محظيته ليو، وليًا للعهد، وهو ما كان فعلًا، وكان هذا بمثابة إعلان الحرب على وو تشاو، من جانب السيدة وانج زوجة الإمبراطور وحليفتها المحظية لي أم ولي العهد.

الدم.. الطريق المفضل للسلطة

أنجبت وو تشاو ولدين وبنتًا، الطفلة ماتت بعد أسبوع، وقالت وو تشاو للإمبراطور إن زوجته السيدة وانج هي من قتلت طفلتها، وقالت أيضًا إن محظيته لي مشاركة معها، صدقها الإمبراطور لأن زوجته فعلًا كانت آخر من حمل الطفلة، وعلى الفور نفى الإمبراطور زوجته، أما محظيته أم أطفاله، فلم تتركها وو تشاو بل أمرت أن تقطع يديها ورجليها وتقتل، لأنها مارست السحر، وقد رجح الكثير من المؤرخين الصينين أن وو تشاو قتلت طفلتها بيدها لتتخلص من عدوتيها.

 

وو تشاو

معبد بوذي منحوت داخل كهف، يعود تاريخه لعام 680م، يظهر فيها بوذا في المنتصف، والأمير تشي لي على جانب، وعلى الجانب الآخر وو تشاو.، المصدر جتي ايمدج

صعدت وو تشاو إلى منصب زوجة الإمبراطور، اعترض المستشارون على هذا الصعود، لكن الإمبراطور كان متعلقًا بوو تشاو، أما هي فقد تمكنت منهم بالقتل والنفي، ومنذ عام 660م كانت وو تشاو هي الحاكم الفعلي للصين، لكن هذا لم يكن كافيًا لوو تشاو، كانت تريد أن تصبح الإمبراطور اسمًا ومعنى.

لي هونج كان هذا هو الابن الأكبر لوو تشاو من الإمبراطور؛ وبالتالي هو ولي العهد، لكنه مات فجأة وأجمع المؤرخون على أنه سمم، وأن الفاعل أمه وو تشاو، ولم يكن هذا غريبًا عليها، لأنها اتهمت ابنها الثاني بالخيانة ونفته بعيدًا، على أي حال مات الإمبراطور، وكان لديه طفل ثالث أخير وهو الوريث الشرعي لعرش أبيه، أجبرته وو تشاو على التنازل عن العرش لها عام 690م، وهكذا وصلت وو تشاو إلى السلطة على دماء الجميع، وفي مقدمتهم أبناؤها.

من بينها النقود والبارود.. اختراعات قدمتها الصين القديمة للعالم

الإمبراطورة تحكم

تنصيب وو تشاو لنفسها إمبراطورة كان جديدًا على الثقافة الصينية، وكان هناك معارضون، لكن  وو تشاو كان لأدواتها في القمع والقتل، واستخدمت أيضًا طرقًا أخرى لمنع أي فتن تثار في عهدها، صنعت شرطة سرية وجواسيس، مهمتهم جلب معلومات من جميع أنحاء الصين، ومن يتفوه بمعلومة يجلب قهرًا إلى المحكمة ويبلغ عما يعرفه، وبهذه الطريقة تخلصت من مسؤولين حكوميين كانوا مصدر إزعاج لها، وفي المقابل منحت مكافآت للمسؤولين الذين عملوا مخبرين لها، وكشفوا لها المؤامرات المحاكة ضدها.

 

وو تشاو

وو تشاو، المصدر جتي ايمدج

غيرت وو تشاو اسم الدولة من تانج إلى تشو، وهذا كان من المعتاد حين تتغير السلالة الحاكمة، واعتبرت كل سلالة بداية جديدة، وعندما غيّرت وو اسمها من تانج إلى تشو كانت تتبع هذا التقليد، ولكنها ذهبت أبعد من ذلك فكان عهدها بداية جديدة تمامًا، فوصفت عهدها بـ«الممنوحة من السماء» لضمان العهد الجديد.

قادت وو تشاو العديد من الإصلاحات في الصين، بل إنها قضت على جميع البيروقراطية، وأنشأت خط اتصال مباشر بينها وبين الشعب عبر صندوق عرائض، أخذت من هذا الصندوق اقتراحات الشعب ونفذتها بكفاءة، وحسّنت نظام التعليم العام من خلال توظيف معلمين متخصصين، وأصلحت وسائل الزراعة، ونظام الضرائب، ونظمت فرقًا لمسح الأراضي، وبناء قنوات ري للمساعدة في زراعة المحاصيل، وبالتالي ارتفع الإنتاج الزراعي في عهدها، حتى أنها أجرت تعديلات داخل الجيش، وأدخلت امتحانات العسكرية للقادة لإظهار الكفاءة، وأمنت حدود البلاد.

القليل من الراحة.. الكثير من اللهو

يبدو أن وو تشاو بعد أن تمكنت من السيطرة على البلاد، أرادت القليل من الراحة، وربما الكثير من اللهو، فصنعت مثل صنيع الإمبراطور الرجل، اتخذت رجالًا «عشاقًا»، كان لدى وو تشاو أربعة رجال «محظيين»، الأول كان على علاقة بخادمة ابنتها الأميرة، وحين شاهدته أعجبت به فاتخذته لها، ورسمته راهبًا، وكلفته ببناء معبدين، وسرعان ما حاول السيطرة على مقاليد الأمور، وصار أكثر عنادًا حين لم يجد نفسه المحظي الوحيد، فأضرم النار في المعبدين، ومات بعدها بأسبوع، بالطبع تشير الدلائل إلى أن وو تشاو تخلصت منه، «المحظي» الآخر كان طبيبًا، ويقال إنه قدم لوو تشاو بعض المعارف الطبية المتعلقة بالجنس، وهذا ما جذبها له.

 

وو تشاو

ضريح الإمبراطور وزوجته وو تشاو، المصدر جتي ايمدج

أما الأخوان تشانج، فقد كانا وسيمين ولديهما صوت جيد، واتخذتهما معًا عاشقين، ورافقاها في الكثير من المآدب الرسمية والمناسبات، ويقال إن وو تشاو قتلت حفيدتها بسبب أنها تحدثت عن الأخوين تشانج من ظهرها، أيضًا كل مسئول ذكر الأخوين بسوء ناله المصير نفسه، وبالتالي اختفت الأصوات المعارضة لهما، وأذعن الجميع لوجودهما.

في عام 697م، بدأت قبضة وو تشاو الحديدية تتراخى، وبدأت سلطاتها في الانزلاق، وبالأخص عندما مرضت بجنون العظمة، وبدأت تقضي وقتًا أطول مع عشاقها الصغار الأخوين تشانج، كانت تقضي معظم وقتها في أماكن مغلقة معهما؛ رغم تقدمها في السن، ويروى أنها أصبحت مدمنة على أنواع مختلفة من المنشطات.

وفي عام 704م، لم يعد من الممكن لمسؤولي البلاط التسامح مع سلوك وو تشاو، ومع تدهور حالتها الصحية، قتلوا الأخوين تشانج، وأجبرت على التنازل عن العرش لصالح ابنها الثاني والذي نفته في السابق؛ وعاد ليعتلي السلطة، وتوفيت سنة 705م، أي بعد عام من التنازل عن السلطة.

ثورة الملاكمين.. حين ثار فلاحو الصين في وجه الأجانب فانتفض لحربهم 8 دول

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!