توسعت ظاهرة الاختفاء القسري في العراق، في السنوات الأخيرة، وسيلةً تستخدمها قوّات الأمن العراقية باختلاف تبعياتها، لترهيب منتقديها سياسيًّا، أو ممّن تتشكك في انتمائهم لتنظيماتٍ دينية، متخطّيةً في تنفيذ أمر الاختطاف القوانين والتشريعات، وحقوق المواطن في المساءلة القضائية بوجود محاميه الطبيعي.

وتتحرك السلطات، بحسب روايات من مروا بتجارب مماثلة، لاختطاف الشخص المعني، قبل أن تعمد إلى إخفائه بمراكز الاحتجاز التابعة لأجهزة الأمن، لشهور عديدة، وقد تمتد لسنوات في بعض الحالات؛ قبل أن يظهر في إحدى الجهات الحكومية، مُدانًا بقائمةٍ لا تنتهي من التُهم الفضفاضة عنوانها الرئيسي «مُكافحة الإرهاب».

مع التوسُّع في اختطاف المواطنين في العراق، تحوّلت السلطة ممثَّلةً في الجيش والأمن العراقي من موقع الباحث عن آلاف المفقودين منذ غزو العراق عام 2003، كما كانت تروج لنفسها في المنظمات الدوليّة، إلى مُتهمٍ رئيسيّ، تتوثّق أدلة تورطه أكثر كُل فترة تجاه مواطنيه، سائرة على الدرب نفسه للعديد من الحكومات العربية، التي بات اختفاء مواطنيها أمرًا محببًا – فيما يبدو- لنفوس حُكامها.

وقائع اختطاف المواطنين من الشوارع والمنازل

في سبتمبر (أيلول) من العام قبل الماضي، كان محمد الجريدي، (35 عامًا) في طريقه مع زميلين له إلى مدينة السليمانية، للانتهاء من بيع بعض الفاكهة إلى محال تجارية اعتاد توزيع البضاعة عليها، بصفته تاجر جملة في المدينة. كان الطريق تجاه المدينة معتادًا للأشخاص الثلاثة، حتى وهم يعبرون نقطة تفتيش تابعة لجهاز المخابرات العراقي، تتمركز  على بعد 15 كيلو من المدينة، وهم في سياراتهم.

قوات أمن تابعة للجيش العراقي خلال تنفيذ أحد مهامها العسكرية

بعد فحص قوات الأمن المُعتاد لبطاقات الهوية للثلاثة، والتأكد من سلامة موقفهم الأمني، غادرت السيارة، قبل أن تتبعهم قوةٌ أمنية، قطعت عليهم الطريق مدجّجين بالأسلحة، وطالبتهم بالنزول، وغمّت عيونهم برباطٍ أسود داخل سيارة تابعة لهم، ونقلتهم إلى مكان مجهول، ومعها تبدّلت مصائرهم من السليمانية لمكانٍ مجهول ظلوا قابعين فيه نحو ستة شهور.

خلال هذه الفترة من الاختفاء، لم يسمح للثلاثة بالاتصال بذويهم، فيما تجاهلت كافة الجهات الحكومية والمراكز الشرطيّة الشكاوى وزياراتهم لسؤالهم عن مقر احتجاز نجلهم وصديقيه، إذ لم يتسلموا أي إخطار عن أماكن وجودهم، أو معلومات عنهم. ومع بداية الشهر السابع، ظهر الثلاثة في مقرٍ تابع لجهاز المخابرات بمدينة السليمانية، بتهمة دعم الإرهاب وتمويله.

يقول فؤاد الجريدي، والد الشاب المختطف، في اتصالٍ هاتفي، مع «ساسة بوست» إنّهم ظلُّوا طيلة الشهور الستّة يجولون كافة مراكز الشرطة، ويبحثون عن أيّ وسيلة للتواصل مع قادة أمنيين، كاشفًا عن تمكُّنه من معرفة مقر اختباء نجله في الشهر الخامس بوساطة رتبة أمنية متوسطة مقابل رشوة مالية.

وبعد ظهور نجل فؤاد في المركز الأمني، أخبره خلال إحدى الزيارات بمسؤولية ضبّاط جهاز مكافحة الإرهاب عن اختطافه، بعدما تعرّف إليهم من الشعارات الموجودة على الزيّ الرسمي للضباط بمجرد رؤيتهم للمرة الأولى، يقول: «توصّلنا إلى أن سبب الاختطاف كان صداقة  ابني لشاب كان جارًا لنا في المنزل، وهي الصداقة التي تمتد منذ سنوات الطفولة. وهذا الشاب اختفى فجأة؛ وانتشرت معلومات عن انضمامه لداعش».

يتساءل الأب بصوتٍ ملأه الشّجن: «ما ذنب ولدي وأصدقائه في العمل الذين لا يعلمون عن هذا الشاب شيئًا. بعد اختفاء هذا الشاب انقطعت علاقة ابني تمامًا به». يسكت برهة، ثمّ يستطرد :«على افتراض استمرار تواصله معه بالفعل؛ فهل يُعقل أن يظل ابني يعمل موردًا -بصفته تاجرًا- لهيئات دولية كالأمم المتحدة، وبعض قواتها؟».

وبحسب منظمة المفوضية لحقوق الإنسان العراقي، فإنّ عدد الحالات التي تعرّضت لاختفاءٍ قسريّ بلغت نحو 7663 شخصًا خلال الثلاثة أعوام المنصرمة، بينما تأكّدت أنّ 652 من المختفين قابعين في المعتقلات والسجون. وقدرت المفوضيّة عدد البلاغات لحالات اختفاء قسري منذ الأشهر الأخيرة لعام 2017 حتّى أغسطس (آب) 2019، بأكثر من 7 آلاف إبلاغ أو شكوى بفقدان أشخاص أو عدم معرفة مصيرهم، أغلبهم فُقدوا بعد يونيو (حزيران) من عام 2014 حسب أقوال عوائلهم أو ذويهم.

تخالف الشهادات السابقة، في وقائع عملية الاختطاف، قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، الذي يشترط صدور مذكرة توقيف من المحكمة، قبل تنفيذ الشرطة العراقية للاعتقال؛ إذ يُشير القانون كذلك إلى أنه يجب عليها عرض المشتبه بهم على قاضٍ في غضون 24 ساعة ليأمر باستمرار اعتقالهم.

عربات تابعة للجيش العراقي تتجول في المدن الرئيسية

تتشابه حالة محمد في طريقة اعتقاله مع ما مرّ به (خ. ع) الشاب الصحافي، الذي يسكن حيّ المدائن في بغداد، والذي اختطف من منزله، في ساعةٍ متأخرةٍ من ليل أحد أيام العام قبل الماضي، قبل أن تفرج عنه قوات الأمن الوطني بعدما ظل سجينًا لعامٍ كامل، منها ستة أشهر لا يعلم ذووه عنه أي شيء. وبدأت وقائع الاعتقال بقطع الكهرباء عن منزله، قبل أن تمرَّ بضع دقائق، ويكتشف هو وزوجته سبعة مسلحين ملثّمين، على متن سيارة سوداء، داخل منزله، بتاريخ 15 مايو (آيّار) العام الماضي، في سياراتٍ تحمل شعار الصقر على زيهم الرسمي.

فتّشَت عناصر الأمن محتويات المنزل سريعًا، وأخذوه بعد ذلك، بعدما أبلغوا زوجته وأمّه أنهم سيستجوبونه في قضيةٍ سياسية، وسيعملون على إعادته إلى المنزل بعد فترة قصيرة، دون الإفصاح عن أي سبب لأخذه. بعد ذلك، انتقل معهم إلى سجن المُثنَّي، بحسب رواية الضبّاط لزوجته لاحقًا. عقب انتقال الصحافي العراقي إلى هذا السجن التابع لجهاز الأمن العراقي، لم يتحدّث معه أحد حول سبب الاعتقال، ولم يمثل أمام قاضٍ خلال فترة وجوده هناك. كما لم يسمح له بأيِّ اتصالٍ مع عائلته أو بمحام. وحين ذهبت زوجته إلى السجن لسؤال قوات الأمن عن زوجها؛ أبلغوها أنه غير موجود في قاعدة البيانات.

يقول الصحافي الشاب، الذي يتحفّظ عن الكشف على هويته لأسباب أمنية بالطبع، في اتصالٍ هاتفيّ مع «ساسة بوست»: «قوات رئيس الوزراء الخاصة، والتي ترتدي زيًّا أخضر وبنِّيًّا، هي من أمرت باعتقالي من المنزل»، موضحًا أن سبب الاعتقال كان «كتابات له تنقد سياسات المالكي، وإنجاز بعض التقارير الميدانية عن المناطق الخاضعة لسيطرة «داعش»، وتحديدًا من مدينة الموصل».

اتصلت عائلة الصحافي الشاب بكل مكاتب الأمن والاستخبارات والسجون والقضاء، التي يمكنها التفكير فيها للحصول على معلومات؛ إذ قال كل منهم إنهم ليسوا على علم باحتجاز الشاب أو مكانه. بعد تواصل جهات متنوعة، مع مكتب رئيس الوزراء، وتعهُّد الصحافي الشاب بعدم تغطية موضوعات تتقاطع بالسلب مع سياسة المالكي؛ أفرجت عنه قوات الأمن العراقية.

وتنوعت خلفيات الجهات المختطفة التي تتبع للسلطات العراقية لمواطنيها على مدار الثلاثة أعوام الأخيرة، بين جهاز مكافحة الإرهاب، وقوات الحشد الشعبي، والشرطة الاتحادية، ومديرية الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية، وجهاز الأمن الوطني، وفرقة الأسلحة والتكتيكات الخاصة، والقوات الخاصة لرئيس الوزراء (وهي مجموعة من الوحدات المكلّفة بحماية رئيس الوزراء والمنطقة الدولية في بغداد وكذلك المدينة نفسها)، وقوّات الأسايش التابعة لحكومة إقليم كردستان، وكذلك كتائب مسلحة تتبع حزب الله العراق، وذلك استنادًا إلى نتائج تحقيق استقصائي أجراه باحثون تابعون لمنظمة هيومان رايتس ووتش.

بعض المحتجزين من جانب قوات الأمن في أحد سجون بغداد

توصل التحقيق أيضًا إلى أنّ أكبر عدد من حالات الاختفاء ارتكبتها مجموعات مختلفة من قوات الحشد الشعبي. وتشكّل الحشد الشعبي بدعوة وفتوى من المرجع الديني الشيعي آية الله على السيستاني، قوةً غير نظامية منخرطة في مواجهاتٍ مسلحة مع القوات التابعة لـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، قبل أن تُدمج بعد ذلك في القوات المسلحة العراقية بمرسومٍ رسمي صدر في العام قبل الماضي. ويبلغ عدد قوات الحشد الشعبي حوالى 130 ألف مقاتل، يشكلون 45 فصيلًا.

وامتدّ استخدام قوات الأمن لإخفاء الداعين للاحتجاجات وسيلةً لترويع المتظاهرين، على مدار العامين الماضيين، الذين خرجوا في تظاهراتٍ متفرقة ضد سياسات السلطة، وتحديدًا في مدينة البصرة، بحسب روايات لخمسة مواطنين عراقيين تحدثوا لـ«ساسة بوست» حول مطاردة قوات الأمن لهم، واختطافهم من المنازل، أو الشوارع، دون معرفة ذويهم شيئًا عنهم.

وروى أحد الشهود عن تعرُّض المختَطَفين للضرب والاحتجاز لعدّة ساعات داخل مقر يتبع قوات الأمن؛ قبل أن يتمّ إجبارهم على التوقيع على تعهُّدات، تحت التهديد بالسجن، بأنهم لن يشاركوا في الاحتجاجات مرة أخرى، فضلًا عن وثائق أخرى لم يسمح لهم بالاطلاع على محتواها بالأساس. فيما يذكر تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية أنّ التحدُّث علنًا ضدّ انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها السلطات العراقية تجاه مواطنيه، يُدرِج صاحبه في قائمة سوداء أعدتها أجهزة المخابرات لاختطافهم من الشوارع عقوبةً على سلوكهم السياسي الاحتجاجي.

كيف تحوّل الأمن من باحث عن المفقودين لمختطف لهم؟

التحوُّل الأبرز في توسُّع ظاهرة الاختفاء القسري في العراق، خلال الثلاث سنوات الأخيرة، هو انتقال السلطات العراقية الحالية من موقع المهموم بقضايا المفقودين من جرّاء الحروب، والساعي عبر شراكات مع منظمات دولية، للعثور على جثث هؤلاء المفقودين وإعادتهم إلى ذويهم. ونالت السلطات العراقية، من جرّاء هذا الدور ملايين الدولارات من المنظمات والهيئات الدولية التي تعاونت مع السلطات العراقية للعثور على رفات المفقودين، سواء كانوا عراقيين، أم من جنسيات أخرى، كما حظي إعادة فتح ملف المفقودين بحضورٍ لافت من جانب المسؤولين وسيلةً لهم لكسب شرعية في الداخل والخارج.

آثار الحرب التي دارت من جراء دخول القوات الأمريكية تظهر بمحافظة البصرة

فعلى سبيل المثال، سلّمت السلطات العراقية، في شهر أبريل (نيسان) 2011، رفات 17 جنديًّا إيرانيًّا قضوا في الحرب الإيرانية- العراقية (1980-1988) إلى السلطات الإيرانية عبر منفذ الشلامجة الحدودي بالقرب من البصرة، وذلك تحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كما «تتظاهر» دومًا السلطات العراقية بالاهتمام والجدية حيال دعوات الهيئات الدولية للتحرُّك في ملف المفقودين، مثل تحرُّك رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، وعقدُه اجتماعًا مع رئيس الادعاء العام موفق العبيدي، ورئيس هيئة الإشراف القضائي جاسم العميري، لمناقشة موضوع وجود أشخاص مفقودين أو مغيّبين، وذلك بعدما أعلنت نائبة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق أليس وولبول، عن أهمية التحرك في هذا الملف.

يمتدُّ هذا الاهتمام الحكومي خارج العراق كذلك، كحال زيارة لسفراء العراق للهيئات الدولية للحديث عن دور الحكومة في ملف المفقودين، كما زار السفير العراقي هشام العلوي، والمعيّن حديثًا مقر اللجنة الدولية لشؤون المفقودين في لاهاي، حيث التقى بكاثرين بومبيرغر المديرة العامة للجنة وبكبار موظفيها، واتفقا على تطوير استراتيجية مستدامة لتحديد هوية الأشخاص المفقودين، ولضمان حقوق عائلات المفقودين.

وقدرت «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» عدد الأشخاص المفقودين في العراق بنحو مليون وربع شخص، لتصير أكبر دولة تشهد عددًا من المفقودين، بحسب المنظمة الدولية. هذا الارتفاع له سبب رئيسي يتمثّل في ارتفاع عدد الحروب التي خاضتها العراق، منذ الثمانينيات، والتي بدأت بالحرب مع إيران في الثمانينيات، وانتهت مع حرب الخليج الأولى في عام 1991، وغزو العراق بقيادة الولايات المتحدة في عام 2003، وبعدها المواجهات الدامية مع «داعش» عقب سيطرته على أجزاء كبيرة من بلاد الرافدين.

المصادر

تحميل المزيد