في النهاية سينتهي العالم. عند مرحلة ما سيصل التاريخ بجملته إلى خط الموت. إنّها كفكرة أصيلةٍ أصالة التاريخ والبشر. العلم نفسه لم يستطع تجاوزها، ووضع لها عدّة سيناريوهات ما بين انقراض الجنس البشري أو تدمير الأرض لسبب أو لآخر، إما بفعل الحرارة أو فقدانها الجاذبية أو بأيدي البشر أنفسهم. أو أنّ النهاية ستحل بفعل تمدد الكون المُستمر الذي سيجعل مادة الفضاء المُظلمة تلتهم كُل شيء.

الفن والأدب أيضًا كان لهما رأيٌ في نهاية العالم وتوقف حركة التاريخ، برزت في الأعمال الأدبية المُختلفة، أو في الأعمال السينمائية، التي استقت أفكارها من نظريات العلم، وكذا من الميثولوجيا البشرية المُختلفة. وفي هذا الصدد يُمكنك معرفة المزيد عن سيناريوهات نهاية العالم بين العلم والسينما، أو رؤية هوليوود لنهاية العالم.

هذا، وتُمثّل نهاية العالم الذي نعيش فيه جُزءًا مُؤسِّسًا للثقافات الإنسانية باختلافها، فضلًا عن دخولها كمكون أساسي في المُعتقد الديني أو الفلسفي. وبطبيعة الحال، فإنّ التعاطي معها يجعلها أحيانًا مُتجاوزةً لكونها فكرةً مُجرّدة، لتنبني عليها ممارسات وطقوس وعادات وتقاليد استعدادًا لهذه النهاية.

فكيف إذًا سينتهي التاريخ وفقًا لبعض أبرز الثقافات الإنسانية؟ هذا ما سنتعرّض له في هذا التقرير.

الفراعنة «أوّل» من آمنوا بنهاية العالم!

في الثقافة المصرية الدارجة، عادة يوصف الفراعنة بأنّهم “أول” من فعلوا أي شيء. والحقيقة أننا لا نعلم دقة ذلك، ولا نستطيع الجزم أيضًا إن كان الفراعنة بالفعل أوّل من عرفوا فكرة نهاية التاريخ، وآمنوا بنظرية ما حول ذلك.

لكننا في المُقابل نعرف أنّ الفراعنة آمنوا بالفعل بنهاية العالم، كما آمنوا بوجود عالم آخر يُبعث فيه الميّت. وظهر هذا في طقوس الدفن وتهيئة الميّت عندهم، وإرفاق بعض الأطعمة والمُتعلقات الشخصية ليستعين بها في حياته الأخرى.

بردية تصور مُحاكمة الميت في الحياة الأخرى

ولدى الفراعنة تصور كامل عن مُجريات الأمور في الحياة الأُخرى، صوروه على معابدهم، وتمثلته طقوس الدفن كما ذكرنا. فلديهم تصور عن العذاب للسيئين، والنعيم للصالحين، وطبيعة الحياة الأُخرى للملوك والقادة.

لكنّ غير المُفصل، أو غير الواضح هو فكرتهم عن اللحظة التي ينتهي فيها العالم الأوّل الذي نعيشه الآن، إذ لم تُصوّر مخطوطاتهم أو أيٌّ من نقوشهم، أو ما وصل إلينا، أي شيء يدل عن تصور حول لحظة النهاية، وما سببها تحديدًا.

وربما يرجع سبب ذلك لاعتقاد الفراعنة بديمومة العالم الآخر، بمعنى أنّه مُستمر منذ الأبد وللأزل، ويبدأ عند كُل شخص بوفاته، ثُم انتقاله إلى رحلته نحو الحياة الأخرى أو العالم الآخر المُنقسم ما بين الجحيم والنعيم.

ولم يمنع هذا اعتقاد قدماء المصريين بالشر والأرواح الشريرة التي مثّلت جُزءًا من عندهم أصيلًا من النظام الكوني، الذي يتجاذب طرفاه الخير والشر متمثلان في رموزهما وآلهتهما، وهو ما يخلق التوازن في العالم. وحال انتصر الشر فإنّ المُتوقع وفقًا لهذه الميثولوجيا، أن يعمّ الشر العالم مصحوبًا بالفوضى والدمار، ولعلها إذًا تكون صورةً احتمالية لنهاية العالم عند الفراعنة.

أبوفيس أو أبيب، وهو رمز الشر أو الشيطان عند قُدماء المصريين

بوذا لا يكترث بنهاية العالم!

مفهوم نهاية العالم في البوذية مُلتبس، إذ يرى بعض الباحثين أنّ بوذا نفسه لم يول له اهتمامًا، عندما قال: “لا قيمة للبحث في أبدية العالم أو نهايته”. لكن في المُقابل يُرجّح آخرون فهم مقولة بوذا في سياق مفهومه عن اللحظة أو الحاضر الذي ينبغي التيقظ له، وعدم الالتفات إلى ما سواه ماضٍ أو حاضر.

هذا، وتعتقد البوذية في تناسخ الأرواح ودورات الحياة، ما يجعل الحياة في ديمومة واستمرار مع اختلاف صورها وأشكالها. ويتم هذا على مُستوى فردي، بمعنى أن عالم الإنسان بالنسبة للفرد بمثابة مرحلة، أو شكل من أشكال الحياة، سينتقل لغيرها في مرحلة/ حياة أُخرى، غالبًا هي أقل قدرًا من حياة الإنسان.

لكنّ هذه الأبدية للعالم ليست ميزة في البوذية، بقدر ما أنّها نتيجة لسيطرة السوءات على الفعل البشري. أمّا فيما يخص الصالحين إن جاز تسميتهم بذلك، فإن الوصول لحالة النيرفانا أو الكمال هو بمثابة كسر لدورات الحياة وتناسخ الأرواح. النيرفانا أو التخلّص من الآلام والآمال هي المرحلة التي ينتهي فيها العالم بالنسبة للبوذي، وتصبح روحه طليقة غير مُقيدة بأشكال وصورٍ تتناسخ فيها باستمرار.

بوذا يُمارس التأمّل

مع هذه النظرة الفردانية لنهاية العالم من جهة وديمومته من جهة أخرى، ثمّة نظرة أُخرى جمعية لنهايات العوالم الممتدة. حيث تنطوي البوذية على مفهوم عدم الثبات، وأن لا شيء يدوم للأبد، بما في ذلك العالم المادي الذي نعيشه، بكل ما نعرفه فيه. وبالإضافة إلى دورات الحياة، ثمّة دورات أيضًا للكون، تمتد كل دورة لعدة مليارات من السنين، قبل أن تنتهي وفقًا لسيناريوهات مُتعددة خاصة بكل دورة، فبعض العوالم تنتهي بكوارث طبيعية، وبعضها بدمار للأرض تسببه الشمس لها، وبعضها بحرب ضروس بين الخير والشر للعبور إلى عالم آخر أكثر استقرارًا وسلامًا.

«رجناروك».. نهاية مأساوية للآلهة الإسكندنافية

تقوم الميثولوجيا الإسكندنافية أو النوردية كما يُطلق عليها أحيانًا، على الاعتقاد بأنّ قبل نشأة الكون لم يكن ثمّة شيء سوى الفراغ الذي يتوسط عالمين، أحدهما عالم النيران والآخر عالم الجليد، ومن كلا العالمين دخلت قطع من الجليد وبعض النيران إلى ذلك الفراغ، وبامتزاجهما بدأ الجليد في الذوبان لتشكل قطراته أوّل عملاق.

