في مقال للشاعر والعالم الأمريكي تشارلز أبتون بعنوان «السحر والتصوُّف» تحدث عن أن هناك جانبًا سحريًا أو «لامادى» أو «ما وراء طبيعي» في كل حضارة، وفي كل دين على مدار التاريخ، يتجاوز مجموعة القيم والأخلاق التي ينتهجها متبعوه. مثل «الفودو»، «القبالة» اليهودية، «الشمشانيزم» عند الهنود الأصليين بالولايات المتحدة وغيرها. ويؤكد «تشارلز أبتون» أن كل ممارسة سحرية أو ميتافيزيقية تستند إلى مجموعة من العلوم تسمى بالعلوم السرية «occultism» أو كما سماها المسلمون علوم نفس الأمر.

علم الجفر وهو من أشهرها، يستخدم في أحيان كثيرة ليدل على العلوم السرية كلها، خصوصًا عند الشيعة، وينسب هذا العلم للصحابيّ «على بن أبي طالب». يؤكد تشارلز أبتون فى هذا المقال أن هناك تحالفًا بين وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA  وبين أناس يعملون بالسحر/العلوم السرية، وهو ما يشبه تصريح عمدة أنقرة مليح كوتشيك للـ«سى إن إن» التركية بأن جولان يستخدم السحر لاستعباد الناس، وهكذا يحصل على دعمهم.

استكمل كوتشيك قائلًا «إن الكثير منهم تم إنقاذه؛ ما قد يعني أنه ليس جولان وحده من يستخدم العلوم السرية». الجانب الميتافيزيقى فى كل ثقافة لابد وأن تجد فيه إخبارًا عن نهاية العالم. تختلف التفاصيل، ولكن هناك دائمًا معركة نهائية بين الخير والشر في كل الروايات ويتَّفق المسلمون وطائفة من المسيحيين فى عودة السيد المسيح؛ ليقاتل المسيخ الدجال، وترى كل ديانة، بل كل طائفة أنَّ أعداءهم هم أتباع المسيخ الدجال antichrist، كما توجد إخبارات فى كلتا الديانتين عن نهاية إسرائيل فى آخر الزمان.

الاختلاف غالبًا يكون حول موقع وأتباع الخير والشر، وقد حاولت الكثير من المقالات والأبحاث عمل مقاربات بين نظرية وأخرى لنهاية العالم. موقع ومدونة «صحافة إينزموث الحرة»، مثلًا نشرت هذا البحث عن نهاية العالم في غير الثقافات المبنية على ديانة إبراهيمية – أي غير الإسلام والمسيحية واليهودية – بعنوان «عشرة تصورات لنهاية العالم». من المثير للاهتمام أن «إينزموث»، اسم الموقع، هو اسم مدينة خيالية ابتدعها كاتب الرعب الأمريكي لوفيكرافت، يمارس أهلها السحر الأسود.

في سوريا: نهاية العالم!

الصراع المشتعل فى سوريا قد يكون فى رأي البعض ليس مجرد صراع سياسي أو طائفي، بل يبدو أن أطراف الصراع يضعون بعدًا آخر ميتافيزيقيًّا للصراع، وهو حروب نهاية الزمان التي يعتقد في حدوثها السنة والشيعة، ويختلفون فى أطرافها ونتائجها وجانب الخير والشر، وهو ما تحدثت عنه «رويترز» فى تقرير نشرته في إبريل (نيسان) 2014؛ إذ ذكرت أنَّ أحد المجاهدين السنة المناهضين لبشار قال «إذا كنتِ تظنين أن المجاهدين جاءوا من كل أنحاء العالم ليقاتلوا بشار فأنت مخطئة، كلهم هنا كما أخبرنا ووعدنا الرسول، إنها الحرب التي وعد بها..إنها الملحمة الكبرى». ذكرت رويترز فى نفس المقال أن هذه الحرب اجتذبت كثيرًا من الشيعة من أنحاء متفرقة، إيمانًا منهم بأنها توطئة لعودة المهدي الإمام المنتظر الغائب، المنحدر من نسل النبي والمولود قبل ألف سنة، وغاب فى السرداب، ولكنه سيعود؛ لينشر العدل والحكم الرشيد، حسب الرؤية الشيعية.

