في الثمانينيات، وأثناء دراسة كيفية عمل الأدوية الأفيونية، وجد الباحثون أن بالجسم مستقبلات خاصة ترتبط بالمواد الأفيونية لمنع إشارات الألم، ووجدوا أن هناك بعض المواد الكيميائية في الجسم توجد بشكل طبيعي وتتصرف مثل الأدوية الأفيونية التي يمكن وصفها للمرضى بعد العمليات الجراحية لتسكين الألم، كما ترتبط بالمستقبلات ذاتها، وهذه المواد هي «الإندورفينات».

وعلى الرغم من تشابه طريقة عمل الإندورفين والمواد الأفيونية، فإن الإندورفينات الطبيعية لا تمثل مستوياته المرتفعة خطورة صحية، لكن على النقيض فإن تناول جرعات زائدة من المواد الأفيونية يسبب الإدمان وأحيانًا الوفاة، ولذا يبحث الخبراء الطبيون الآن عن مسكنات ألم آمنة وفعالة غير الأدوية الأفيونية.

وتتكون كلمة الإندورفين من مقطعين؛ الأول مأخوذ من كلمة «endogenous» بمعنى باطني المنشأ، والمقطع الآخر مأخوذ من كلمة «morphine» وهو مسكن للألم.

ينتج الإندورفين من منطقة تحت المهاد والغدة النخامية، بالإضافة إلى أجزاء أخرى من الجسم، ويتكون من مجموعة كبيرة من الببتيدات، وهي سلاسل من الأحماض الأمينية التي تكون البروتينات الصغيرة.

وكما ذكرنا، فإن الإندورفينات تعمل على المستقبلات الأفيونية في الدماغ مما يساعد على تقليل الألم والتوتر وتعزيز الشعور بالسعادة. كما كشفت إحدى الدراسات عن ارتباطه بزيادة تقدير الذات واحترامها.

مستويات الإندورفين متغيرة من شخص لآخر، وقد يكون الأشخاص لا تنتج أجسامهم كميات كافية منه أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب أو الألم العضلي الليفي، ومشكلات النوم، والقلق.

طرق تعزيز مستويات الإندورفين في الجسم

هناك عدة وسائل يمكن باتباعها زيادة مستويات هذا المسكن الطبيعي في الجسم، ولكن لأن المستويات مختلفة من شخص لآخر، فإن النتائج لن تكون متطابقة لدى الجميع:

1- التمرين المنتظم في مجموعات

من الممكن اللجوء إلى ممارسة التمارين الرياضية بصورة منتظمة للمساعدة في زيادة مستوى الإندورفينات في الجسم. وقد بحثت دراسة علمية منشورة في المجلة الأيرلندية للعلوم الطبية في عام 2010، بحثت في العلاقة بين ممارسة التمارين الرياضية وارتفاع مستوياته لمعرفة فاعليتها في استخدامها علاجًا للاكتئاب.

ممارسة الرياضة الجماعية

ممارسة الرياضة الجماعية. مصدر الصورة: فليكر

كما وجدت دراسة صغيرة أجريت في عام 2010 أن الأشخاص الذين يمارسون التمارين الرياضية في مجموعات ترتفع لديهم مستويات الإندورفينات بنسبة أكبر من الذين يمارسون الرياضة بشكل منفرد.

وقد لاحظ الباحثون أن «نشوة العدَّاء» تحدث نتيجة زيادة مستويات الإندورفين في الجسم، وهي حالة قصيرة من النشوة والاسترخاء العميق تحدث بعد التمرينات الطويلة والمكثفة. وقد اكتشفوا ذلك بعدما استخدموا التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) لمشاهدة أدمغة الرياضيين قبل التمرين وبعده، فلاحظوا زيادة في إفراز الإندورفين بعد التمرين.

2- الضحك مع الأصدقاء

تشير الدراسات إلى أن الضحك يزيد من الإندورفين، فقد أشارت دراسة أجريت في عام 2011، إلى زيادة قدرة المشاركين في الدراسة على تحمل الألم بعد الضحك، ووجدوا أن أفضل تفسير يكمن في زيادة إفراز الإندورفين، وقد اعتقدوا أن السبب في هذا أن سلسلة الزفير الطويلة التي تصاحب الضحك تسبب إرهاق عضلات البطن مما يحفز إفراز الإندورفين، كما في التمارين الرياضية.

الضحك مع الأصدقاء يعزز الإندورفين

الضحك مع الأصدقاء يعزز الإندورفين. مصدر الصورة: فليكر

كما وجدت دراسة أجراها باحثون فنلنديون وبريطانيون عام 2017، أن الضحك الاجتماعي يطلق الإندورفين في الدماغ، والببتيدات الأفيونية الأخرى في مناطق الدماغ التي تتحكم في الإثارة والعواطف؛ مما يعزز إنشاء الروابط الاجتماعية.

وقد لاحظ الباحثون أنه كلما زاد عدد المستقبلات الأفيونية لدى المشاركين في أدمغتهم، زاد ضحكهم أثناء التجربة، وهو ما فسروه بأن نظام المواد الأفيونية قد يكمن وراء الاختلافات الفردية في التواصل الاجتماعي.

3- مشاهدة الأعمال الدرامية

مشاهدة الأعمال الدرامية قد توقعك في حالة من الحزن؛ أي تشعر ببعض الألم العاطفي، وقد يتفاعل عقلك مع هذه المشاعر عن طريق إطلاق الإندورفين بالطريقة نفسها التي يتفاعل بها إذا كنت تعاني من ألم جسدي.

وقد أظهرت دراسة نُشرت في عام 2016 أن الأشخاص الذين يشاهدون فيلمًا مثيرًا عاطفيًّا قد ارتفع لديهم عتبات الشعور بالألم وهي النقطة التي يبدأ معها الشعور بالألم، كما زاد لديهم الإحساس بالترابط الاجتماعي.

4- ممارسة اليوجا والتأمل

تساعد ممارسة اليوجا وتمارين التأمل على تخفيف حدة التوتر وتحفيز الشعور الداخلي بالراحة والهدوء، وقد يكون هذا بسبب زيادة مستويات الإندورفين.

تماثيل توضح حركات يوجا سوريا ناماسكار

تماثيل توضح حركات يوجا سوريا ناماسكار. مصدر الصورة: ويكيبيديا

وفقًا لمراجعة علمية منشورة في عام 2018، فإن ممارسة اليوجا (حركات سوريا ناماسكار) تخفف من آلام الدورة الشهرية، وقد خلص الباحثون إلى أن هذه الطريقة تتطلب استنشاق كمية كبيرة من الأكسجين لحرق الجلوكوز والدهون، وهنا يحين دور الإندورفين من أجل تخفيف الآلام.

5- استنشاق الزيوت العطرية

أجرى مجموعة من الباحثين دراسة صغيرة في عام 2012 لفهم تأثير استنشاق اللافندر على القلق والألم المصاحبين لتركيب اللولب داخل رحم مجموعة من السيدات. واكتشف الباحثون أن استنشاق الرائحة تتسبب في إطلاق مجموعة من المواد الكيميائية من بينها الإندورفين؛ مما يؤدي إلى تقليل الألم والقلق.

وفي دراسة أخرى أجريت عام 2017 لفهم آثار استنشاق الروائح على أعراض اضطراب النوم، ذكر الباحثون أن آلية عمل الزيوت العطرية في تعزيز النوم تتضمن دمج الزيت العطري في إشارة بيولوجية للمستقبلات الشمية أثناء الاستنشاق، فتنتقل هذه الإشارة إلى الدماغ؛ مما يسبب إطلاق عدد من الناقلات العصبية بينها الإندورفين.

6- تناول الأطعمة الحارة والشوكولاتة الداكنة

تتسبب المكونات الحارة في الفلفل والأطعمة الحارة في الشعور بالألم في الفم مما يؤدي إلى إفراز الإندورفين. فأثناء إجراء دراسة لفهم تأثير مركب الكابسيسين (المركب النشط في الفلفل الحار) وآلياته لتسكين الألم وبعض الاستخدامات السريرية، لاحظ الباحثون زيادة في نشاط مستقبلات المواد الأفيونية تمهيدًا لإطلاق الإندورفين.

أما بالنسبة للشوكولاتة الداكنة، فقد أوضحت دراسة أجريت في عام 2012 لفهم التأثيرات الوقائية للأعصاب للكاكاو وتأثيره في الأداء الإدراكي، أوضحت أن أساس جاذبية الشوكولاتة قد يكون أنها تحفز إفراز الإندورفين.

علوم

منذ 3 سنوات
«أفيون» الطبيعة المجاني.. ما الذي يحدث لجسم الإنسان أثناء ممارسة الجنس؟

المصادر

تحميل المزيد