يمير أو العملاق الأوّل كان يتكاثر ذاتيًّا، إذ يتحوّل عرقه إلى عمالقة آخرين. أمّا ما تبقى من الجليد المُذاب فتشكّلت منه بقرة أخذت تلعق الجليد المُملح بعرق العملاق الأوّل، ما أدى لظهور أوّل إله ويُدعى بوري، والذي أنجب إلهًا آخر تزوّج من عملاقة من بنات العملاق الأول يمير، لينجبا 3 أنصاف آلهة- أنصاف عمالقة.

أنصاف العمالقة- أنصاف الآلهة الثلاثة قتلوا جدّهم العملاق الأوّل، وكوّنوا من جثته أوّل عالم بما فيه من أرض وسماء ومحيطات. وفي فترات لاحقة خُلقت الشمس والقمر، وأخيرًا خُلق أوّل بشريين، وهما آسك وإمبلا، أو آدم وحواء كما يعرفهما العرب.

هذا العالم، الذي شكّله الجليد مع النيران، ثُم تدافع العمالقة والآلهة، وأخيرًا العُنصر البشري؛ هو بمثابة شجرة عملاقة مُقسمة إلى 9 عوالم، تسكن الآلهة أعلاها، ويسكن البشر في أوسطها أو ما يُمثّل الأرض بتضاريسها، ويتوزّع الباقي على العمالقة، وغيرها من الكائنات “الأسطورية”، وكذا على الجليد والنيران والأموات الذين ينقسمون بين سُكان منطقة النعيم وسُكان منطقة الجحيم.

رسمة تخيلية لشجرة العوالم التسعة

هذا فيما يخص نشأة الكون، أما نهايته فلا يُمكن الولوج لها دون النظر والاعتبار في البدايات، التي تُوضّح لنا أن عُقدة الحكاية تكمن في الصراع الذي بدأ مع بداية الخلق بين العمالقة والآلهة. ولمزيد من التوضيح، فقد مثّل العمالقة العالم البدائي الفوضوي، بينما يُمثّل الآلهة التطوّر والنظام، الذي أحدثوه بالدماء، في إشارة إلى أنّ الحياة، المتمثلة في التطور والنظام، تنبعث من الموت والدمار، المتمثلَيْن في عهد العمالقة ثُم قتل العملاق الأول واستخدام جثمانه في خلق العالم.

ووفقًا للميثولوجيا الإسكندنافية، فإن الصراع بين الآلهة والعمالقة يظل مُستمرًا على مر الأزمان عبر الكائنات الأخرى. كما أن كلًّا منهما يتجهز للمعركة النهاية الفاصلة، والتي سيكون البشر طرفًا فيها بطبيعة الحال.

تلك المعركة النهائية تبدأ بدخول العوالم عصرًا من الشتاء المُستمر، خلاله يُؤكل كل من القمر والشمس، في إشارة إلى الظلام المصحوب بالبرد القارس. انطلاقًا من هذين الحدثين المُهمّين، يبدأ العمالقة بالتجهز والانطلاق لأرض المعركة في جيوش جرارة، فضلًا عن أن قُبيل بدء المعركة ستتآكل جذور الشجرة التي تحمل العوالم التسعة، بفعل تنين سيطلقه العمالقة لأداء مهمته.

في هذه الأثناء، يتجهز الآلهة بدورهم لخوض المعركة؛ يجتمعون وينظمون أنفسهم ثم ينطلقون لأرض المعركة التي ستشهد واحدةً من أعجب الحروب التي أنتجتها المُخيلة البشرية. إنها حرب رجناروك، التي سيُقتل فيها الجميع، وتنهار الشجرة، وتدمر العوالم التسعة عن بكرة أبيها.

رسمة تخيلية لأحداث معركة رجناروك

بعد هذه النهاية المأساوية، ستدب الحياة مرة أخرى في الشجرة العملاقة. وسيظهر من تحت ركام المعركة بعض الناجين: اثنين من البشر من الجنسين، وكذا من الآلهة، وقليل من الكائنات الأخرى، وهؤلاء جميعًا سيؤسسون لحياة أخرى.

عرض التعليقات
تحميل المزيد