أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في يوم 5 يناير (كانون الثاني) الفائت، خطوتها الخامسة والأخيرة، ضمن سلسلة من الخطوات التي كانت قد اتخذتها للتخفيض التدريجي من التزاماتها النووية بموجب الاتفاق النووي الذي وُقِع في 2015؛ ردًّا على خطة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بممارسة أقصى ضغط على طهران، بعد سحب بلاده من الاتفاق النووي فى مايو (أيار) 2018.

بهذه الخطوة الأخيرة، والتي يمكن وصفها بالأخطر، تكون طهران قد تحررت تمامًا من جميع القيود المفروضة على برنامجها النووي، مع الإبقاء على آخر ضوء في النفق المظلم الذي دخله الاتفاق النووي، وهو السماح لمفتشي «الوكالة الدولية للطاقة النووية»، بزيارة المنشآت النووية الإيرانية، للتأكد من عدم بدء الجمهورية الإسلامية في تصنيع قنبلة نووية.

الجدير بالذكر هنا، أن تلك الخطوة جاءت بعد أيام قليلة من اغتيال الولايات المتحدة لقائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، في غارة جوية بطائرة بدون طيار بالقرب من مطار بغداد الدولي، لكن إعلان إيران عن الخطوة الأخيرة لم يجيء ضمن ردها على اغتيال سليماني، إذ كان هذا التوقيت هو الموعد المعد سلفًا في خطتها للتخلي عن التزامات الاتفاق النووي.

في 14 يناير الفائت، أعلنت الدول الأوروبية الثلاثة (المملكة المتحدة، ألمانيا، فرنسا)، الموقعة على الصفقة النووية مع إيران، والمعروفة رسميًّا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، أنها أطلقت آلية تسوية النزاعات في الاتفاق النووي لعام 2015، في استجابة لخطوات إيران للتخلي عن جميع القيود على برنامجها النووي.

قبل الخوض في تفاصيل الخطوة الإيرانية الأخيرة، واستخدام الدول الأوروبية آلية تسوية النزاعات، وتأثير كل ذلك في مستقبل الاتفاق النووي المتأزم منذ فترة؛ يجب تذكر بعض أهم محطات الصفقة النووية، وما الذي حدث منذ عام 2018 إلى الآن، لكي تصل خطة العمل الشاملة المشتركة إلى حافة النهاية.

البداية: خطاب باراك أوباما

في 24 سبتمبر (أيلول) عام 2013، شكل خطاب الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، أمام الجمعية العامة لـ«الأمم المتحدة»، نقطة الانطلاق الأولى للاتفاق النووي مع إيران، هذا الخطاب الذي عده البعض وقتها أنه أول دعوة إيجابية للمفاوضات مع إيران من الجانب الأمريكي، منذ عام 1979.

أوباما

ابتعد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في خطابه عن أي لهجة تهديد تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأبدى بوضوح رغبته الصادقة في المفاوضات الجدية مع إيران، على أساس الاحترام المتبادل، معلنًا تفهمه لسبب عدم ثقة الإيرانيين في الولايات المتحدة على مر التاريخ، خاصة بسبب دور بلاده في إطاحة حكومة رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1953، وإنهاء أول تجربة ديمقراطية لإيران.

استمع الرئيس الإيراني المعتدل حسن روحاني المنتخب حديثًا آنذاك، جيدًا إلى خطاب باراك أوباما، ومن خلال خبرته التفاوضية (كان حسن روحاني رئيس الفريق الإيراني المفاوض مع الدول الأوروبية عام 2003)، استشف أهمية التغيير الإيجابي في السياسة الأمريكية تجاه إيران، خاصة بعد إعلان أوباما صراحة أنه لا يتبنى سياسية تغيير النظام في طهران. وفي خطاب حسن روحاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل مبادرة أوباما قائلًا: «يمكننا التوصل إلى إطار إدارة خلافاتنا».

بالرغم من كل تلك الإشارات والتلميح بالمبادرات الإيجابية، لم يجتمع روحاني وأوباما اجتماعًا مباشرًا على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما كانت تتوقع الإدارة الأمريكية، ولم يتبادلا حتى التحية في أروقة الأمم المتحدة، والسبب معروف، ففي كل مرة يذهب فيها أي رئيس إيراني وفريقه لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، يحذرهم المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، تحذيرًا مباشرًا بتجنب مصافحة أي مسئول أمريكي، أو التقاط أي صور تذكارية مع الأمريكين، نظرًا إلى العلاقة المعقدة بين البلدين.

لكن كل تلك التحذيرات لم تمنع حدوث أهم حدث في تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران.

المكالمة الهاتفية التاريخية

في يوم 27 سبتمبر من العام نفسه، وقبل أن يغادر الرئيس الإيراني حسن روحاني الولايات المتحدة، عائدًا إلى إيران، أبلغ الإدارة الأمريكية بأنه موافق على إجراء مكالمة هاتفية مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

تحدث الرئيسان لمدة 15 دقيقة، لتصبح تلك الدقائق المعدودة، نقطة فارقة بين البلدين، فلأول مرة منذ عام 1979، يتواصل الرئيس الإيراني مع نظيره الأمريكي. تلك المكالمة الهاتفية، كانت بمثابة كسر لأكبر المحرمات في السياسة الإيرانية، وبداية عهد جديد، أعلن فيه الطرفان، التوصل إلى قرار ببدء المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.

Embed from Getty Images

حسن روحاني

انتقد حينها المتشددون والمحافظون داخل إيران، والذين لا يرغبون في أي مفاوضات مع الغرب أو الولايات المتحدة؛ الرئيس حسن روحاني لاتخاذه مثل هذا القرار. وأشيع وقتها أن قرار حسن روحاني بمهاتفة أوباما كان ضد رغبة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، لكن روحاني أعلن أن الزعيم الأعلى قد أعطاه كافة الصلاحيات في أمر المفاوضات مع الغرب.

معركة المفاوضات..

في رحلة طويلة منذ المكالمة الهاتفية بين روحاني وأوباما، التقت الوفود الدبلوماسية الإيرانية والغربية، للتفاوض حول البرنامج النووي الإيراني، تخلل تلك الرحلة معركة في طهران من قبل التيار المحافظ الذي لم يرغب يومًا في إجراء أي مفاوضات مع الغرب.

تعرض الفريق المفاوض النووي الإيراني وعلى رأسه وزير الخارجية محمد جواد ظريف لأشد الانتقادات، واتهم بالخضوع إلى الغرب، من خلال التنازل عن طموحات الجمهورية الإسلامية في امتلاك مشروع نووي.

وفي الوقت الذي أشاد فيه الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف بمدى إيجابية تلك المفاوضات، لم يترك المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أي مناسبة ليعلن فيها انتقاده لتلك المفاوضات، وصرح أكثر من مرة بأنه غير راضٍ عن تجاهل روحاني وظريف لبعض الشروط التي وضعها حجر أساس استكمال الصفقة النووية مع الغرب.

كانت من أبرز شروط آية الله علي خامنئي حينها، والتي من الممكن أن يجدها البعض منطقية الآن، هي أمر تعليق المفاوضات، فكان خامنئي يرى أنه لا بد من رفع العقوبات الأمريكية تمامًا، وليس تعليقها، لأن تعليق العقوبات يعني أنها ستصبح سيفًا على رقبة طهران، يمكن للولايات المتحدة في أي وقت استخدامه، ها وقد فعلها الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب.

عند التوصل إلى صيغة شبهة نهائية للاتفاق النووي في أبريل (نيسان) 2015، بين إيران والدول الست الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، المملكة المتحدة، ألمانيا، فرنسا، والصين)، حاول المتشددون داخل إيران عرقلة الموافقة النهائية على هذا الاتفاق.

كانت أسبابهم واضحة؛ الاتفاق النووي لا يضمن حقوق إيران في كثير من الأمور، مقابل تنازلها عن الكثير من الأشياء.

سياسة

منذ سنتين
من سيكون الخاسر الأكبر إذا ألغى ترامب الاتفاق النووي مع إيران اليوم؟ 

يقول البرلماني الإيراني المحافظ، وعضو لجنة الأمن القومي والسياسية الخارجية بالبرلمان منصور حقيقت بور لـ«ساسة بوست»: «لقد جرى تجاهل كل الخطوط الحمراء الإيرانية في هذا الاتفاق».

في 25 مايو (أيار) 2015، اجتمع البرلمان الإيراني في اجتماع مغلق لمناقشة نتائج المفاوضات النووية، بحضور وزير الخارجية جواد ظريف، وبعد مرور نصف ساعة على بدء الاجتماع، سيطر الغضب على جميع الحاضرين.

يروي الصحافي الإيراني مهدي (اسم مستعار) لـ«ساسة بوست»، بعض المشاهد من هذا الاجتماع، فيقول: «وفقًا لعدد من النواب الذين حضروا تلك الجلسة، تطاول أحد النواب بالسب على جواد ظريف، وكاد أن يصل الأمر إلى حد الاشتباك بالأيدي».

كانت من أهم النقاط الخلافية بين النواب المحافظين والفريق المفاوض الإيراني، هي أمر السماح لمفتشي «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» بتفتيش المنشآت النووية الإيرانية.

هذا الأمر الذي رفضه المرشد الأعلى أيضًا قائلًا: «لا يجب السماح للمسؤولين العسكريين في البلاد الأجانب بدخول المنشآت النووية، وإجراء التحقيقات في أماكن مخصصة للأمن والدفاع الوطني».

وسط كل تلك المعارك داخليًّا وخارجيًّا، كان الشعب الإيراني يتابع المفاوضات النووية بشغف كبير، مثلما يتابع مباريات كرة القدم، أملًا في أن تثمر في النهاية اتفاقًا يحقق أحلامهم الاقتصادية، ويخرج بلادهم من تلك العزلة الطويلة.

في النهاية، وبعد الشد والجذب، وتبادل الاتهامات من كل جانب، تكللت كل تلك الأشهر الطويلة من المفاوضات بالاتفاق النووي الإيراني في يوليو (تموز) 2015.

هذه هي شروط الاتفاق النووي لعام 2015

وسط احتفالات الشعب الإيراني، بالتوصل إلى الصفقة النووية، كانت النخبة السياسية المحافظة ما زالت تصف الصفقة بأنها مشؤومة، ولا يجدر الاحتفال بها؛ لأنها عبارة عن نصر زائف.

الصفقة التي وُقعت في يوليو 2015، ودخلت حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) 2016، كانت تضم العديد من البنود التي تفرض القيود على البرنامج النووي الإيراني، في مقابل رفع العقوبات الأمريكية والدولية عن طهران.

بشكل مبسط، فرضت تلك الصفقة قيودًا على أنواع وأعداد أجهزة الطرد المركزي التي يمكن لإيران استخدامها، قبل الاتفاق النووي كانت طهران تمتلك حوالى 20 ألف جهاز طرد مركزي، بعد الاتفاق لا يحق لها إلا الاحتفاظ بـ5 آلاف فقط.

جرى تخفيض مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 98%، إلى 300 كيلوجرام فقط، نظرًا إلى أن اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 90% يُستخدم في الأسلحة النووية. كما يجب الحفاظ على مستوى تخصيب المخزون بنسبة 3.67% فقط.

Embed from Getty Images

كان من ضمن البنود التي أغضبت المتشددين داخل إيران، هو بند عدم السماح بتخصيب اليورانيوم في منشأة فوردو، وإنهاء العمل في منشأة أراك للمياه الثقيلة (المياه الثقيلة تحتوى على البلوتونيوم، المستخدم في تصنيع القنبلة النووية).

بجانب كل تلك البنود، كان هناك بند التفتيش والتحقق، ووقعت إيران على بروتوكول إضافي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ضمن الاتفاق النووي، للسماح لمفتشي الوكالة بالوصول غير المسبوق إلى المنشآت النووية الإيرانية، لإمكانية تحقق الوكالة لتنفيذ إيران للالتزامات النووية بموجب الاتفاق النووي.

ما المقابل؟

كان المقابل لكل تلك البنود هو رفع عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة المفروضة على إيران، في حين أن الولايات المتحدة لم تعلق سوى بعض العقوبات فقط. احتفظت الولايات المتحدة بعدم تعليق بعض العقوبات التي فرضتها على طهران، والتي يعود تاريخها إلى عام 1979، بسبب أزمة رهائن السفارة الأمريكية في طهران.

فظلت القيود المفروضة على المعاملات المالية سارية، لضمان عدم التمويل الإيراني للجماعات المدرجة على القوائم الأمريكية للإرهاب، وانتهاك إيران لحقوق الإنسان. لكن في الوقت نفسه علقت الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على القطاع النفطي الإيراني، مما سمح لطهران بزيادة صادراتها النفطية لتصل إلى المستوى الذي كانت عليه قبل العقوبات.

بداية النهاية للاتفاق النووي

بعد كل تلك الشهور والسنوات من المفاوضات، والاعتراضات، إلى صياغة صفقة استطاعت أن تحد من طموحات إيران النووية، مقابل بعض الامتيازات، صعد دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، لينهي كل تلك الجهود.

مثلما كان المتشددون في إيران، ينتقدون الصفقة النووية مع الغرب، كان المحافظون في الولايات المتحدة ما يزالون يشعرون بأن تلك الصفقة قادرة على الحد من قدرة إيران على تطوير سلاح نووي.

وصف الرئيس الأمريكي ترامب الاتفاق النووي لعام 2015، بأنه «أسوأ صفقة في التاريخ»، وكانت أسبابه تتلخص في  أن القيود المفروضة على أجهزة الطرد المركزي الإيرانية ستنتهي بعد 10 سنوات من تاريخ إبرام الاتفاق أي في عام 2025، ومن بعدها تستطيع إيران الحصول على أي عدد من الأجهزة.

Embed from Getty Images

هناك أيضًا القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم، والتي من المقرر وفقًا للاتفاق النووي أن ترفع بعد خمس سنوات من تاريخ الاتفاق، في عام 2030، وبالتالي بعد انتهاء صلاحية تلك البنود سيكون الطريق ممهدًا أمام إيران لصنع قنبلة نووية في أي وقت. انتقد ترامب أيضًا الصفقة على نطاق أوسع؛ لأنها لم تعالج التدخلات الإيرانية في المنطقة، أو برنامج الصواريخ الباليستية.

وفي مايو 2018، قرر الرئيس الأمريكي سحب بلاده من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية على طهران، والبدء في سلسلة من العقوبات الجديدة طالت حتى المرشد الأعلى ومكتبه وبعض المقربين منه، بجانب تنفيذ إدارة ترامب لخطة أقصى ضغط، المتمثلة في حرمان إيران الكامل من صادراتها النفطية، بغرض وقف تدفق الأموال للنظام الإيراني.

خامنئي يحظر أي مفاوضات مع الولايات المتحدة

في 31 يونيو (حزيران) 2018، عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على نظيره الإيراني حسن روحاني، التفاوض من جديد للتوصل إلى اتفاق آخر، لكن آية الله علي خامنئي بادر بفرض حظر على المسؤولين الإيرانيين للتفاوض مع الولايات المتحدة مرة أخرى؛ لأنه يرى أن أمريكا غير جديرة بالثقة، والتاريخ بين البلدين خير شاهد على ذلك.

ومنذ انسحاب ترامب من الصفقة النووية، حاولت الدول الأوروبية الموقعة على الصفقة، إنقاذها بشتى الطرق، وطلبت طهران من تلك الدول تأمين الفوائد الاقتصادية للصفقة، مقابل استمرارها في الوفاء بالتزاماتها النووية.

لكن في المقابل، لم تستطع الدول الأوروبية الثلاثة (بريطانيا، ألمانيا، فرنسا)، إجبار الشركات الأوروبية بمواصلة الاستثمار في الأسواق الإيرانية، لأنها ببساطة لن تستطيع حماية تلك الشركات من العقوبات الثانوية الأمريكية. 

طالبت إيران الدول الأوروبية بمساعدتها في بيع نفطها، لكن أوروبا ليست المستورد الأساسي للنفط الإيراني، فحتى قبل إعادة العمل بالعقوبات، كانت لا تستورد كميات كبيرة من إيران.

فاض الكيل بالجمهورية الإسلامية في إيران، وفي مايو 2019، أعلنت أنها ستبدأ في تخفيف التزاماتها النووية بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، تدريجيًّا طالما أن الاتفاق لم يعد بالمنفعة الاقتصادية على إيران بأي شكل من الأشكال.

محاولات أوروبية يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

حاولت أوروبا كثيرًا زيادة التبادل التجاري مع إيران، للمساعدة في تعويضها من جراء ما تسببت به العقوبات الأمريكية من خسائر اقتصادية. وأطلقت الدول الأوروبية أداة مالية خاصة (إنستكيس) لتسهيل التجارة مع إيران، لكنها لم تجدِ نفعًا، لاقتصارها فقط على المعاملات التجارية فيما يخص المواد الغذائية والأدوية.

دولي

منذ سنة واحدة
عالم ما بعد القنبلة.. هكذا سيتغير الشرق الأوسط إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًّا

وصف رئيس لجنة الأمن والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، النائب المحافظ مجتبي ذو النور تلك الأداة بأنها فاشلة، قائلًا  «تؤمن فقط الغذاء والدواء، أنها تصلح للبلاد التي خسرت حربًا للتو، وإيران لم تخسر، ولن تقايض نفطها مقابل الغذاء والدواء».

كانت إحدى تلك المحاولات، الاقتراح الذي قدمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتقديم حد ائتماني يقدر بـ15 مليار دولار، لمساعدة الاقتصاد الإيراني، وحث طهران على الامتثال لشروط الصفقة النووية مرة أخرى، لكن حتى هذا الاقتراح كان يتطلب موافقة واشنطن.

إذًا.. ماذا تعني الخطوة الإيرانية الأخيرة لتقليص التزاماتها النووية؟

تعد هذه الخطوة هي الخامسة ضمن خطة من خمس خطوات بفارق زمني بين الخطوة والأخرى 60 يومًا، وضعتها إيران للتحرر من التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، في تلك الخطوة تتخلص طهران من أي قيود على أجهزة الطرد المركزي التي حددها الاتفاق بموجب 5 آلاف جهاز فقط.

لكن الآن يمكن للجمهورية الإسلامية تثبيت المزيد من أجهزة الطرد المركزي والمتطورة منها أيضًا، والتي تساعدها فى تخصيب اليورانيوم بصورة أسرع من ذي قبل. وهذا ما أثار قلق المراقبين من احتمالية تصنيع إيران لقنبلة نووية في وقت قصير.

يقول أستاذ العلاقات الدولية بطهران بهرام مستقيمي لـ«ساسة بوست»: «لقد أعلنت إيران عن خطتها لتخفيف التزاماتها منذ العام الماضي، ونفذت الخطوات علنًا، وفي كل خطوة كانت تبلغ الدول الأوروبية، بأنها على استعداد لعكس تخفيض التزاماتها، إذا أُنقذت الصفقة».

يرى مستقيمي، أن لجوء إيران إلى التحرر شبه الكامل من وجهة نظره كان بمثابة أداة للضغط على باقي الأطراف الموقعة على الاتفاق النووي، لاتخاذ خطوات جادة وفعالة من أجل إنقاذه، «إيران لا تريد التخلي عن الاتفاق النووي، والدليل أنها ما زالت ملتزمة بتفتيش «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، إنها فقط تريد إحياء هذا الاتفاق».

أوروبا تلجأ إلى آلية تسوية النزاعات

في 14 يناير، أعلنت الدول الأوروبية الثلاثة (المملكة المتحدة، ألمانيا، فرنسا)، إطلاق آلية تسوية النزاعات في الاتفاق النووي لعام 2015، استجابة منها لخطوات إيران للحد من امتثالها لبنود الاتفاق.

قال وزراء خارجية الدول الأوروبية في بيان مشترك أن «تصرفات إيران لا تتفق مع أحكام الاتفاق النووي، ولها تداعيات صارمة، وبالتالي لم يبق أمامنا أي خيار، لذلك سيحال الأمر إلى اللجنة المشتركة، بموجب آلية تسوية النزاعات».

صورة أرشيفية لجانب من الاتفاق النووي عام 2015

أكد الوزراء أيضًا في بيانهم أن تلك الخطوة لا تعني انضمامهم إلى سياسية أقصى ضغط التي تتبناها الإدارة الأمريكية، وإنما «نفعل ذلك بحسن نية، مع الهدف الشامل للحفاظ على الصفقة، وعلى أمل إيجاد وسيلة للمضي قدمًا لحل هذا المأزق بالحوار الدبلوماسي مع الحفاظ على الاتفاق والبقاء في إطاره».

ما خطوات العمل بألية تسوية النزاعات؟

  1. عقد لجنة مشتركة تضم كل الأطراف الموقعة على الصفقة النووية، وما زالت في الصفقة، (الصين، روسيا، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، إيران)، تعمل تلك اللجنة على تسوية أزمة الاتفاق خلال 15 يومًا. ويمكن للجنة المشتركة أن تطلب وقتًا أكثر من 15 يومًا، فى إطار التباحث لإيجاد الحل.
  2. إذا لم تتمكن اللجنة المشتركة من إيجاد أي حل لأزمة الاتفاق، يحال الأمر إلى وزراء خارجية الدول السابق ذكرها، وسيكون أمامهم 15 يومًا (قابلين للتمديد)، لتسوية النزاع. إذا كانوا وزراء الخارجية ما يزالون غير قادرين على حل المشكلة، يرسل الأمر إلى مجلس استشاري من ثلاثة أعضاء، يكون اثنان منهم ممثلين عن طرفي النزاع، والعضو الثالث يكون مستقلًّا، يجب على المجلس الاستشاري تقديم رأيه (غير الملزم)، خلال 15 يومًا.
  3. بعد الخطوتين الأولى والثانية، إذا لم تتوصل الدول الموقعة على الاتفاق إلى حل للأزمة، فسيكون أمامهم خمسة أيام فقط للنظر في رأي المجلس الاستشاري، في محاولة أخيرة للتوصل إلى تسوية.
  4. إذا لم يكن الطرف صاحب الشكوى راضيًا بالحل المقدم، وإذا رأى أن الأمر يمثل امتناعًا مؤثرًا عن أداء الواجبات، فيمكن اعتبار ذلك مبررًا للامتناع عن أداء التزاماته بموجب الصفقة النووية، كليًّا أو جزئيًّا. إبلاغ مجلس الأمن بموقفه.
  5. بعد إبلاغ الطرف صاحب الشكوى مجلس الأمن، يتعين على المجلس التصويت خلال 30 يومًا على مشروع قرار بشأن الاستمرار في تخفيف العقوبات عن إيران، من عدمه، ولا بد من موافقة تسعة أعضاء، شرط عدم استخدام أي من الدول الدائمة حق الفيتو (النقض).
  6. في حال لم يصدر مجلس الأمن قراره خلال 30 يومًا، يعاد العمل بجميع العقوبات في كل قرارات الأمم المتحدة.

لماذا اتخذت أوروبا هذا القرار؟

تتعرض الدول الأوروبية الثلاثة الموقعة على خطة العمل الشاملة المشتركة إلى ضغط من كلا الجانبين، فمن جانب تضغط إيران بالتخلي عن التزاماتها النووية، على أمل تحريك الأوروبيين لإيجاد أي وسيلة تمكن إيران من الاستفادة من مزايا خطة العمل.

والولايات المتحدة من جانب آخر، تحاول إقناع الدول الأوروبية الثلاثة بضرورة التخلي عن الاتفاق النووي، وإجبار إيران على التفاوض على اتفاق جديد.

Embed from Getty Images

يقول بهرام مستقيمي أستاذ العلاقات الدولية لـ«ساسة بوست»: «الأوروبيون في موقف صعب للغاية، وكل محاولاتهم السابقة لإنقاذ الاتفاق فشلت، وفشلوا من قبل في إقناع واشنطن بالبقاء في الصفقة، وفشلوا أيضًا في إقناع إيران بالامتثال الكامل».

يرى مستقيمي، أن لجوء الدول الأوروبية إلى آلية تسوية النزاع، محاولة أخيرة لإنقاذ الصفقة النووية، لكنها في الوقت  نفسه تمثل خطورة كبيرة، «بالرغم من إعلان الأوربيين حسن نواياهم من وراء استخدام تلك الخطوة، فإنهم إن لم يستطيعوا الوصول إلى حل في نهاية الوقت المحدد، سينتهي الاتفاق النووي إلى الأبد».

جادل بعض الخبراء، بأن رهان الأوروبيين على أن استخدام آلية تسوية النزاعات سيكون هو الحل الأخير لإنقاذ الصفقة النووية، سيكون خطيرًا للغاية في حالة خسارة الرهان، وقتها ستفرض كافة العقوبات الدولية مرة أخرى على طهران، وتمنع الأخيرة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الإشراف على منشآتها النووية.

جانب إثارة المخاوف من أي صراع عسكري بين الولايات المتحدة وإيران، والذي بالرغم من رفض كلا البلدين لخوض حرب شاملة، فإن شبح الحرب سيكون قريبًا.

رد الفعل الإيراني.. هل تنتهي الدبلوماسية الإيرانية؟

في اجتماع لوزير الخارجية الإيراني جواد ظريف مع نظيره الألماني، وصف ظريف الإجراء الأوروبي باللجوء إلى آلية تسوية المنازعات بأنه خطأ استراتيجي، وباطل قانونيًّا، وانتقد الدول الأوروبية بوصفها خاضعة للضغط الأمريكي.

أثار الإجراء الأوروبي الأخير حفيظة التيار الإصلاحي أيضًا، فصرح النائب الإصلاحي البارز حشمت الله فلاحت بيشه قائلًا: «أنصح الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق بعدم دفع الأمور إلى النقطة التي ستضطر إيران فيها إلى استئناف العمل على صواريخ شهاب بعيدة المدى». 

في الوقت نفسه، يزيد هذا الإجراء من عناد المحافظين في التمسك برأيهم السابق بضرورة التخلي الكامل عن الصفقة النووية، ففي 28 يناير الفائت طلب مجموعة من النواب البرلمانيين المحسوبين على المعسكر المحافظ من رئيس البرلمان، جلسة لمناقشة اقتراح تخلي إيران عن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

ويمكن القول بأنه لو اتخذ البرلمان الإيراني هذه الخطوة بجدية، فستكون تلك هي النهاية الحقيقية للدبلوماسية الإيرانية، ويبدأ فصل جديد في الصراع بين إيران والغرب.

يقول النائب البرلماني المحافظ منصور حقيقت بور لـ«ساسة بوست»: «ستكون من أولى أهداف البرلمان القادم، التوصل إلى قرار خروج إيران من الاتفاق النووي، ومعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية».

تلك النبرة المعادية لإيجاد أي حل لإنقاذ الاتفاق النووي داخل إيران، والتي زاد من حدتها الإجراء الأوروبى الأخير، تجعل من الصعب على السياسيين الإصلاحيين والمعتدلين الدفاع عن استكمال التواصل مع الغرب، بدلًا من السير في طريق محفوف بالمخاطر.

دولي

منذ سنة واحدة
لو قلبت إيران الطاولة.. كم من الوقت يلزمها لتمتلك القنبلة النووية؟
عرض التعليقات
تحميل المزيد