«هافنجتون بوست» العربية نشرت تقريرًا تقول فيه: إن وزير الخارجية الإيراني «محمد جواد ظريف» حذَّر من سقوط نظام بشار، مؤكدًا أن سقوط نظام بشار قد يكون بداية حروب نهاية الزمان.

يُذكر أن الشيعة والعلويين يعتقدون كثيرًا فى كتاب «الجفر»، ليس فقط ككتاب علوم سرية، بل يرون أن هذا العلم  منقول عن على ابن أبي طالب، و أنه جزء من الرسالة. بمعنى أن من يصدق فى العلوم السرية يرى أن محاولة فهم المستقبل من خلالها ليس تنجيمًا، ولكنَّها تفسير نصوص مقدسة تصدِّقُ كل ما فيها، سواء كان بخصوص الماضى أو الحاضر أو المستقبل، والخلاف ليس حول صدق النص، بل تفسيره وفك رموزه.

النصوص التي تؤخذ منها العلوم السرية كثيرة، تبدأ بالقرآن والأحاديث النبوية وأسماء الله الحسني وتفسيراتهم الباطنية الإشارية، ثم العلم المنقول عن الصحابة؛ مما يسمي بـ «علوم الحكمة العليا»، وخصوصًا علم الجفر الذى يفترض أنه علمٌ منقول من سيدنا علي إلينا، من خلال سلسلة نقل لابدّ أن تمرّ بآل البيت في البداية، وعند الشيعة لا تخرج عن آل البيت. هذه العلوم عند المسلمين ليست سحرًا، ولا تنجيما بالمعني الغربي، بل إخبارًا لأهل العلم كما يوضح محيي الدين ابن عربي – عالم وفقيه سني مالكي، ويعتبر البعض، مثل الإمام السيوطي، أن له مذهبًا وحده، له كتب كثيرة فيما يسمي بعلوم الحكمة العليا، وفي التصوف – في كتابه الشجرة النعمانية، إذ يقول فى مقدمته «الحمد لله الذى بين البيان لأهل العرفان في كل مكان وزمان وأوان، بما أودع فى القرآن من أسرار حركات الاقتران الدالة على حوادث الأقاليم والبلدان، أن يحكم ما قدره البارى سبحانه وتعالى من غير زيادة أو نقصان».

حلب.. أحداثُ النهاية!

حلب تحديدًا لها أهمية كبيرة فى أحداث نهاية الزمان عند السنة والشيعة. صرح «حسن نصر الله» في لقاءٍ له على قناة «المنار» في شهر يونيو (حزيران) الماضي أن معركة حلب هي الأهمّ، وأن الدفاع عنها هو دفاع عن كل المناطق الشيعية. هناك مقطع فيديو لجنود من الجيش الحر السوري دخلوا بيت أحد الضباط العلويين بحلب؛ ليجدوا فيه ما سموه غنيمة، وهو نسخة من كتاب الجفر، ونرى فى الفيديو كيف يمسك الضابط السني الكتاب بعناية شديدة، كأنه كنز، على الرغم من اعتباره بعض مع جاء به كفرًا.

فى كتاب الشجرة النعمانية يستخدم «محيي الدين ابن عربي» مزيجًا من علوم الحرف والشكل والأوفاق لفك الرسائل المنقولة له، والتي يفترض أن سلسلتها تمتد إلى علي بن أبي طالب، ويذكر فى الكتاب الغوطة وعنتاب وحلب ويتحدث عن معاركهم. يذكر الحدث المتوقع حدوثه، ولكنه يرمز فقط لأسماء المنتصرين والفاتحين بحروف، وهذه الطريقة فى كتب العلوم السرية عمومًا هي ما تجعل كل طرف يفسر الرسائل لصالحه، كما أنه يذكر السنين فى شكل حروف يمكن فكها لتواريخ محددة باستخدام ما يسمي بحساب الجُمَّل.

حلب أيضًا مذكورة أكثر من مرة في أحاديث نهاية الزمان. ويرى الشيعة أن «المهديّ المنتظر» سيأتي ليقودهم فى سلسلة معارك، من أهمها معركة كبرى بحلب، قبل أن ينتصروا على السنة، أتباع المسيخ الدجال، وإبليس حسب قولهم.

يقول العالم الشيعي على اليزدي الحائري فى كتابه «إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب» والموجود على موقع يسمى «المكتبة المهدوية المركزية» وطبع بإيران ولبنان عدة مرات، أن المعارك الفاصلة فى الشام، وأنّ الفرس هم أتباع على بن أبي طالب، المهدويين المؤمنين، بينما آل سفيان أي العرب السنة أتباع إبليس، وننقل من الكتاب نص قوله «ربما ينادي فيها الصارخ مرتين، ألا وإن الملك في آل علي بن أبي طالب، فيكون ذلك الصوت من جبرائيل، ويصرخ إبليس لعنه الله: ألا وإن الملك في آل أبي سفيان»؛ ما يعيد إلى الأذهان الخلاف السياسي الذى تحوَّل إلى ديني بين الفرس وبني أمية، ثم العرب عمومًا، والذى يبدو أنه مكوِّن أساسي فى عقيدة المهدوية الشيعة، ومن ثمّ دافع أساسي فى قتالهم بسوريا، وخصوصًا حلب.

السنة فى المقابل يعتقدون فى تفسير أحاديث بعينها تتحدَّث عن حلب، وتذكر باسم دابق فى أكثر من حديث. منها مثلًا الحديث المشهور عن صحيح مسلم «عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: لاتقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق – أو بدابِقَ-، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بينا وبين الذين سُبُوا مِنَّا نقاتلْهم، فيقول المسلمون: لا والله، كيف نُخَلِّي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم؟ فينهزم ثلث ولا يتوب الله عليهم أبدًا، ويُقتَل ثلثُ أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يُفتَنون أبدًا، فيفتَتحِون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد عَلَّقوا سُيوفَهُهْم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ فد خَلَفَكم في أهاليكم، فيخرجون، – وذلك باطل – فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينا هم يُعِدِّون القتال، يُسَوُّون صفوفَهم، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم، فأمَّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده – يعني المسيح – فيريهم دَمه في حربته».

وأحاديث الشام عمومًا كثيرة، وغالبًا ما يكون الترتيب هو: معركة دابق/حلب الكبرى، ثم بعدها دمشق والغوطة، ثم عنتاب، قال أبو داود في سننه:

باب في المَعْقِل من الملاحم: 4298 حدَّثنا هشامُ بن عمَّار، حدَّثنا يحيى بن حمزة، حدَّثنا ابنُ جابر، حدَّثني زيدُ بنُ أرطأةَ، قال: سمعت جبير بن نُفيرٍ يحدث عن أبي الدَّرداء أن رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلم – قال «إن فُسْطَاطَ المسلمينَ يومَ المَلحَمَةِ بالغوطةِ. إلى جانب مدينةٍ، يقال لها: دمشقُ مِن خيرِ مدائن الشام».

الأحاديث كثيرة هنا وهناك وتفسيراتها تتعدد، ولكن المؤكد أن البعد الميتافيزيقى الخاص بنهاية العالم موجود وأساسي عند كلا الطرفين، في شكل ملحمة تاريخية بين الخير والشر، يفسرها كلُّ طرف لمصلحته.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد