عندما نسمع بمصطلح «الطاقة المتجددة» يتبادر إلى أذهاننا أهداف الطاقة النظيفة وحماية البيئة والاعتماد على مصادر طاقة مستدامة، ولكن في دول تشهد حروبًا طاحنة تكون الطاقة المتجددة خيط النجاة من الموت لكثير من ضحايا الحرب والمتأثرين بها.

تستمر بعض النزاعات والحروب لعقود طويلة وتدمر معها البنى التحتية اللازمة للحياة اليومية، أهمها بنى إنتاج الطاقة، ولذا تطوّر توجه لإيجاد حلول بديلة للطاقة في مناطق النزاعات بشكل خاص.

ونستعرض في هذا التقرير كيف استخدمت تقنيات الطاقة المتجددة في مناطق ضربتها الحرب في الشرق الأوسط، من سوريا إلى اليمن، وقطاع غزة المحاصر، وأخيرًا في أفغانستان البلد الذي خاضت فيه الولايات المتحدة أطول حروبها.

في اليمن: 50% من الشعب يعتمد على الطاقة الشمسية

افتقر اليمن للثروات النفطية الكبيرة التي تمتّعت بها جاراتها من دول شبه الجزيرة العربية، ومع الثورة اليمنية في 2011، ثم اندلاع الحرب الأهلية في البلاد، ودخول أطراف إقليمية مختلفة فيها: إيران والسعودية، تفاقمَ الوضع الاقتصادي والإنساني في اليمن ليشهد شعبها اليوم واحدة من أخطر المجاعات في العصر الحديث.

دمرت النزاعات البنية التحتية لليمن، بما في ذلك مصادر الطاقة، وتشير التقارير إلى أن 10% فقط من الشعب اليمني لديهم وصول للكهرباء.

ويُظهر تقرير للبنك الدولي نُشر في منتصف عام 2018 أنّ الاعتماد على الطاقة المتجددة في اليمن في ازدياد، وبالأخص الطاقة الشمسية، إذ وصلت نسبة مستخدمي الطاقة الشمسية في اليمن إلى 50% في المناطق الريفية، وتزداد النسبة في المدن لتصل إلى 75%.

Embed from Getty Images

من اليمن: ألواح طاقة شمسية مركّبة على مبنى في مدينة إب 

ولكن لماذا الطاقة الشمسية، وليس طاقة الرياح التي قد تكون أقل كلفة؟ السبب الأساسي في ذلك هو الموقع الجغرافي لدولة اليمن ومناخها الذي ميزها بطقس مشمس حار؛ ما يجعل الاعتماد على الطاقة الشمسية مثمرًا أكثر من استعمال طاقة الرياح التي تتطلب مستوى معينًا وثابتًا من سرعة الرياح وهو ما لا يتوفّر في الموقع الجغرافي لليمن.

السبب الثاني لهذا التوجه هو تضاعف أسعار الوقود الحيوي في اليمن ثلاثة مرات في الفترة بين عامي 2010-2016، ومن المعروف أن الوقود هو المحرك الأساسي لمولدات توليد الكهرباء، سواء التي تستخدمها الحكومة لتوليد كميات ضخمة، أو المولدات الصغيرة التي تُسخدم على نطاق ضيق في المنازل والمحال التجارية والمباني التي لا تصلها خدمة الكهرباء بشكل كافي ومستمر، وأشار أحد المزارعين في تقرير البنك الدولي إلى أنه تمكن من توفير حوالي 65 ألف دولار أمريكي سنويًا بعد اعتماده على الطاقة الشمسية، بدلًا عن الوقود الحيوي لتشغيل محركات الري الزراعية.

نظام توليد طاقة شمسية في إحدى المزارع اليمنية. مصدر الصورة: هيىة التعاون الإستثماري الدولي

شجعت ظاهرت استعمال الشعب اليمني للطاقة الشمسية عددًا من المؤسسات الدولية لتعمل على توفير دعم مالي واستثماري في هذه المشاريع، فعلى سبيل المثال اختار البنك الدولي دولة اليمن لكي تكون ضمن مشروعه الإستثماري للطاقة الشمسية في الدول التي تعاني شعوبها من أزمة الكهرباء بسبب النزاعات والحروب، وتبلغ قيمة الإستثمارات للبرنامج ككل 5 مليارات و400 مليون دولار في مشاريع الطاقة الشمسية، وشجّع البنك جهات أخرى لتوفير استثمارات تصل قيمتها إلى 5 مليارات و200 مليون دولار أمريكي، ومولت هذه الاستمثارات 824 مشروعًا للطاقة الشمسية، بما في ذلك 406 محطات لضخ المياه في الأراضي الزراعية لتلبية الاحتياج الغذائي في عدة دول مختلفة، من بينها اليمن.

تقرير عن استخدام ألواح الطاقة الشمسية في اليمن

وعلى صعيد المشاريع التنموية، أطلق البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عام 2019 مشروع «صديقات البيئة»، ولم نستطع التحقق من حجمه المالي، ولكن يستهدف المشروع إفادة أكثر من مليون و300 ألف مواطن يمني، ومن المخطط أن يدعم 400 مستشفى ومنشأة صحية، بالإضافة إلى 800 مدرسة، ويتمثل المشروع في إدارة محطة لإنتاج الطاقة الشمسية في عدن بإدارة فريق نسائي بشكل كامل، بدءًا من قارئات عدادات المنازل إلى مديرة المشروع.

في قطاع غزة.. الشمس تحارب الحصار الإسرائيلي

أصبح الوصول للكهرباء والطاقة اليوم حقًا إنسانيًا أساسيًا تتعطّل الحياة اليومية بدونه، وهو من الحقوق التي يحاول الاحتلال الإسرائيلي حرمان الفلسطينيين منها، وبشكل خاص سكّان قطاع غزة المحاصر.

تفاقمت أزمة الكهرباء بشكل كبير في يونيو (حزيران) عام 2006 عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية محطة توليد الكهرباء في غزة ودمرتها بالكامل، ومع محاولة الفلسطينيين لإصلاحها قصفتها إسرائيل مجددًا عام 2008، ثم في عامي 2011 و2014.

القصف الإسرائيلي للمحطة اليتيمة في غزة عزّزت أثره أزمات أخرى، أهمها أزمة شحّ الوقود، فبعد إصلاح المحطة أول مرة عام 2009، كانت تعتمد على الوقود المصري، ولكن بعد تراجع الوقود المصري عام 2012 بسبب التقلبات السياسية إبّان الثورة، ما أثر على عملية إنتاج وإدارة الوقود، وتوقفت المحطة بشكل كامل عن العمل.

رغم محاولات الإصلاح المستمرة للمحطة وحصول القطاع على معونات من جهات دولية مثل الاتحاد الأوروبي، ما زالت قدرتها على توفير الكهرباء محدودة في 12 ساعة يوميًا فقط، وفي فترات النزاع تنخفض إلى أدنى المستويات، ومع هذا النقص الحاد برزت أهمية وجود مصدر طاقة بديل ومتجدد.

فيديو من البنك الدولي عن الطاقة البديلة في غزة

في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، أعلنت الحكومة الفلسطينية عن مبادرة طاقة جديدة بالتعاون مع البنك الدولي، تُطرح من خلالها الخلايا الشمسية بشروط ميسرة تضمن التقسيط وبدون فوائد لتستخدم على أسطح ألف مبنى من ضمنها: المنازل والبنايات الخدمية، مثل المُستشفيات والمدارس.

وفي الضفة الغربية في نهاية 2019، أعلنت الحكومة الفلسطينية عن مشروع كبير يتضمن إنشاء ثلاثة محطات توليد كهرباء باستخدام الطاقة الشمسية في جنين، وطوباس، وأريحا، ومن المتوقع أن يكتمل المشروع بحلول عام 2026، بتكلفة قد تتخطى 200 مليون دولار أمريكي، ولكن المشروع لن يغطي إلا 17% من احتياج الكهرباء عند الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية.

يشارك الشعب الفلسطيني في بعض هذه المبادرات والمشاريع، فمثلًا شكّلت رماح البحيصي، فتاة فلسطينية، فريقًا كاملًا من النساء يعمل على تركيب ألواح الطاقة الشمسية في قطاع غزة، وتدريب النساء وتشجيعهن على الاعتماد على الطاقة الشمسية في منازلهن.

وقالت رماح في حوار لها مع صحيفة العين إنها تعمل يوميًا هي وفريقها من التاسعة صباحًا وحتى السابعة مساءً، لتزويد أكبر عدد ممكن المنازل في القطاع بالطاقة الشمسية، وذكرت أن المفهوم الإجتماعي الخاطئ عن هذه المهنة باعتبارها «مهنة ذكورية» لا يعيقها إطلاقًا؛ لأن هدفها مساعدة أهل القطاعة لكي يحصلوا على حقهم في مصدر ثابت من الكهرباء.

فلسطنيات يعملن في تركيب خلايا الطاقة الشمسية. مصدر الصورة: موقع صحيفة العين

في سوريا: الشمس ترعى المُستشفيات

لم يفلت أي سبيل من سُبل الحياة في سوريا من خراب الحرب الأهلية، ومنذ اندلاع العنف في عام 2011؛ فقدت سوريا الكثير من دعائم بنيتها التحتية.

مثلَ اليمن، شهدت سوريا ثورة وحربًا تدخّلت فيها قوى دولية وإقليمية دمّرت خلال السنوات الماضية البنىة التحتية في سوريا وخاصةً في مجال الطاقة، مع حصار بعض المدن وتقدم الحرب نحوها، مثل مدينة حلب، شهدت انقطاع الكهرباء لفترات طويلة وحتى عن المستشفيات التي يُفترض أن لا تتوقف عن العمل، خاصةً في وقت الحرب.

في عام 2017 عملَ على حل هذه الأزمة اتحاد «منظمات الرعاية الطبية والإغاثة (UOSSM)» وهي مؤسسة دولية غير ربحية، وأنشأ وحدات توليد طاقة شمسية في بعض المُستشفيات في جنوب سوريا، غطى النظام الجديد حوالي 20 – 30% فقط من احتياجات المستشفيات من الكهرباء في جنوب سوريا. وبعد سنتين، تحديدًا عامَ 2019، أنشأ الاتحاد وحدات جديدة، ولكن في شمال سوريا هذه المرة لتوفير 40 – 45% من إحدى المستشفيات التي يشرف عليها الاتحاد.

فيديو من اتحاد منظمات الرعاية الطبية والإغاثة عن استخدام الطاقة البديلة في المستشفيات في سوريا

الطاقة الشمسية في أفغانستان.. دخلت البلاد لحماية الجنود الأمريكيين

أفغانستان الدولة الأخيرة في قائمتنا، والبلد غير العربي الوحيد فيها. عانى أفغانستان من حروب مستمرة في العقود الماضية، بدأت بالغزو السوفيتي، ثم الحرب الأهلية في البلاد وانتهاءً بالغزو الأمريكي الطويل لقرابة عقدين من الزمن، فكيف بدأ استخدام الطاقة الشمسية في أفغانستان؟

في عام 2009 صدرت دراسة من وزارة الدفاع الأمريكية تفيد بأن جنديًا أمريكيًا يُصاب أو يقتل مع تحرّك كل 24 قافلة نقل وقود (جولات لنقل الوقود وتوزيعه)، وتفيد الدراسة بأن القوات الأمريكية نظّمت في 2007 في أفغانستان 897 دورية لنقل وتغيير الوقود بين المواقع والقواعد العسكرية المختلفة التي تتمركز بها القوات الأمريكية؛ ما يعني أنه ما لا يقل عن 37 جنديًا أمريكيًا أصيب أو فقد حياته بسبب الوقود.

هذه الإصابات دفعت الجيش الأمريكي للتفكير في تقليل عمليات تغيير الوقود أو استبدال بها مصادر طاقة متجددة، حتى أنتج الأمريكيون جهازًا لتوليد الطاقة أطلقوا عليه اسم «كي يو بي إي (CUBE)»، وهو جهاز يعتمد بشكل أساسي على الطاقة الشمسية.

وفي عام 2009 نجحت الحكومة الأفغانية الرسمية، بدعم أمريكي، من عقد ثلاثة صفقات استثمارية لبناء محطات توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية مع كلٍّ من الحكومة الألمانية، لتعمل على تصميم مشروع يخدم نصف مليون شخص، واليابان التي نفذت أربع محطات في أربع مدن أفغانية تخدم كل منها حوالي 360 ألف مواطن، بالإضافة لتمويل من وكالة التعاون التنمية الدولية الأمريكية «المعونة الأمريكية (USAID)» لإنشاء محطة صغيرة في جنوب شرق البلاد تخدم حوالي 90 ألف أفغاني.

ألواح طاقة شمسية تستعمل فوق المنازل في أفغانستان. مصدر الصورة: موقع ميديم

في تقرير نُشر عام 2010 على موقع «المُختبر الوطني للطاقة المتجددة» التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، تحدّث عن فريق من 66 باحثًا وجنود أمريكيين في أفغانستان عملوا على تدريب مواطنين أفغان على كيفية إنشاء وحدات صغيرة للطاقة الشمسية، بهدف تسريع انتشار الطاقة البديلة في أفغانستان التي افتقرت بالأساس لوجود شبكة لتوصيل الكهرباء، وثانيًا كجزء من محاولات الولايات المتحدة لتأسيس مشاريع تنموية تدعم حكومة كابل ضدّ حركة طالبان.

وعلى الرغم من انتشار مولدات الطاقة الشمسية في المؤسسات مثل المستشفيات التي ساعدتها بشكل ولو بسيط في الصمود أمام أزمة وباء كورونا بفضل الطاقة الشمسية، إلا أنها لم تنمُ بشكل سريع كما حدث في اليمن. ولكن في عام 2019 قرر البنك الدولي إطلاق حزمة استثمارية تستهدف مشاريع الطاقة الشمسية الصغيرة لتوصيل الطاقة الكهربائية إلى 60% من الشعب الأفغاني، أي حوالي 20 مليون مواطن بحلول عام 2030، إن نجحت هذه البرامج.

بالإضافة للطاقة الشمسية، يوفّر الموقع الجغرافي لأفغانستان رياحًا قوية يمكن استغلالها في توليد الكهرباء باستخدام طواحين الهواء العملاقة، وفي سبتمبر (أيلول) 2020 أعلنت الحكومة الأفغانية دعم شبكتها القومية لتوصيل الكهرباء، التي تخدم فقط 30% تقريبًا من المواطنين، بأربع محطات جديدة لتوليد الكهرباء باستخدام طاقة الرياح، ومن المتوقع أن تبدأ في العمل مطلع العام القادم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد