يومك مشحون ومضغوط ومليء بالمواعيد والمهام. هاتفك لا يتوقف عن الرنين وصوت وصول الرسائل، وجدول مواعيدك مزدحم سواء بمهام العمل أو البيت أو حتى لقاءات الأصدقاء. بل إن حتى أيام نهاية الأسبوع مشغولة بمقابلات الأقارب أو رحلات الترفيه المختلفة. أيضًا، حياتك مليئة بالناس، فإذا قمت بنشر منشور ما على صفحتك الشخصية على «فيسبوك» ستأتيك مئات الإعجابات.

لكن مع كل هذا يسيطر عليك ذلك الشعور بالوحدة والفراغ الداخلي. تجلس على سريرك في الليل متسائلًا عن السبب في ذلك رغم كل هذه الانشغالات وكل هذه الأعمال. ربما يقلل من حزنك، معرفة أنك لست وحيدًا في الشعور بهذا الإحساس المزعج، فالأمر يتزايد بوضوح بين فئة الشباب، إذ ذكرت دراسة عام 2018 أن حوالي 10% من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عامًا يعانون دائمًا أو غالبًا من الشعور بالوحدة والفراغ.

الأمر الهام هنا لا يتعلق فقط بالأسباب وراء هذا الشعور رغم كل هذه الانشغالات، لكنه قد يؤشر لوجود مشاكل تتعلق بالصحة العقلية مثل الاكتئاب وغيرها، والتي إن لم تكتشف مبكرًا فربما تتفاقم وتتسبب في مشاكل أنت في غنى عنها بالتأكيد.

«هذا الزحام لا أحد».. الإحساس بالفراغ والوحدة

يربط معظم البشر الشعور بالفراغ والوحدة على أنه شيء تشعر به عندما تكون بمفردك، مثل ألا يكون لديك خطط للقيام بها في فترة المساء أو عندما لا يدعوك أحد لحفلة ما يقيمونها في نهاية الأسبوع. لكن في الواقع، لا علاقة لهذا الشعور بأن تكون محاطًا بالناس أم لا؛ بل يتعلق الأمر بمدى شعورك بالتواصل مع الآخرين.

Embed from Getty Images

لهذا السبب يمكن للأشخاص الشعور بالوحدة حتى عندما لا يتوقف هاتفهم عن الرنين. بعبارة أخرى يمكننا القول إن الأمر لا يتعلق بكمية اتصالاتك، بل يتعلق بالجودة. إذ إننا نعيش في عالم نتواصل فيه في لحظة واحدة مع ملايين الأشخاص، ومع ذلك نشعر بإحساس الوحدة وانعدام التواصل.

ما أسباب الشعور بالفراغ؟

يمكن أن يظهر الشعور بالفراغ أحيانًا على شكل شعور بالوحدة أو الارتباك بشأن حياتك وأهدافك أو عدم وجود الدافع لمتابعة أي شيء في الحياة. قد يشعر البعض بهذا الإحساس من وقت لآخر، بينما يمكن أن يشعر آخرون بهذا الأمر لفترات طويلة. في جميع الأحوال، يمكن أن يكون هذا ناجمًا عن العديد من الأسباب، بما في ذلك تغيير مستويات بعض الهرمونات أو فقدان وظيفة أو حتى التباعد الاجتماعي المصاحب لوباء كورونا حاليًّا.

1- تجارب سابقة لا تزال عالقًا فيها

في بعض الأحيان، قد يكون الشعور بالفراغ مرتبطًا بعملية حزن طويلة لم تستكشفها بعد. على سبيل المثال، المرور بتجربة مؤلمة لم يتم حلها في طفولتك أو شعور بالتخلي عن أحد أفراد الأسرة. هذا يتطلب منا التحدث بصراحة واستكشاف المشاعر الكامنة بداخلنا لفترة طويلة دون أن نشعر بها.

2- عدم الاعتناء بنفسك.. أنت مهم

بالنسبة لبعض الناس، قد يأتي الاهتمام بالآخرين أولًا على حساب أنفسهم. هذا يمكن أن يدفعهم إلى وضع احتياجاتهم الخاصة جانبًا لفترة طويلة. وهذا بدوره قد يؤدي إلى الشعور بالفراغ.

عليك أن تعرف أن الجميع بحاجة إلى الدعم والرعاية، بما فيهم أنت. في كثير من الأحيان، عندما تلبي احتياجاتك، تصبح أكثر استعدادًا لمساعدة الآخرين ودعمهم أيضًا.

3- وسائل التواصل الاجتماعي تزيد من الشعور بالوحدة!

وسائل التواصل الاجتماعي جزء من هذه الأزمة، وهو ما يفسر لنا كيف أن هذا الشعور ينتشر أكثر بين فئة الشباب صغير السن. فقد يكون من السهل محاولة إلهاء أنفسنا عن الشعور بالفراغ والوحدة من خلال اللجوء إلى بوستات «فيسبوك» وصور «إنستجرام» ومحادثات «واتساب»، لكن هذا يمكن أن يزيد الأمر سوءًا.

يأتي هذا من ارتباط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بزيادة الرفاهية السلبية. فالناس على هذه المواقع غالبًا ما يقارنون حياتهم بحياة الآخرين، ويصبحون أكثر حنقًا بدلًا من أن يكونوا ممتنين للأشياء الجيدة في حياتهم. وهو ما أكدته دراسة أجريت عام 2018، وأشارت إلى أن أولئك الذين قللوا من استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي بحد أقصى 30 دقيقة في اليوم، أظهروا انخفاضًا ملحوظًا في حالة القلق.

4- مشاكل الصحة العقلية

الشعور بالفراغ قد ينجم عنه مشاكل صحة عقلية مثل الاكتئاب. لكن ما لا ينتبه له البعض هو أن هذا الشعور نفسه ربما يكون ناجمًا عن بعض مشاكل الصحة العقلية مثل الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب أو اضطراب ما بعد الصدمة. هذا الأمر مهم وخطير للغاية، ويمكن أن يتسبب في كوارث للبشر، بل ربما يدفعه الأمر إلى الانتحار.

الدوبامين وكيمياء الشعور بالفراغ

عندما يشعر الإنسان بالتواصل الاجتماعي الجيد، تزداد مستويات مادة الدوبامين في أجسامهم. والدوبامين هو نوع من الناقلات العصبية التي يصنعها ويستخدمها الجهاز العصبي لإرسال الرسائل بين الخلايا العصبية. ويلعب الدوبامين دورًا مهمًّا في شعورنا بالسعادة، كما أنه جزء من قدرة البشر الفريدة على التفكير والتخطيط ويساعد على التركيز والسعي للعثور على الأشياء الممتعة.

Embed from Getty Images

بدون الدوبامين، سيواجه الإنسان صعوبة في أن يصبح متحفزًا وسيفتقر إلى وجود الدافع والرغبة، وهو ما يعني نشأة ذلك الإحساس بالفراغ. وعندما نشعر بالفراغ والوحدة، يتجه الجهاز العصبي إلى اللجوء لحالة «القتال أو الهروب»، وهي حالة يصنعها تنشيط نوع معين من الأعصاب في جسم الإنسان تنشط في حالات الخطر، وبالتالي ترتفع مستويات هرمون الكورتيزول المسؤول عن تهيئة الإنسان لحالة الخطر.

ونتيجة لهذه التهيئة الشديدة والقاسية على أجسامنا، يرتفع معدل ضربات القلب وضغط الدم، وتزداد الالتهابات، ويواجه الإنسان صعوبة في مكافحة العدوى، ويصاب بالتوتر والقلق والاكتئاب.

ويزيد من خطر الوفاة!

يمكن أن يكون لهذه الحالة تأثيرات خطيرة على صحتنا. فالدراسات الحديثة أثبتت أن الشعور بالفراغ والوحدة يمكن أن يزيد من خطر الوفاة بنسبة 30% على الأقل، وهي نسبة خطورة توازي تدخين 15 سيجارة في اليوم.

كذلك فإن الشعور بالفراغ والوحدة يجعلنا نشعر بأننا أقل انفتاحًا على التواصل اجتماعيًا مع الآخرين، مما يجعلنا أكثر عرضة لدفع الناس بعيدًا، وهو ما يتسبب في تفاقم الحالة والدخول في حالات اكتئاب شديدة.

ووجد الباحثون ارتباطًا قويًا بين الشعور بالفراغ في كثير من الأحيان والأفكار والسلوكيات الانتحارية، فمن المرجح أن يكون أولئك الذين شعروا بالفراغ طوال الوقت قد حاولوا الانتحار أو فكروا فيه.

كيف تدير إحساسك بالوحدة والفراغ بإيجابية؟

مع كل هذا، فإن ما يهم هنا هو رغم كون الشعور بالفراغ أمر صعب وله آثار ساحقة على صحة البشر، إلا أن الإنسان يمكنه أن يدير هذا الشعور بإيجابية تنقذه من مشاكل هذا الشعور. أول الطريق لهذا الأمر هو ملاحظة ذلك الشعور والاعتراف بوجوده ثم التعامل مع عبر هذه النصائح:

1- اعترف بإحساسك بالفراغ وكن لطيفًا مع نفسك دون شعور بالذنب.

2- إذا اعترفت أن مشاعرك هذه مرتبطة بخسارة مررت بها ، ففكر في السماح لنفسك بالوقت والمساحة للحزن علانية.

3- وفر الوقت لنفسك كل يوم، ولا تستسلم إلى أحداث أو أنشطة معينة تبعدك عن التفكير في نفسك مثل الخروج مع الأصدقاء أو قضاء الليل في لعب ألعاب الفيديو.

4- استكشف رغباتك ومخاوفك وآمالك وأحلامك عبر التأمل أو الكتابة أو التمارين التي تساعدك على التركيز.

5- استكشف مشاعر الفراغ لديك عبر تدوين اليوميات.

6- يمكن أن يساعدك التواصل مع الأصدقاء أو العائلة على الشعور بالتحسن، خاصة إذا كنت قادرًا على الوثوق بهم بشأن مشاعرك.

7- لا تجعل حالة الحزن والاكتئاب تشغلك عن رعاية نفسك جيدًا، فلا تنس تناول الوجبات المغذية، والحصول على قسط كاف من النوم وممارسة الرياضة. لأن الجوع والتعب قد يؤديان إلى تفاقم المشاعر السلبية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد