في العقود الأخيرة، ووسط كم من الصراعات السياسية التي نشأت داخل منطقة الشرق الأوسط، وظهور فاعلين جُدد من رحم ديكتاتوريات الأنظمة العربية، برزت سياسة جديدة للاعبين الرئيسيين في الإقليم، تسير في اتجاهين متضادين، ساعية نحو حصد أكبر كم من الأرباح.

ومن أجل سعي هؤلاء الفاعلين لحماية الصورة العامة لشرعية أنظمتهم أمام جمهورها، روجت لاتجاه من سياساتها عبر الآلة الإعلامية التابعة لها، ونفذت الأخرى خلف الأبواب المغلقة، بعيدًا عن عيون وسائل الإعلام.

في التقرير التالي، نرسم صورة عامة لأبرز هذه النماذج التي أسست لهذه السياسة داخل منطقة الشرق الأوسط، ونستوضح كلا الوجهين لها، وأدوات كُل منهم في فعل ذلك.

بشار الأسد يُحارب «داعش».. ويُسير مصالحها التجارية

ظلت الصورة الرائجة التي يرسمها نظام بشار الأسد لنفسه، دفاع قواته ضد بقاء «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، والترويج لنيل «داعش» دعمًا أمريكيًّا لمهاجمة قواته على مدار السنوات السابقة، من أجل استعادة سوريا حرة، كما يكرر دومًا في مقابلاته التلفزيونية.

ففي مقابلة لبشار الأسد مع قناة تلفزيونية، أشار إلى أن: «في كل مرة هاجمت الولايات المتحدة قواتنا في منطقة ما، كانت «داعش» تهاجم قواتنا في الوقت نفسه وتستولي على تلك المنطقة». غير أن صور المعارك العسكرية التي يتباهي بها كلا الطرفين لانتصارات كُل جهة على الأخرى، يوازيها صور أخرى ليست منشورة، أو مُذاعة كما هو الأمر بالنسبة لصور المعارك العسكرية بين قوات الأسد، و«داعش».

تبرز هذه الصورة الأخرى في انعقاد الصفقات التجارية بينهما، بعيدًا عن عيون وسائل الإعلام، والتي كانت أبرز مؤشراتها سماح نظام الأسد للمصارف المركزية الواقعة في مناطق خاضعة لسيطرتها، بالاستمرار بتقديم الخدمات للفروع الواقعة في مناطق تحت سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية»، على خلاف السلطات العراقية التي أغلقت هذه الفروع، وأوقفت تعامل المصارف المركزية معها.

ويُقدر عدد فروع المصارف السورية العاملة في مناطق خاضعة لـ«داعش» أكثر من 20 مؤسسةً ماليةً سوريةً، والتي لا تزال متّصلة بمقرّاتها الرئيسة في دمشق. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل السماح للمصارف بخدمة الفروع الواقعة في مناطق سيطرة «داعش» من أجل تعزيز مصالحه التجارية مع «الدولة الإسلامية».

وتأكد ذلك بعدما وقع الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) 2015، عقوبات على رجل أعمال سوري، تربطه علاقات وثيقة بدمشق، إثر قيامه بدور الوسيط في صفقات كان يبرمها النظام لشراء النفط من تنظيم «داعش».

وأشار تقرير الاتحاد الأوروبي إلى أن حلقة الوصل رجل الأعمال السوري المُقرب من نظام الأسد، الذي عمل وسيطًا في عقود نفط بين سوريا، و«داعش»؛ وأشار كذلك إلى أن جورج حسواني يقدم مساعدة للنظام ويستفيد منه، عن طريق دوره الوسيط في اتفاقات من أجل شراء النظام السوري النفط من «داعش»، مضيفًا أن: «له علاقات وثيقة بالنظام السوري».

ويُفرج عن الجهاديين ثم يُقاتلهم

في السنوات الأولى للثورة السورية، كانت خطة بشار الأسد قائمة على أكثر من محور؛ بهدف الالتفاف على مطالبها المشروعة والسلمية في الحرية وتداول السلطة، والتي كان على رأس هذه المحاور، الاستخدام المُفرط للعنف بكُل وسائله، في محاولة لإخماد هذه الاحتجاجات التي انتشرت في كافة المدن السورية.

مع فشل خيار استخدام العنف الذي عممه بين قواته لإخماد التظاهرات التي تُطالب بعزله، واستنزاف آلة القمع التي أطلقها تجاه كُل معارضٍ له، انتقل الأسد لتوظيف المحور الثاني، وهو الإفراج عن آلاف الجهاديين من سجونه، في محاولة منه لاستخدام مشهد هؤلاء وهم يتظاهرون، ليصور للعالم الخارجي أن الاحتجاجات ليست من أجل مطالب الحرية، أو العدالة الاجتماعية، بل «ثورة إسلامية».
أعاد الجهاديون بناء أنفسهم في تنظيمات مُسلحة، ودخلوا بعد ذلك في حرب مفتوحة أمام قوات الأسد، وهو الأمر الذي سعى إليه، لتوظيف ذلك للدخول في مساومات إقليمية ودولية على حساب تلك المواجهات، واستخدام فزاعة التكفيريين، لصالح تثبيت حكمه عبر شبكة الرعاية الإقليمية والتفاهمات الدولية له.

أمريكا تحارب «داعش» وتؤمن هروب عناصرها!

في 7 أغسطس (آب) عام 2014، أسست الولايات المتحدة الأمريكية، مع أكثر من 20 دولة، تحالفًا لمحاربة «داعش»، ووقف تقدمه في العراق وسوريا بعدما سيطر التنظيم على مساحات شاسعة في البلدين. تبع ذلك سلسلة هجمات وغارات جوية على مناطق تمركز «داعش» في سوريا، وإرسال قوات خاصة إلى مناطق تواجدها، ظلت في مواجهة عسكرية محتدمة إلى فترة قريبة.

لكن بالتزامن مع تلك الهجمات والمعارك العسكرية المحتدمة التي تنقلها القنوات التلفزيونية، ووكالات الأخبار، ويصدر بشأنها بيانات رسمية حول نتائجها بكُل اللغات، كان هُناك باب خلفي للتنسيق والاتفاقيات في الغرف المُغلقة. كانت اتفاقية خروج عناصر «داعش» من معقلهم الرئيسي مدينة الرقة، بتأمين جوي أمريكي، هي العنوان الرئيسي لهذا التنسيق الخفي، الذي أتت تفاصيله كافة بعد أربعة أشهر من القتال بين قوات التحالف، وعناصر «داعش».

«مهمات الرقّة السرية» كان هذا العنوان الأبرز لهذه الاتفاقية، والتي كشف تحقيق صحافي نشره موقع BBC تفاصيلها، التي أشارت لتأمين التحالف الذي تقوده أمريكا لفرار المئات من مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية وأسرهم، فضلًا عن أطنان من الأسلحة والذخائر من مدينة الرقة السورية.
وتمثل دور التحالف في عقد الاتفاق مع داعش، إلى جانب تأمين طائراته هؤلاء العناصر من خلال تحليقها المستمر فوق الرتل وتتبعه، إلى جانب إلقائها قنابل إنارة أضاءت الطريق الذي كانت تسير فيه الشاحنات.

وربما تبدو هذه التفاصيل تناقض ما ذكره وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، جيمس ماتيس، الذي وصف في مايو (أيار) الماضي الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية بأنها «حرب إبادة»، وأوضح ذلك قائلًا: «نيتنا ألا ينجو المسلحون الأجانب من المعركة، ويتمكن من العودة إلى مواطنهم في شمال أفريقيا وأمريكا وآسيا وأفريقيا عمومًا. لن نسمح لهم بذلك».

«ذي إنترسبت»: هكذا صنعت أمريكا داعش بـ3 قرارات فقط!

الإمارات تُحرض على إيران وتستحوذ على صادراتها

في ظل المواقف المتشددة التي تندفع بها الإمارات تجاه إيران، وتبعات هذه المواقف من تحريض إعلامي مستمر من جانب مسؤوليها، وتحركات علنية يقودها مندوبها في واشنطن يوسف العتيبة، لدفع واشنطن نحو حرب مفتوحة تجاه إيران؛ ومشاركة أبوظبي في التحالف العربي الذي يحارب الحوثيين -حلفاء طهران- في اليمن، ترتسم صورة ذهنية لدى المتابع عن قطيعة كاملة بين الدولتين، وتذهب التصورات إلى ما هو أبعد من ذلك، من أن التصعيد القائم والخصومة بينهما عصية على الحل.

كان آخر محطات هذا التصعيد التاريخي بين البلدين تعرض أربع سفن تجارية لعمليات تخريب قرب إمارة الفجيرة الإماراتية، أحد أكبر مراكز تزويد السفن بالوقود في العالم، والتي تقع خارج «مضيق هرمز» مباشرة، وقد أعلن الحوثيون، المُتحالفون مع إيران، مسؤوليتهم عن الحادث. غير أن هذه الصورة يقابلها مشهد آخر في الغرف المغلقة، وعلى طاولات التفاوض بعيدًا عن عيون وسائل الإعلام، تُشكل المصالح العامل الرئيسي في استمرارها.

ولعل مراجعة أرقام التبادل التجاري التي بلغت نحو 11 مليار دولار العام قبل الماضي (6.5 مليارات دولار صادرات إماراتية، و4.5 مليارات صادرات إيرانية) مؤشرًا كافيًا لهذه الصورة المُغايرة التي تغلُب عليها مفردات التصعيد والحرب والانتقام.

هذه الأرقام التي تُعد مؤشرًا على ارتفاع حجم المصالح التجارية بين البلدين؛ جعلت الإمارات تستحوذ على 90% من حجم التجارة بين دول الخليج، وإيران، على مدار السنوات العشر الماضية.

وعلى مدار الفترة بين 2011 إلى 2015، تجاهلت أبوظبي العقوبات الأمريكية التي تحظر شراء النفط الإيراني، بعدما أبرمت «شركة إينوك» الإماراتية صفقات شراء طويلة الأمد حصلت بموجبها على مئات الآلاف من براميل النفط الإيراني يوميًّا، بمتوسط 127 ألف برميل يوميًّا في المتوسط.

وتدعم تحالفًا ضد الأسد وتُساهم في مشاريع الإعمار المسؤول عنها

كانت الإمارات على رأس الدول التي أيدت استخدام الحل العسكري ضد نظام الأسد، في السنوات الأولى للثورة السورية، وروجت إلى أن استبداده وتوسعه في القتل والقمع كان أحد أسباب ظهور «داعش» واستمراره؛ لتبدأ في تسويق فكرة إطاحة نظام الأسد عبر تقديم دعم عسكري ومالي لفصائل من «الجيش السوري الحر»، وأبرزها فصيل «الجبهة الجنوبية»، الذي خضع لسيطرة كاملة من جانب أبوظبي. كما لعبت دورًا في تسويق الجيش السوري الحر، عبر نشر أخباره على صفحات وسائل الإعلام المملوك لها، وإبراز أدواره في حصار العناصر المدعومة إيرانيًّا.

وبحسب تقرير صادر عن مركز «كارنيجي» للأبحاث والدراسات السياسية، فالإمارات تُعد «بمثابة مركز مالي ولوجستي مهم للمعارضة السورية، وقد اتخذت إجراءات ضدّ الشيعة الذين يتّخذون من الإمارات مقرًا لهم، وضدّ اللبنانيين المغتربين الذين يُعتقد أنهم يزوّدون الأسد وحزب الله بالأموال».

كانت هذه الصورة الرسمية التي سعت الإمارات إلى تقديمها عن نفسها، في السنوات الأولى للثورة السورية، خصم لنظام الأسد ورافضة استمراره في السلطة. ومن أجل ذلك؛ فهي تدعم عناصر مُسلحة ضده، بينما يُماثلها صورة أخرى بدت تفاصيلها بعيدة عن الإعلام الرسمي، تمثلت في حرص أبوظبي على عقد الصفقات المالية الكُبرى مع نظام الأسد، عبر مد قنوات اتصال خلفية مع ممثلين له.

يعد مشروع «ماروتا سيتي» التتويج الرسمي لهذه المساعي الإماراتية خلف الأبواب المُغلقة، فبحثًا عن حصة في مشاريع إعادة الإعمار السورية، نظمت شركات إماراتية مثل شركة داماك (DAMAC) عدة زيارات استطلاعية بهدف مُعاينة المشروع، خصوصًا أنه يسمح للشركات بوضع يدها على أراضٍ ذات قيمة كبيرة وسط العاصمة دمشق لسنوات كثيرة.

رغم العداء «الظاهر» بينهما.. كيف تتناغم سياسة الإمارات مع مصالح الحوثيين في اليمن؟

شخص آخر سعت الإمارات لاحتضانه بين مدنها، واستضافت أبرز أنشطته المالية، بهدف الاستمرارية في مسارها الساعي نحو عقد الصفقات التجارية، وهو سامر فواز، الذي تحول في غضون سنوات لأيقونة الاستثمار داخل سوريا وخارجها بتسهيلات حكومية، وصلاحيات مفتوحة، وبدعم مباشر من بشار الأسد.

إذ اتخذ سامر من دبي مقرًا لمزاولة أنشطته المالية التي يندرج تحتها جزء رئيسي من استثمارات نظام الأسد، الذي وجد في فواز الواجهة الأمثل لسد الفراغ في قطاع الاستثمار الحكومي، في أعقاب العقوبات الغربية المفروضة تجاهه، وذلك من خلال منح وزارة التجارة العام الفائت حصريًّا، شركة لإنتاج السكر، والتكفل بشراء صفقات قمح من الخارج على حسابه الخاص، ومن ثم تسليمها للحكومة.

وبينما اتخذت الإمارات من سامر سُلمًا لعقد صفقات تجارية، بعدما شاركت في عداء نظام الأسد عبر تقديم دعم مالي وعسكري للفصائل التي تواجهه، كانت أدوار سامر متجاوزة استخدامه غطاء لاستثمارات نظام الأسد، فقد كان مُساهمًا في تمويل «قوات درع الأمن العسكري»، وهي قوّة شبه عسكرية تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية، وتحسين صورة النظام عبر تأسيس «جمعية الفوز الخيرية»، كي تنشط في تقديم المنح والمساعدات في مناطق اللاذقية ومحيطها الريفي.

مصر تدعم حفتر وتأخذ نصيبها من كعكة إعمار ليبيا من حكومة الوفاق

حضرت مصر في الأزمة الليبية بشكل أكثر فاعلية، عبر صورتين متناقضتين، برزت منها صورة تحولت إلى عنوان رئيسي لإدارة مصر لسياستها الخارجية تجاه الأزمة الليبية، عبر الجهر رسميًّا بدعم قوات المُشير خليفة حفتر في حربهم ونزاعهم العسكري مع حكومة الوفاق التي يقودها فايز السراج، والتي تطورت للمُشاركة بقوات مصرية دعمًا لحفتر؛ لحسم هذا النزاع لصالح الأخير من خلال تنفيذ الغارات الجوية الداعمة لتحركات قواته.

كان أحد مظاهر هذا الدعم هو انطلاق طائرات حربية مصرية من «قاعدة محمد نجيب العسكرية» بالتنسيق مع قوات خليفة حفتر، واستخدامها في توجيه ضربات قرب مطار طرابلس الدولي، ومطار معيتيقة الدولي، ووفقًا لموقع «فلايت رادار 24»، فقد تم رصد تحركات طائرات الحرب الإلكترونية المصرية «سي-130 هيركليز»، و«سيسنا 680» التابعة للمخابرات المصرية، في أجواء البحر المتوسط بالقرب من العاصمة الليبية طرابلس. ذلك النجاح والدعم المصري لقوات حفتر، لخصه المشير الليبي قائلًا: «لولا السيسي لما استطعنا الوقوف على أرجلنا ومواجهة الإخوان في مصر وليبيا».

غير أن اشتراك مصر في القتال الدائر ضد قوات السراج، يقابلها وجه آخر يتعلق بمساعي مصر لحجز نصيبها في كعكة إعادة إعمار ليبيا، عبر نسج قناة خلفية مع السراج للتنسيق بشأن هذا الملف، متجاوزة في ذلك وجهها الداعم لحفتر.

وبحسب تقديرات «صندوق النقد الدولي»، فإن عملية إعادة إعمار ليبيا قد تصل إلى 200 مليار دولار، وقد تمتد إلى 10 سنوات، وهي الصفقة الرابحة التي سُرعان ما انتزعتها مصر من حكومة الوفاق، التي تعهدت على لسان وزير ماليتها أن تكون الأولوية للشركات المصرية في عملية الإعمار، بالاستعانة بقطاعات التشييد والبناء والكهرباء، والتي يفوق تعدادها 500 شركة مصرية، تُشكل الشركات التابعة للجيش المصري، النسبة الأكبر منها.

بعيدًا عن نتائج المعركة العسكرية.. لماذا تدعم مصر والإمارات والسعودية حفتر؟

المصادر