فلاديمير بوتين يمكن أن يكون الهدية المثالية لرئيسٍ أمريكيٍّ بحاجة ماسة إلى عدوّ

بينما أستمع إلى خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما في بروكسل مؤخرًا، وجدتُ نفسي أفكر: “لقد استعاد صوته مرة أخرى”، زارني هذا الخاطر في اللحظة التي أذاع فيها عبارة “نحن نؤمن” كأداة بلاغية للتأكيد على شمولية الإيمان في حرية التعبير والأسواق الحرة و”نظام دولي يحمي حقوق كل الأمم والشعوب”.

أوباما زعيم يحركه الإيمان، لكن الشهور الماضية قدمت له القليل من الفرص ليقدم معتقداته للعالم. والآن، فجأة، أصبح لديه دافعًا، وبدوري أتساءل عما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ذو المواهب الإستراتيجية المميزة مقارنة بأوباما، ينظر إلى الرئيس الأمريكي كهدية هائلة، فالقادة يحتاجون إلى العقبات، والأفضل من ذلك، إلى الأعداء.

الرئيس بيل كلينتون، الذي حكم أمريكا في أوج قوتها، لم يكن لديه خصم يظهر معدنه، وبوش الذي سبقه كان محظوظًا لأنه كان لديه صدام حسين، وبوش الذي خَلَفه كان لديه أسامة بن لادن، وهل هناك أفضل من ذلك؟! بالطبع، الفرق بين البوشَيْن، الأب والابن، يُظهِر أن الرئيس بإمكانه استخدام المواجهة الأخلاقية لتوحيد الأمة والعالم، أو تقسيمهما، فَقَد جورج بوش الثاني مصداقية الأخلاقية الأمريكية؛ بخفضها إلى مستوى شعار رعاة البقر “إما أن تكون معنا أو ضدنا”، أما أوباما، حين كان مرشحًا رئاسيًّا، فثبت قدميه بنقاش مع هيلاري كلينتون، أكد فيه أنه – على عكس بوش أو كلينتون – سيتحدث مع أي منافس أمريكي دون شروط مسبقة، إنه رجل الدول النزيه المستعد للاستغناء عن وضعه الأخلاقي من أجل إيجاد مصالح مشتركة.

وهكذا ولدت “التشاركية”، كنموذج للسياسة الخارجية المهيمنة على السنوات الأولى لحكم أوباما، لكن مع مرور الوقت اكتشف أوباما القيود المفروضة على إيجاد أرضية مشتركة؛ حيث رفضت القيادة الإيرانية مبادراته؛ ولم يجبرها على التفاوض بشأن برنامجها لتخصيب اليورانيوم سوى تشديد قبضة العقوبات باستمرار، وفي العالم العربي، تعثرت هذه التشاركية بفعل تناقضات أوباما الخاصة؛ لأنه كان مجبرًا على الاختيار بين التعامل مع الأنظمة، أو التعامل مع الشعوب التي تحتقر هذه الأنظمة. صحيح أن “إعادة ضبط الأوضاع” مع روسيا، آتت أُكُلها في أول عامين من حكم أوباما، لكنها تراخت قبل وقت طويل من إطلاق بوتين كلاب صيده في أوكرانيا، وهكذا دواليك…

الأسوأ من ذلك كان الربيع العربي – الذي كانت في البدء مصدرًا للآمال العظام – بتوريطه أوباما في نزاعات مشئومة دون وجود حلول أخلاقية مرضية، ففي سوريا، أقنع البيت الأبيض نفسه بأن دعم المتمردين بجدية سيضر أكثر مما ينفع، لكن من خلال حجب هذا الدعم ساعد في إيجاد وضع لا يمكن إنقاذه. حتى المشهد المصري، وإن كان أقل وحشية، فإنه محير بالقدر ذاته، ذلك أن الحكومة الإسلامية المنتخبة ديمقراطيًّا التي دعمتها الإدارة الأمريكية انقلب عليها الشعب المصري بشكل جماعي.. ذات الحشود التي دفعت من دمائها وأرواحها ثمنًا للإطاحة بالدكتاتور العسكري، تبنت توجهًا جديدًا.

ومرة أخرى، مع من ينبغي لأمريكا أن تقف؟ حتى محور آسيا، أكبر مشروع للسياسة الخارجية حظى بحملة ترويجية في العالم، بدا أنه يهدف للتخلي عن هذه المنطقة الملتهبة المعذبة من أجل المرتفعات الباردة في الدول ذات السيادة التي عقدت عزمها على زيادة ناتجها المحلي الإجمالي (وتفادي طموحات الصين المتنامية).

في هذا الخضم تدخل بوتين.. وأملى شروط السباق، جاعلاً رد فعل الولايات المتحدة وحلفائها يبدو ارتجاليًّا، إنه “الضعف” الأوباميّ الذي يواجهه الجمهوريون ميدانيًّا كل يوم، لكن إذا غزا بوتين شرق أوكرانيا، سوف تصبح الحرب الباردة المريرة مبررة تمامًا، ومع ذلك، أظن أنه لا شماتة بوتين ولا استهزاء السناتور جون ماكين سوف تستمر؛ لأن الرئيس الروسي هو السيف الذي لطالما انتظر أوباما مبارزته.

وكما أعلن أوباما، فإن ضم شبه جزيرة القرم انتهك حقوق “كل الأمم والشعوب”؛ مما أثار غضب دول آسيا فضلاً عن الديمقراطيات الليبرالية، وقد سعى بوتين إلى إعادة عجلة التاريخ من خلال إعادة رسم الحدود بعد تسويتها، وسعى لخنق الانتفاضة الديمقراطية الشاملة في أوكرانيا، واستخدم التخويف والكذب. (إنه حقًّا الشرير المناسب بقدر ما كان صدام).

ربما تمثل هذه لحظة محورية جديدة لأوباما؛ الذي اتخذ بالفعل زمام المبادرة في فرض عقوبات على روسيا، بموازاة تنسيق رد فعل عالمي على ضم شبه جزيرة القرم. فمَن غير الولايات المتحدة بإمكانه تجهيز رد فعل عسكري ودبلوماسي واقتصادي على استفزاز روسيا؟

ما يجعل بوتين المنافس الشرير الأنسب لأوباما، هو أنه يقدم هدية بمناقشته الأفكار الكبيرة في الفضاء العام، ما يُظهِر البوتينية باعتبارها فكرة سيئة يجب أن يتصدى لها شخص جيد، وبينما من السهل جدًّا التنازل على اعتبار أن روسيا لديها “مصالح مشروعة” في أوكرانيا، فإن أوباما يحتاج إلى أن يثبت في الوطن أركان مبدأ أنه لا يمكن لأمة أن تحدد مصلحتها بطريقة تسمح لها بانتهاك المعايير الدولية.

ويمكن لأي شخص قرأ إستراتيجية أوباما للأمن القومي معرفة أن أكثر ما يؤمن به الرئيس الأمريكي بعمق هو القانون والمؤسسات الدولية، وقد أسدى بوتين خدمة جليلة حين ذكَّر العالم بأهمية النظام الدولي القائم على القواعد. وأمام أوباما فرصة سانحة لارتداء هذا الثوب، لكنه إذا قرر فعل ذلك سيضطر للحديث مع الشعب الأمريكي أيضًا، لأن الولايات المتحدة كما تؤيد هذا النظام فإنها أحيانًا تهدده. على سبيل المثال، بفضل الجمهوريين في مجلس النواب فإن الولايات المتحدة هي الآن الدولة الرئيسية الوحيدة التي رفضت تأييد إصلاحات في صندوق النقد الدولي من شأنها أن تزيد من سلطة البلدان الناشئة.. في ظل رفض المحافظين قبول أن حقوق التصويت الأمريكية في هذه المؤسسة يجب أن تتقلص بشكل متواضع لتعكس القوة المتنامية للدول الأخرى.

وقد حان الوقت للتفكير في أن إقناع الشعب الأمريكي بمزايا النظام الدولي القائم على القواعد ستكون المهمة النبيلة الأخرى لأوباما خلال الثلث الأخير من فترة ولايته. وبإمكانه أن يبدأ أكثر تواضعًا من خلال إقناع المواطنين بأن العالم خارج حدود “الوطن” هو مكان للفرصة، كما التهديد. وأن الولايات المتحدة تدافع عن شيء ما في هذا العالم. وربما كان الأمر يحتاج فلاديمير بوتين ليذكرنا بذلك.

عرض التعليقات
تحميل المزيد