شكّلت الثورة السورية 2011، نقطة تحوّل للشعب السوري، إذّ أسفرت عن واحدة من أكبر موجات اللجوء في التاريخ، حتى أصبحت مسألة اللاجئين العنوان الرئيس للأزمة التي تسبب بها صراع النظام السوري مع شعبه من أجل الاستمرار في الحكم، والذي نتج عنه مقتل 350 ألف من السوريين، حسب إحصاءات الأمم المتحدة.

وقد أجبر هذا النزاع الدموي 6.7 مليون سوري، من سكان البلد البالغ عدده قرابة الاثنين والعشرين مليونًا، على نزوح لم يعرف مثيلٌ له في العالم منذ أحداث الحرب العالمية الثانية، وحل معظمهم بدول الجوار مثل تركيا، والأردن، ولبنان، والعراق، وأكثر من ثلثهم أطفال أقل من عمر 11 عامًا، وفقًا لإحصاءات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فضلًا عن ملايين النازحين إلى داخل البلاد.

Embed from Getty Images

لاجئة سورية

يقول الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان، لـ«ساسة بوست»: «بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها الدول التي استضافت اللاجئين السوريين تشكّلت تكتلات سياسية معادية للسوريين فاقمت من أزمة اللاجئين، وظهر ذلك عندما تضاربت الأرقام بين التي تقدمها المفوضية وبين ما تتحدث عنها الحكومات في الدول المضيفة التي تحاول إخفاء العدد الحقيقي للاجئين تجنبًا لهجوم التيارات اليمينية».

وأصبح السوري بين أمرين لا ثالث لهما هو العيش على مضض في الدول التي توظف ملف اللاجئين في سياتها الداخلية والخارجية لجلب المساعدات، والأمر الثاني هو التفكير في العودة إلى بلاده وهو يعي أنّ الرجوع إلى سوريا بمثابة العودة إلى الموت، كما وثقته منظمة العفو الدولية في تقريرها الذي عنونته بـ«أنت ذاهب إلى الموت». هذا التقرير يرصد أبرز كارهي اللاجئين السوريين في الدول التي استضافتهم، والذي طالما صعبوا العيش على الذين لم يحلموا بأكثر من حياة خالية من القصف.

«أخوية أتامان» في تركيا.. عنصرية بغطاء وطني

في أغسطس (آب) 2021 اشتعلت منطقة حي «ألتنداج» بالعاصمة التركية أنقرة، بهجومٍ لبعض المواطنين الأتراك على اللاجئين السوريين مرددين هتافات «أحياؤنا نظيفة لا توسخوها، لا نريد سوريين هنا»، فيما أعلنت الشرطة التركية آنذاك، اعتقال 76 شخصًا على خلفية أحداث الشغب والاعتداءات التي طالت بيوت ومحال السوريين، وقالت إنّ أغلبهم لديهم سوابق جنائية متعلقة بالسرقة والمخدرات وجرائم أخرى.

ولا تعد حادثة «ألتنداج» الأولى في تركيا؛ إذ سبقها أحداث أدت إلى تهجيرٍ داخلي للسوريين، سواء من حي إلى حي، أو من ولاية إلى ولاية، فرارًا من التضييق، وأحيانا من الموت، حسبما يصف الصحافي السوري في موقع الجزيرة نزار محمد لـ«ساسة بوست».

التهديد الذي برز فيه السوريون باعتبارهم مستهدفين على رأس القائمة، صدر عن منظمة تسمي نفسها «أخوية أتامان»، وتقول في خطابها على حسابها في «يوتيوب»: «علينا أنّ نقول كفى لهذا الاحتلال، وأن نريق دماء هذه الأعراق، إذا لم نكن عنصريين اليوم، فسنكون بلا وطن غدًا».

Embed from Getty Images

لاجئة سورية

هذا الخطاب بدا خطيرًا، لا سيما أنّ تركيا تحتضن القسم الأكبر من اللاجئين السوريين بواقع 3 ملايين و700 ألف سوري، حسب المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين، فالجماعة التي لا يعرف عن تشكيلها سوى أنّها تتخذ من «الجمجمة والسيف ورمز النازية» شعارًا لها ترى في وجود اللاجئين السوريين خطرًا داهمًا وجوديًا على تركيا.

ويعود تسمية الأخوية إلى ما يلقبه الأتراك بـ«أَبي المُلُوك» عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية، ويقودها حسب منشورات على مواقع الإنترنت لم يستطع «ساسة بوست» التأكد من صحتها شخص يدعى «عاصي بولات»

ويعد أعضاء الأخوية من خلال منشوراتهم على حساب في «تليجرام» مهاجمة اللاجئين في كل منطقة وكل حي، عبر السكاكين والعصي، ومن ناحية أخرى تُحمل الأخوية الحكومة التركية والتيارات الداعمة للاجئين المسؤولية عن استمرار وجود السوريين في تركيا، كما تُحمّل القوات التركية على الحدود مسؤولية دخول اللاجئين.

«الشعب الجمهوري» في تركيا.. سعي حثيث نحو ترحيل اللاجئين

قبل أحداث «ألتنداج» بعدة أيام، تصدّرت ثلاثة وسوم في تركيا وصفت بالتحريضية على موقع التواصل «تويتر» أبرزها وسم #SuriyelilerDefolsun وتفاعلت آلاف الحسابات من خلال الوسوم، إذ دعا مستخدمون إلى إجبار السوريين على العودة، وهو الوسم المقتبس من مقولة لزعيم المعارضة ورئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أوغلو، الداعية لإعادة السوريين إلى بلدهم بالقوة؛ إذّ تعهد بترحيل جميع اللاجئين السوريين من تركيا في مدة زمنية أقصاها سنتين حال وصل حزبه إلى الحكم.

ويعدّ كليجدار أوغلو زعيم أقدم حزب سياسي في تركيا، وهو الحزب الذي يشكل القوة الرئيسة للمعارضة في البرلمان التركي بنحو 135 مقعدًا من أصل 600 مقعد، وهو من أبرز الداعين إلى تحسين العلاقات مع النظام السوري وإعادة فتح سفارتي البلدين، إذ لم يوفر مناسبة سياسية داخلية إلا تناول اللاجئين السوريين ضمن خطاباته.

المشاعر المعادية للمهاجرين وصلت إلى نقطة الغليان، بسبب خطابات الحزب وفق ما يؤكده الصحافي «نزار محمد» والذي يعيش في ولاية «غازي عينتاب» التركية، وهي خطابات تغذيها المشكلات الاقتصادية في تركيا، إذ دائمًا ما يصف الحزب وعلى رأسه زعيمه أوغلو أنّه وبسبب السوريين أصبح التركي بلا عمل وأنّ اللاجئ يرضى بأقل الأجور.

فمع ارتفاع معدلات البطالة والارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية والعقارات، وهبوط الليرة التركية، حوّل العديد من الأتراك إحباطهم تجاه اللاجئين، ولكن الخطاب الإعلامي كان مغذيًا رئيسًا لهذه التوجه نحو تحميل السوريين مسئولية الأزمة، وحسب نزار فقد أصبح وجود السوريين الشغل الشاغل حتى على مستوى طلبة الجامعة الأتراك الذين يتساءل بعضهم حول كيف أثر السوريون على الاقتصاد التركي؟

«حزب الحركة القومية».. مؤامرة اللاجئين الوهمية

في أحد تصريحاته لصحيفة «تورغون» التركية قال رئيس حزب «الحركة القومية»، دولت بهجلي: «إن الهجرة غير النظامية هي غزو بلا اسم، إنها مؤامرة على هيكلنا الديموغرافي ومن الضروري التحقيق في بصمات القوى العالمية والإقليمية في هذه الهجرة غير النظامية».

وحزب «الحركة القومية» الذي بات حليفًا لحزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، ضمن تحالف «الشعب»، وبالتالي يعد شريكً غير مباشر في حكم البلاد، منذ قرابة خمسة أعوام، تبنى في عدة مناسبات مع الأحزاب التركية ضرورة إعادة اللاجئين إلى بلادهم.

«مهما كنت مستقر رح يضل بالك مشغول على رزقك وأمن أولادك، لأنك صرت أنت محط خطاب عنصري وأنت لا علاقة لك بذلك».. هكذا يلخص نزار محمد وضع السوريين في تركيا، فالخطابات المعادية للاجئين، والتي استثمرت الأحزاب السياسية وخاصة القومية فيها، خلقت تحديات صعبة أمام اللاجئين الذين باتوا يمتلكون الآن آلاف المحلات والمطاعم والأعمال التجارية في كثير من المدن والبلدات التركية، ومن ثم باتوا يخشون على أمنهم ومصالحهم.

Embed from Getty Images
اللاجئون السوريون في تركيا

يضيف نزار محمد، لـ«ساسة بوست»، أنّ: «أبرز الروايات التي يروج لها السياسيون ويصدقها الشارع التركي، تتعلق بمنح الحكومة رواتب للسوريين وقبولهم في الجامعات التركية بالمجان، وإعفائهم من الضرائب، الأمر الذي أدى إلى تأليب المجتمع التركي ضد السوريين».

ووصل الأمر إلى اتهام عضوة المجلس التأسيسي لحزب «الجيد» التركي المعارض، إيلاي أكسوي، اللاجئين بـ»الأمية»، عبر حسابها على «تويتر»، إذ قالت: إن «نحو 70% من السوريين أمّيون» معتبرة أن ارتفاع معدل الأمية لدى اللاجئين السوريين أثر تأثيرًا سلبيًا في مستوى التعليم بتركيا.

«المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» – منظمة غير حكومية تسعي إلى تعزيز حرية الإعلام ودعم حقوق الإنسان مقرها فرنسا – رصد في تقرير له تصاعد خطاب الكراهية وكذلك النبرة الرافضة لوجود اللاجئين في تركيا، والنقاش المتداول في الشارع التركي حول إعادة السوريين القسرية إلى بلادهم، وقال إنه كان لهما كبير الأثر على شعور السوريين برفضهم من طرف الأتراك.

وفي ظل غياب أي دورٍ للحكومة في التصدي لهذا الخطاب أو الحد من تصاعده، أوضح استطلاع لمركز الدراسات التركي في جامعة «قادر هاس» أنّ نسبة رفض الاجئين السوريين بين الأتراك وصلت إلى 87% عام 2019 بعد أن بلغت 86% عام 2018.

حزب «البديل» الألماني.. معادة اللاجئين سُلمًا للسلطة

تأسس حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني الشعبوي في عام 2013 كحزب معارض للعملة الأوروبية المشتركة (اليورو) غير أنه تحول إلى التركيز على معاداة سياسات الهجرة في ألمانيا بعد أزمة اللاجئين في عام 2015 واستطاع الحزب دخول البرلمان الألماني بعد فوزه بحوالي 13% من أصوات الناخبين في الانتخابات الألمانية 2017، مستغلًا أزمة اللاجئين لتحقيق هذا الفوز التاريخي لحزب يميني في ألمانيا.

وتسببت منشورات الحزب على مواقع التواصل الاجتماعي وخطابه المناهض للاجئين السوريين الذين بلغ تعدادهم نحو 800 ألف لاجئ في ألمانيا وفق إحصاءات رسمية، في أحداث فعلية على الأرض ضدهم، إذ حاولت دراسة الربط بينهما عبر جمع بيانات تفصيلية من 14 مصدرًا مختلفا، منها المنشورات والتعليقات في صفحة حزب «البديل» على «فيسبوك» وغيرها.

وخلصت الدراسة التي صدرت في مايو (أيار) 2018، للباحثين كارستن مولر وكارلو شوارتز، إلى وجود علاقة قد تصل إلى العلاقة السببية في بعض الحالات بين خطاب الحزب وجرائم ضد اللاجئين، وفيما يبدو أنّ خطاب الحزب العنصري ومطالبته في البرلمان عدة مرات بالعمل الفوري على إعادة نحو نصف مليون لاجئ سوري إلى بلادهم، حرك الاستخبارات الداخلية الألمانية ضده لتضعه تحت مراقبتها، معللة ذلك أنه ضاعف انتهاكاته للنظام الديمقراطي.

الأمر لم يقف عند الحزب في ألمانيا، ولكن أيضًا على الحدود الأوروبية، فقد خلص تقرير صادر عن «شبكة مراقبة العنف على الحدود (BVMN)»، إلى أن 85% من حوالي 900 شخص تظهر شهاداتهم في التقرير، تعرضوا للتعذيب أو للمعاملة غير الإنسانية أو المهينة من طرف حرس الحدود.

وربط رئيس المكتب التنفيذي للهيئة الوطنية السورية في بريطانيا، المحامي بسام طبلية، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، بين ما يتعرض له اللاجئون سواءً في ألمانيا أو في بقية الدول الأوروبية، بالتحريض السياسي على اللاجئين الذي يصدر عن الشخصيات الفاعلة سياسيًا أو الشخصيات المجتمعية؛ لتحقيق إنجاز سياسي لفريق أو حزب معين.

وأشار بسام طبلية إلى أنّ هذا التحريض يندرج في الدول الأوروبية تحت مسمى الحرية السياسية وهو طريق شائك قانونيًا لا يمكن أنّ يؤدي إلى نتائج قانونية جيدة، ولكن إذا نتج عنه اعتداءات ضد اللاجئين فيمكن أن يخضع للمحاكمة، ومع غياب التمويل لمنظمات حقوق الانسان في هذا الصدد، وخضوع بعض المنظمات لسياسة الدول الداعمة لها، فإن هنالك قصور للدفاع عن اللاجئين، حسب تعبيره.

ويرى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أنّ «الخطابات السياسية غُذيت بالنزعة العنصرية؛ مما سبب الاحتقان الكبير بين اللاجئين والمجتمعات التي تستضيفهم. شيء خطير بأن يصبح ملف إنساني بحت مثل ملف اللاجئين ميدانًا للصراعات السياسية»، وفق وصفه.

من الرئيس حتى البطريرك.. معاداة السوريين تتصاعد في لبنان

أصبح السوريون الشماعة التي يعلق عليها ساسة لبنان فشلهم في ظل الأزمة التي تعصف بالبلاد بسبب عدم وصولهم إلى اتفاق حول حكومة وانتشال البلاد من وضع اقتصادي مزر مستمر منذ سنوات، فلم يفوّت الساسة بداية من رئيس الجمهورية ووصولًا إلى القادة الدينيين، أي فرصة لاستغلال ملف اللاجئين لخدمة مصالحها، فجاءتهم الفرصة على طبق من ذهب.

Embed from Getty Images

جبران باسيل القيادي في التيار الوطني الحر بلبنان

فعلى سبيل المثال حاول وزير الخارجية اللبناني الأسبق، جبران باسيل، تهديد الدول الأوروبية بتوجه نحو مليوني لاجئ سوري إلى أوروبا، وذلك في تصريحات نقلتها قناة «OTV» قال فيها، «لا نغفل واقع وجود مليوني لاجئ ونازح على أرضنا، ولكن قد يسلكون طريق الهروب نحوكم في حال تفتت لبنان»، وجاءت تصريحات باسيل عقب انفجار مرفأ بيروت، الذي زاد من حجم التدهور الاقتصادي في لبنان، في حين حمّل المجتمع الدولي الحكومة اللبنانية مسؤولية الانفجار نظرًا لوقائع الفساد التي ارتبطت بالانفجار.

وقد لجأ نحو 865 ألفًا و531 سوريًا إلى لبنان، وفق التقديرات الأممية، فيما تقول الحكومة إن العدد الفعلي أكثر من مليون ونصف، وهذا العدد يشكل نحو 23% من عدد سكان البلاد البالغ ما يقارب 7 ملايين، وقد عمل الساسة اللبنانيون على توظيف قضية اللاجئين لصالحهم كورقة رابحة، فإلى جانب المساعدات المالية التي تتلقاها البلاد من جهات متعددة فقد اتهم بعضهم السوريين بأنّهم سبب تراكم الأزمات الاقتصادية والمعيشية.

فقد حمّل الرئيس اللبناني، ميشال عون، اللاجئين مسؤولية تدهور الأوضاع في لبنان، وقال خلال استقباله لممثل «المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان (UNHCR)» أياكي إيتو: إنّ «لبنان وصل إلى مرحلة الإنهاك نتيجة تداعيات هذا النزوح».

وفي المراحل الأولى من اللجوء كان «التيار الوطني الحر» وهو حزب رئيس الجمهورية الحالي، الأكثر تطرفًا في العداء للاجئين إلا أن الواقع اليوم صار يشير إلى اتساع دائر كراهية اللاجئين في لبنان، ففي 2019، أشعل حراس محليون النار في ثلاث خيام في مخيم للاجئين في بلدة دير الأحمر شرق لبنان، واشتبك سوريون هناك مع رجال الإطفاء اللبنانيين بعد تأخر سيارة الإطفاء عن الوصول إلى مكان الحريق؛ مما أدى إلى جرح واحد منهم، وإصدار البلدية أمرًا بنقل 400 سوري خيامهم إلى مكان جديد.

وفي 2020 تعرض مخيم «المنية» للحرق كامل مشاجرة جرت بين شبان سوريين وآخرين لبنانين، نتج عنه تشريد 379 لاجئًا سوريًّا، وجميع هذه الأحداث كان سببها التحريض السياسي على اللاجئين، فمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، قالت في تقريرٍ لها بعنوان «عنف متصاعد يستهدف اللاجئين السوريين»: إنّ «بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين حكوميين ألقت باللوم على جميع السوريين في الحوادث الأمنية، وسوف لن ينتج عن ذلك إلا ارتفاع وتيرة أعمال العنف»، وكانت أعلى نبرات التحريض من نصيب وزير خارجية لبنان الأسبق، جبران باسيل، رئيس «التيار الوطني الحر»، والذي دعا في معظم الأحيان إلى ضرورة إعادة السوريين إلى بلدهم.

ومؤخرًا نادى الكاردينال بشارة بطرس الراعي، بطريرك الكنيسة المارونية، بإعادة قسرية للاجئين السوريين، وهذه المرة عبر منبر الفاتيكان، وعلى هامش مشاركته في مؤتمر «الأفخارستي» – وهي سلسلة من المؤتمرات الدينية الكاثوليكية – في العاصمة المجرية «بودابست».

وصرح الراعي بأنّه أوصل صورة لبابا الفاتيكان إلى وجوب إعادة السوريين بشكل إلزامي، إذ لا مكان لإعادتهم طوعيًا إلى سوريا، لأنهم لا يريدون مغادرة لبنان، مشيرًا إلى أنّ البابا نفسه غيّر رأيه بشأن اللاجئين في لبنان، بعد تدخل «الراعي» وشروحاته، واللافت أن إذاعة الفاتيكان لم تنشر التصريحات بأي لغة عالمية بما في ذلك العربية، إذ تنشر أخبارها بـ33 لغة، بل أدرجت هذه التصريحات فقط في نسختها البولندية.

وأظهَر تحليل في سبتمبر (أيلول) 2019، تعاون فيه فريق صحافي من مؤسسة «إنفوتايمز» – منصة تُركِّز على البيانات في المنطقة العربية – مع فريق من المحررين من الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية (سراج)، أنّ الآراء الداعمة للاجئين في لبنان بلغت 30% من الشخصيات اللبنانية المشمولة بالبحث، بينما وصلت نسبة الرافضين لهم إلى 51%، وهو ما يفسر بروز الأصوات التي تنادي بإعادة اللاجئين السوريين ووصفهم بالنازحين.

يقول مدير مركز «حقوق السجين» في نِقابة المحامين في طرابلس، المحامي اللبناني، محمد صبلوح، لـ«ساسة بوست»، إنّه وبعد هذا الكم الهائل من تصريحات الساسة اللبنانيين نحو اللاجئين السوريين، من المفترض على المجتمع الدولي إصدار قوانين دولية تُجرّم التحريض العنصري والطائفي ضد اللاجئين، كون اللاجئ في النهاية هو شخص ضعيف خرج من بلده رغمًا عنه.

ولم تستطع الأمم المتحدة غض بصرها عن التصريحات اللبنانية ضد السوريين، لذا أوصت في تقريرٍ صدر 2020 عن اللاجئين السوريين في لبنان، الحكومة اللبنانية بإنهاء الممارسات التمييزية ضد اللاجئين السوريين، مثل عمليات الإخلاء الجماعي وحظر التجول، خاصةً مع الصعوبات الشديدة التي يواجهها اللاجئون في ظرف الأزمة الاقتصادية والمالية القاسية التي يشهدها لبنان كله.

«الحشد الشعبي».. عقبة أمام راحة السوريين في العراق

لا توجد حالات موثقة حول انتهاكات المليشيات الموالية لإيران في العراق ضد اللاجئين السوريين، ولكن اللاجئ السوري علي عبيدة – اسم مستعار – المنحدر من مدينة دير الزور السورية، ويعيش في العاصمة العراقية بغداد، قال لـ«ساسة بوست» إنّه «أجبر على تعلم اللهجة العراقية الصعبة».

تعلم عبيدة اللهجة العراقية لسببين: الأول، لممارسة عمله بسلاسة، لا سيما وأنّ عناصر الحشد الشعبي منتشرون في بغداد، وهو ينحدر من عائلة تعتنق المذهب السلفي، ويخاف أنّ يؤثر ذلك عليه بسبب اعتبارهم أنّ «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» كان يتخذ من مدينته (دير الزور) معقلًا له.

Embed from Getty Images

مخيمات للاجئين سوريين

ويضيف عبيدة، والسبب الثاني هو أنّ «السوري في العراق يعاني من عدم قدرته على العمل كون أنّ سلطات البلاد لا تسمح للاجئين بالعمل إلّا في الاعمال الزراعية أو الإنشائية، وجميع من يعمل خارج هذا النطاق يعتبر مخالفًا وقد يجري تسفيره إلى سوريا حال القبض عليه».

ولم تخف قوى «الحشد الشعبي» دعمها للنظام السوري، وأعلن قادة الحشد استعدادهم للتوجه نحو سوريا بعد تحرير الموصل لمؤازرة جيش النظام، كما رصدت تقارير صحافية في العام الماضي دخول عناصر من الحشد إلى سوريا عبر مدينة البوكمال السورية، وتمركزت في معسكر للمجموعات التابعة لإيران، شمالي مدينة دير الزور.

يعيش في العراق ما يقارب من ربع مليون لاجئ وطالب لجوء من السوريين ، في ظل ظروف معيشية قاسية منذ اندلاع الأزمة الإنسانية في سوريا؛ إذّ أفادت الأمم المتحدة، أنّ 60% من أسر اللاجئين قللت من المقادير الإجمالية لاستهلاك الغذاء، وأصبحت تعتمد على الديون التي غدت تتراكم، وأن ثلث هذه الأسر تقريبا تعيش على المساعدات الإنسانية النقدية.

ويؤكد عبيدة، أنّ «الأمان فقط في مناطق إقليم كردستان، أما في بقية المحافظات فإياك أنك تقول إنك سوري، لأنو أصغر ولد بالحشد الشعبي ممكن يخفيك عن الوجود، مشان هيك فرض علينا نتقن اللهجة العراقية».

الأردن.. تحميل اللاجئين عبء الأزمة الاقتصادية

يتطرق اللاجئ السوري، في الأردن نذير محمد، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أنّ تجربة العيش في الأردن تعدّ الأفضل من بين الدول التي قصدها السوريون، ولكن لم تخل الحياة داخل المملكة من سؤال أهل البلد عن موعد عودة السوريين، وبرز ذلك بعد الانفتاح الذي حدث مؤخرًا بين الأردن وسوريا، والذي تكلل باتصال بين رئيس النظام السوري بشار الأسد وملك الأردن عبد الله الثاني.

ويقول محمد المنحدر من مدينة درعا: إنّ الأردن لا توجد به خطاب كراهية من قبل الساسة مثلما في لبنان وتركيا، ولكن الشعب الذي يعيش أزمة اقتصادية، يظن أنّ اللاجئ السوري يحظى بتمويل مالي دولي لا ينقطع.

ويصف محمد، «لما تحكي مع أردني بكون السؤال، شو عملتوا ببلدكم، ذبحتوا بعض»، وهذا الحديث يوجه لنحو 702 ألف و506 لاجئ سوري مسجلين لدى الأمم المتحدة في الأردن، بينما تقدر عمان عدد الذين لجأوا إلى المملكة منذ اندلاع النزاع في سوريا بأكثر من مليون سوري.

ويحظى بشار الأسد ونظامه بمناصرة بعض وجوه النخبة السياسية، مثل الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب، سميح خريس، الذي اتخذ من شعار «الأردنيون عرب سوريون»، بعد زيارته لدمشق عام 2016، ولقائه الأمين القطري المساعد لحزب البعث الحاكم في سوريا، هلال الهلال.

والأمر نفسه مع زيد النابلسي، عضو اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، إذ كثير ما امتدح النظام السوري على حسابه الشخصي، ولم تقتصر مساهمات النابلسي في الشأن السوري على التأييد السياسي للنظام، بل وصل الأمر إلى دعوته للاجئين السوريين المعارضين للنظام إلى الانتحار من فوق جسر عبدون، لكن وسم إقالة النابلسي عقب تعيينه بلجنة الإصلاح السياسي الذي شكلها الملك الأردني، الذي تصدر موقع «تويتر» في يوليو (تموز) 2021، أجبره على حذف جميع التغريدات التي تخص السوريين.

وخلال حديث «ساسة بوست»، مع جميع الذين التقتهم وجهنا سؤالًا مفاده، هل يمكن لخطابات الكراهية أنّ تجبر اللاجئين على العودة إلى بلادهم، لا سيما أنّ الأزمة أمضت عقدها الأول دون حل يذكر؟ فكان رد المساهمين بأنّ ذلك ليس ببعيد.

ويعتقد علوان، بأنّ اللاجئين يعانون حاليًا من العنصرية وأزمات نفسية، الأمر الذي يعطل اندماجهم داخل المجتمعات التي تستضيفهم، بالرغم من أنّهم جزء من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بلدان اللجوء، ومع ذلك فإنه لا يمكن مهما حصل من تجيش ضد اللاجئين أنّ يعود الجميع إلى بلادهم، مع هشاشة الوضع الاقتصادي وبقاء النظام السوري؛ إذ إنّ العودة ستبقى محدودة على الأقل في المدى القريب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد