يعتبر قمر زحل المجمد، «إنسيلادوس»، هو أحد العوالم المحيرة؛ فالعديد من العلماء يزدادون اقتناعًا، يومًا بعد يوم، أن هذا القمر قد يكون أفضل مكان في نظامنا الشمسي للبحث عن الحياة.

تدور ـ حاليًا ـ حول «إنسيلادوس» مركبة الفضاء التابعة لـ«وكالة الفضاء الأمريكية» (ناسا)، «كاسيني»، والتي أخذت ملاحظات ـ مثيرة للاهتمام ـ تتعلق بمقذوفات جليدية تنطلق، مما يعتقد العلماء أنه محيط سائل تحت سطح القمر.

ونتيجة لتقليص مهمة المركبة كاسيني، حتى عام 2017، يريد العلماء ـ وبشدة ـ إرسال بعثة مخصصة لإنسيلادوس؛ للبحث عن علامات وجود الحياة. في الواقع، بدأ البعض ـ بالفعل ـ يفكر بجدية حول الكيفية التي يمكن من خلالها القيام بذلك، ومن بين هؤلاء كانت عالمة الكواكب، «كارولين بوركو»، وهي أحد أفراد فريق التصوير الخاص بـ«كاسيني».

البحث عن حياة

«بوركو»، ذكرت في وقت سابق من شهر يونيو (حزيران)، أنها جمعت مجموعة من الباحثين، من بينهم علماء المحيطات، وعلماء الكيمياء العضوية، وعلماء البيولوجيا الفضائية، في اجتماع استضافته «جامعة كاليفورنيا»، بهدف وضع استراتيجية لكيفية البحث عن كائنات فضائية على القمر إنسيلادوس.

وعلى الرغم من أن القمر إنسيلادوس هو قمر صغير الحجم، ومغلف بدرع سميك من الثلوج، إلا أنه يبدو كعالم صالح للسكن؛ فالقمر لديه مصدر للطاقة ناتج من عمليات الاحتكاك الناجمة عن دورانه حول كوكب زحل، وتوجد به المركبات العضوية التي تشكل لبنات بناء الحياة، والماء السائل الموجود في المحيط تحت كل هذا الجليد.

ولكن ليس معنى أن القمر إنسيلادوس به جميع مستلزمات الحياة، أن هناك حياة موجودة على سطحه أو داخله بالفعل؛ فسوف يستغرق العلماء الكثير الوقت، وعليهم بذل الكثير من الجهد؛ لإثبات ذلك بشكل قاطع. وفي الاجتماع الذي عقده العلماء في جامعة كاليفورنيا، وضع العلماء البيانات التي جمعتها المركبة «كاسيني» للقمر إنسيلادوس أمامهم، وناقشوا كل ما يتعلق بينابيع المياه الساخنة على سطحه، وقياسات القشرة الجليدية، وحاولوا وضع أفكار حول الطبيعة الكيميائية للمحيط الموجود تحت سطحه، وغير ذلك الكثير، ولكن جميع هذه البيانات والنماذج التي بناها العلماء، ليست حتى قريبة من الكشف عن الكائنات الحية على القمر إنسيلادوس، ومن هنا جاءت الحاجة لمهمة فضائية أخرى.

إذا تمكن العلماء من إيجاد حياة على هذا القمر، فسيكون كشفًا عميقًا ومذهلًا، يثبت أننا لسنا وحدنا في هذا الكون الفسيح. وعلاوة على ذلك، فإن اكتشاف وجود كائنات حية أو عدم وجودها، يمكن أن يجيب عن اللغز الكبير المتعلق بكيفية بدء الحياة على الأرض. وكان باحثون في هذا الاجتماع، قدموا نظريتين رئيسيتن متعارضتين حول كيفية نشأة الحياة على الأرض، هل بدأت في المحيط أم على سطح الأرض، وناقش الفريق كيفية أن استكشاف القمر إنسيلادوس يمكن أن يحسم هذا الصراع لصالح إحدى النظريتين.

وتقول بوركو «إن هذا الاستكشاف للقمر إنسيلادوس سيكون اختبارًا لواحدة من الأفكار المتعلقة بأصل الحياة»، والتي ذكرت تحديدًا أنها تتعلق بفكرة نشأة الحياة في المحيط، وانتقالها لاحقًا إلى اليابسة. على سبيل المثال: في حالة وجود الكائنات الحية في محيط إنسيلادوس، وافتراض العلماء أنها نشأت هناك، فإن هذا من شأنه أن يدعم النظرية القائلة بأن الحياة بدأت على الأرض في الفتحات الحرارية المائية، والتي يقصد بها أعماق المحيط الساخنة، والغنية بالمغذيات، بدلًا من بقع الماء الموجودة على اليابسة.

زحل

صورة توضح المحيط والينابيع الساخنة


النظام الشمسي

ويمكن لقمر إنسيلادوس ـ أيضًا ـ أن يعلمنا الكثير عن كيفية نشأة الحياة في نظامنا الشمسي بطرق حيوية أخرى غير معتادة، أو التي تختلف عن نشأة الحياة على سطح الأرض. يقول «كريس مكاي»، عالم الكواكب في مركز أبحاث «أميس» التابع لـ«ناسا»، «نحن لا نبحث فقط عن وجود الحياة، لكننا نبحث عن محاولة لفهم طبيعة تلك الحياة، وكيف نقارن الحياة الموجودة في كواكب أو أقمار أخرى مع الحياة على الأرض.

على سبيل المثال: إذا كان لنا أن نكتشف أن المخلوقات على القمر إنسيلادوس، ليست مثل تلك الموجودة على الأرض، (بمعنى أن الكيمياء الحيوية الخاصة بهذه الكائنات مختلفة تمامًا عن الكيمياء الحيوية للكائنات الحية الموجودة على سطح الأرض)، فمن المحتمل أن هذا الأمر يعني أن هذين الشكلين من أشكال الحياة نشأ كل منهما على حدة، وبشكل مستقل، وبالتالي، فإنه من المحتمل وجود كائنات فضائية مختلفة في أماكن أخرى من الكون.

وأضاف مكاي «إذا بدأت الحياة، على الأقل مرتين، في نظامنا الشمسي، فعليك أن تعرف ـ بالتالي ـ أن الكون مليء بأشكال الحياة المختلفة». وأوضح من ناحية أخرى، أنه إذا وجدنا أن الكائنات الحية في قمر إنسيلادوس، والكائنات الحية على سطح الأرض، هي كائنات متطابقة حيويًا، فإن هذا الأمر قد يشير إلى أن الحياة نشأت في مكان آخر، وأنها نقلت لاحقًا إلى كلا العالمين.

الاحتمال الثالث هنا أن يكون القمر إنسيلادوس هو مجرد قمر بلا حياة، فإن هذا الأمر لن يسبب صدمة أو يأسًا للعلماء؛ لأن هذا الاكتشاف يمكن أن يدعم النظرية القائلة بأن الحياة تحتاج إلى اليابسة؛ لتبدأ، وليس إلى المحيط. وبالتالي فإنه، وبغض النظر عما قد تكتشفه المهمة الجديدة لإنسيلادوس، فإن الجواب سيقول لنا شيئًا رائعًا بالتأكيد.

زحل

الينابيع السخنة تقذف المياه لمسافات كبيرة في الفضاء


القمر إنسيلادوس

إنسيلادوس هو سادس أكبر أقمار كوكب زحل، ويبلغ قطره حوالي 500 كيلومتر، وهو ما يمثل عُشر قطر أكبر أقمار زحل، «تيتان». ويغطي معظم سطح إنسيلادوس بطبقة جديدة ونظيفة من الجليد؛ مما يساعد على عكس كل ضوء الشمس الذي يضربه تقريبًا؛ مما يجعل درجة حرارة سطحه ظهرًا تصل إلى – 198 درجة مئوية.

وعلى الرغم من صغر حجمه، يملك إنسيلادوس مجموعة واسعة من الخصائص السطحية، بدءًا من المناطق القديمة جيولوجيًا، إلى التضاريس الجديدة الشابة المكونة حديثًا، والتي تشكلت قبل 100 مليون سنة فقط.

إنسيلادوس لديها أكثر من 90 من الينابيع الساخنة، التي تقذف أعمدة من بخار الماء المالح، والمركبات العضوية، وجزيئات الجليد من المحيط الموجود تحت الأرض إلى الهواء. هذا الأمر يمثل فرصة كبيرة لإمكانية زيارة مركبة فضائية للقمر، والتي لن يكون عليها أن تهبط على اليابسة للبحث عن الحياة (الهبوط على سطح القمر يعد أكثر صعوبة وتكلفة)، ولكن يمكن لهذه المركبة ـ ببساطة ـ أن تطير من خلال الينابيع لالتقاط العينات.

ولكن، حتى في حالة وجود حياة على القمر إنسيلادوس، فإن هذه الحياة قد لا تظهر في العينات المتطايرة من هذه الينابيع. فإذا كان المحيط «الأوقيانوسي» على كوكب الأرض (ويقصد به المياه المفتوحة بعيدًا عن الشاطئ أو قاع البحر)، يمثل تناظرًا للمحيط الموجود على قمر زحل، فإن التوقعات ستكون محبطة؛ فالمنطقة الأوقيانوسية ـ من أي محيط ـ هي منطقة لديها كثافة منخفضة للغاية؛ لتواجد الكائنات الحية بها، حتى على كوكبنا.

وقالت بوركو «إنه إذا كان لدينا هذا المحيط في إنسيلادوس، فسيكون من الصعب جدًا أن تلتقط المركبة الفضائية التي ستدور بين الينابيع أيًا من الكائنات الحية. وبالتالي، سوف يحتاج العلماء لأخذ عينات بكمية كبيرة من المياه؛ من أجل الحصول على أي من الكائنات الحية».

قبل بضعة أشهر، تواصل خبير في «الميكروبيولوجي» مع العالمة بوركو، حول بحث علمي جرى منذ عقود ماضية، يمكن أن يجعلها متفائلة بشأن العثور على حياة في مقذوفات الينابيع الساخنة. البحث العلمي كان يتعلق بعملية تسمى «تنقية الفقاعة» التي تحدث في المحيطات الموجودة على كوكب الأرض، ويمكنها أن تسبب اختلافًا واضحًا فيما يتعلق بالينابيع الساخنة على قمر زحل.

لقد اتضح أنه حينما ترتفع فقاعات هوائية، فإنها تكون مليئة بالكثير من الكائنات الحية الصغيرة والمركبات العضوية، وعندما تنفجر هذه الفقاعات (مثل الموجودة في رذاذ المحيط أو في المياه المتطايرة من ينابيع إنسيلادوس)، فإن الميكروبات تخرج من الفقاعة وتتطاير في صورة رذاذ.

عرض التعليقات
تحميل المزيد