يتغير العالم على نحو سريع، وتزداد اقتصادات العالم تضخمًا، ويتكاثر سكان الكوكب يومًا بعد يوم، ما يعني مزيدًا من الحاجات، ومزيدًا من الموارد. كل ذلك يستدعي التفكير في مستقبل الطاقة، التي تعد عصب الحياة الحديثة، وبدونها تتعطل عجلة التنمية، وتتوقف حياة الرفاه.

لكن التحدي المطروح لا يظهر ـ فقط ـ في الوصول إلى الإشباع المستمر من الطاقة، وإنما ـ أيضًا ـ القدرة على إنتاج أنواع من الطاقة أقل تكلفة، وفي نفس الوقت أكثر نظافة وتصالحًا مع البيئة التي نحيا فيها.

نظرة في مستقبل الطاقة المتجددة

كانت الولايات المتحدة الأمريكية ـ خلال فترة قريبة ـ واحدة من أكبر الدول المستوردة للطاقة، ثم تحولت إلى إحدى الدول الرائدة في تصديرها، وكان الشرق الأوسط يتمتع بوفرة في إنتاج الطاقة قبل سنوات قليلة، ثم غدا يعاني من قصور في الإمداد.

بالنظر لهذه التحولات المتسارعة في مجال الطاقة، فإنه ليس من الحكمة الثقة في توقعات هذا القطاع الحساس للمتغيرات المحيطة به، لكن تبقى محاولات استشراف المستقبل على المدى البعيد بناء على المعطيات الواقعية حلًا نسبًيا؛ لتجنب خصاص الطاقة مستقبلًا، أو كوارث بيئية تؤثر على وجود الإنسان. لذلك تبرز جهود حثيثة من قبل المنظمات الدولية وخبراء العالم؛ تروم إلى هندسة مستقبل الطاقة العالمي.

تضع الأمم المتحدة الوصول إلى نسبة 0% من انبعاثات الكربون في العالم هدفًا لها بحلول 2050، وخرج «مؤتمر باريس للمناخ»، المنعقد مطلع العام الجاري، بصيغة خفض حرارة الأرض درجتين مئويتين في نفس الموعد، وهي أهداف اعتبرها البعض حالمة؛ بالنظر إلى حجم التحديات المنوط تجاوزها لبلوغ هذه الرؤية.

وتواجه خريطة الطاقة المستقبلية ثلاث تحديات تحدد مسارها، أولها: العامل «الديموغرافي»؛ إذ تتوقع الأمم المتحدة أن عدد سكان الأرض سيرتفع إلى عشرة مليار نسمة، بعد أربعة عقود من الآن، ما يعني الحاجة إلى مزيد من الموارد، ومن ثم الحاجة إلى مزيد من الطاقة.

أما التحدي الثاني: فيتمثل في نهوض مجموعة من الدول النامية، مثل «الصين والهند والبرازيل»، واللاتي يحاولن اللحاق اقتصاديًا بصف الدول المتقدمة؛ إذ سيرتفع مستوى المعيشة بوتيرة سريعة لجل سكانها، وبالتالي اتساع الطبقة المتوسطة في العالم، لكن هذا الإقلاع الاقتصادي يحتاج إلى موارد طاقة هائلة، وبتكلفة يسيرة؛ لسد الفجوة الكبيرة بين الفقر والرفاهية.

ثم الرهان الثالث، وهو التعويل على «التكنولوجيا»؛ إذ مع أن تكنولوجيا الطاقات المتجددة تشهد تطورًا ملفتًا في الآونة الأخيرة، إلا أنها لا تزال مكلفة؛ مقارنة مع مصادر الطاقة التقليدية. ما يجعل الخبراء يتوقعون استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري لمدة النصف قرن المقبل، لاسيما بعد اكتشاف مزيد من الاحتياطات الوافرة منه في بقاع العالم.

وطبقًا لهذه العوائق الثلاث، فإن خبراء الطاقة يتوقعون خلال الخمسين عامًا القادمة استمرار استعمال مزيج من مصادر الطاقة، موزع على الفحم بنسبة 25%، والغاز الطبيعي بنسبة 24%، والنفط بنسبة 13%، والطاقة النووية بنسبة 11%، لتتبقى نسبة 27% فقط تشغلها الطاقات المتجددة بأنواعها المختلفة.

 

ويأمل الخبراء حدوث طفرات في تكنولوجيا الطاقات المتجددة، تجعل استعمالها أيسر، وأقل تكلفة؛ للوصول إلى مجتمع عالمي مزدهر، ومتصالح مع بيئته. وينصح المعنيون بمجال الطاقة، في حال لم يتسن بعد بلوغ التكنولوجيا اللازمة للاستغناء عن الطاقات التقليدية الملوثة، بتعزيز سياسات طاقة تقوم على إحداث التوازن اللازم بين التكلفة والاستدامة والفاعلية والأثر البيئي، وهي الشروط التي تنطبق على الغاز الطبيعي، كونه يسير تكلفة وفي نفس الوقت أقل تلوثًا مقارنة مع المصادر التقليدية الأخرى.

فرص الطاقات البديلة تتزايد

تظهر الأبحاث العلمية المتوالية أن العالم يشهد تغيرًا مناخيًا خطيرًا بفعل الاحتباس الحراري الناتج عن الانبعاثات الملوثة، المنبثقة من مصادر الطاقة التقليدية؛ الأمر الذي جعل مجموعة من المنظمات الدولية، ونشطاء البيئة، يقودون حملات ضغط على الحكومات طوال العقد الماضي؛ من أجل الانتباه إلى خطر الطاقات التقليدية على المستقبل المناخي للبشر، حتى بات المجتمع الأممي مقتنعًا ـ اليوم ـ بضرورة خفض الانبعاثات، وإيجاد مصادر طاقة بديلة، تعوض المصادر التقليدية الملوثة والقابلة للنضوب، خاصة بعد تبين أن الطاقات المتجددة تعزز أمن الطاقة، علاوة على أنها صديقة للبيئة.

وفي ظل هذا التوجه العالمي الجديد نحو الطاقات المتجددة، تتوقع شركة المعلومات «بلومبرج» في دراسة لها أن العالم سيستثمر في هذا المجال 7,8 تريليون دولار حتى 2040. وتذكر أيضا أن عام 2015 جذب استثمارات في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تقدر بـ329 مليار، بالرغم من أن أسعار الفحم والغاز لا تزال متدنية.

كما أن قطاع الطاقة المتجددة صار يستقطب يدًا عاملة هامة على المستوى العالمي، وصلت 8,1 مليون شخص في 2015، بزيادة 5% عن سنة 2014، ويرتقب أن يوفر المجال 24 مليون فرصة شغل بحلول 2030، كما جاء في تقرير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.

 

 

وتولد الطاقات المتجددة حاليا حوالي 25% من كهرباء العالم؛ إذ تمثل أوروبا الريادة في هذا المجال؛ بتسجيلها في 2015 نسبة 32% من الإنتاج الكهربائي بواسطة الطاقات المتجددة، وتطمح إلى نسبة 70% في العام 2040، بينما تساهم المصادر الطاقية المتجددة في أمريكا بنسبة 14%، ويرتقب الوصول إلى 40% بحلول 2040.

ويتوقع الخبراء أن تنخفض تكاليف توليد الطاقة من الرياح بنسبة 41% في حدود 2040، وفي نفس السنة يتوقع أن تنقص تكاليف إنتاج الطاقة عبر أشعة الشمس بنسبة 60%، مثلما ستشغل السيارات الكهربائية 35% من مجموع السيارات حتى تلك الفترة، مثلما أن تقنية البطاريات الشمسية المخزنة للكهرباء تزداد تطورًا وانتشارًا مع مرور الوقت.

وبالرغم من كل هذه المؤشرات المبشرة، إلا أنه لن يكون ذلك كافيًا في نظر الخبراء لتحقيق الهدف العالمي بخفض درجتين مئويتين من حرارة الأرض في 2050، لكن وفي المقابل ستتجه المصادر التقليدية للطاقة باطراد نحو التلاشي، في ظل التقدم التكنولوجي للطاقات المتجددة.

من جانب آخر، تمثل الطاقة النووية حلًا «استراتيجيًا» للمشكلات البيئية والمالية، وإن كانت تخفي وراءها خطر كوارث نووية؛ كونها أكثر فاعلية وأقل تكلفة، وتملك الولايات المتحدة الأمريكية 99 مفاعلًا نوويًا، تتبعها الصين بـ55 مفاعلًا، ثم اليابان بـ43 مفاعلًا، بالإضافة إلى دول أخرى، مثل فرنسا وروسيا، ولا يبدو أن هذه البلدان تنوي التخلي عن الطاقة النووية، حتى بعد كارثة «فوكوياما».

لكن العديد من دول أوروبا قررت بعد الكارثة إنهاء خدمة مفاعلاتها النووية، كما فعلت ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا والنمسا، في حين تحاول دول عربية كمصر والسعودية بناء مفاعلات جديدة.

ويبدو أن بعض الدول العربية هو الآخر، بدأت تلتفت إلى أهمية مشاريع الطاقات المتجددة في تنويع أمن الطاقة؛ إذ تعمل كل من الإمارات والمغرب على بناء مزارع طاقة شمسية لإنتاج الكهرباء.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد