ربما ليس هُناك حديث في مصر حاليًا، ولا على منصات السوشيال ميديا، أكثر تداولًا من الحديث عن جريمة الاختفاء القسري. في مصر قد تكون في عشاء مع أصدقائك فتختفي فجأةً دون أن يعلم ذويك أين اختفيت؟ ولماذا؟ وحتَّى لو اتخذوا كل الإجراءات القانونية بإرسال تلغرافات إلى النائب العام ورئاسة الجمهورية ووزير العدل. كما حدث مع الشابة إسراء الطويل وصديقيها صهيب سعد وعُمر علي.

يتجاوز الأمر بعد ذلك كونك شابًا مع أصدقائك، إلى أن تكون صحفيًّا أو مُصوِّرًا، وحتَّى أن تكون أستاذًا في طبّ الأسنان كما حدث مع الطبيب مُحمَّد الخُضري، رئيس الجمعية المصرية لطبّ الأسنان، فقد تمّ اختطافه من أحد شوارع بورسعيد ولا يُعرف حتَّى الآن مكانه. فما هي هذه الجريمة إذًا؟

أرقام المختفين قسريًّا في مصر من أبريل وحتى يونيو الجاري


ما هُو التعريف المتداول لهذه الجريمة؟ ومن الذي ابتكرها؟

«لا يجوز تعريض أي شخص للاختفاء القسري. ولا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو بأية حالة استثناء أخرى، لتبرير الاختفاء القسري». *المادَّة الأولى من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري

يُعرَّف الاختفاء القسري وفقًا للقانون الدولي – الذي يعتبرهُ جريمة- بأنه اختطاف أو أي حرمان من الحرية أيًّا كان نُوعه أو سببُه، ويكون لأسبابٍ سياسية في الأغلب. يتبعهُ رفض الاعتراف بالحرمان من الحرية أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان تواجده؛ مما يجعله خارج حماية القانون. حسب نفس التعريف يكون هذا الاختطاف لحساب الدولة، أو بعد الحصول على موافقتها من مجموعات تابعة لها. وقليلًا ما تُفضي هذه الاختطافات والاختفاءات إلى مُحاكمة جادة للمتهمين. إذ تحدث في أحداث استثنائية بشكل تعسُّفي.

وفق أحدث تقرير نشره الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري، والتابع للأمم المتحدة، في شهر مارس 2012، جرى الإبلاغ عن 53,778 حالة منذ عام 1980. ولم يُحلّ ما يزيد عن 42,000 حالة من هذه الحالات وقعت في 82 دولة.

كان هتلر هو أوَّل من ابتكرَ هذه الجريمة، عندما بدأ الحديث عنها في مرسوم الليل والضَّباب الذي كان يهدف إلى غربلة جميع النشطاء السياسيين والمقاومين لنظامه، وأي شخص يُهدِّد “الأمن الألماني”. ومع دخول السوفييت الحرب العالمية الثانية بدأ هتلر بتطبيق هذه الجريمة بشكلٍ موسَّع في حق الشيوعيين والاشتراكيين في ألمانيا والدُّول الواقعة تحت احتلالها. وقع ضحية لهذه الجرية مئات الآلاف منذ ذلك الوقت. بعض التقارير تعود بالأرقام إلى 100 ألف هم ضحايا هتلر وحده، وبعضهم يصل بالرقم لـ700 ألف. وتنتشر الجريمة بطبيعة الحال بشكلٍ أكبر في الدول التي تخضع لحكم عسكري ديكتاتوري، كما حدث في دُول أمريكا اللاتينية فترات الخمسينيات وحتى السبعينيات، حسب ما يذكر حقوقيون.

من أمريكا اللاتينية إلى مصر: عقارب الساعة تدور إلى الوراء

«اشتهرت ظاهرة الاختفاء في أمريكا اللاتينية خلال الحكومات العسكرية؛ لكنها تراجعت هناك مع حلول الحكم المدني، لتظهر في مصر». *من مشاركة الحقوقي جمال عيد على هاشتاغ #إسراء_الطويل_فين

كانت بداية صكّ قانون دولي يمنع من ممارسة الاختفاء القسري بسبب شيوع هذه الجريمة في الخمسينيات وما بعدها وحتى منتصف السبعينيات في أمريكا اللاتينية، إبان حكم الديكتاتوريات العسكرية. فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أول قرار بشأن الأشخاص المختفين عام 1978 بمبادرة فرنسية. حتى ظهر الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 1992. وحتى اعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري عام 2006.

حسب تقديرات لمنظمات عديدة لحقوق الإنسان فقد حدثت في الأرجنتين حالات اختفاء لـ30,000 شخص أثناء الديكتاتورية العسكرية في البلاد الممتدة من الخمسينيات للسبعينيات. كذلك وفي إطار نفس الجريمة تم سرقة حوالي 500 طفل. الأرجنتين شهدت 6 انقلابات عسكرية في أقلّ من خمسين عامًا. قائد آخر انقلاب عسكري الجنرال خورخي فيديلا رافائيل تمَّت محاكمته فيما بعد، بعد مرور الأرجنتين إلى عصر الديموقراطية.

حدث في تشيلي نفس الأمر، فقد فقدت تشيلي إبان حكم الجنرال العسكري بينوشية أكثر من 1200 مفقود، والآلاف من المعتقلين قسريًّا. الجنرال بينوشية تمَّت محاكمته كذلك. للإطلاع أكثر حول المحاكمات لفيديلا وبينوشية، يمكنك قراءة: هل يُمكن حقًّا محاكمة الديكتاتور؟

Former Argentine dictator and general, Rafael Videla, is seen during his trial to investigate the crimes committed during Operation Condor, a campaign established by Argentina, Chile, Paraguay, Brazil, Bolivia and Uruguay's dictatorships to quash the opposition during the 1970s, in Buenos Aires on March 5, 2013. Argentina's junta, which Videla led from 1976-81, is held responsible for the disappearance of up to 30,000 people during the so-called "Dirty War" against political opponents. Videla, Bignone and Menendez are among the 26 defendants. Jorge Rafael Videla passed away in Argentina on May 17, 2013 at the age of 87.   AFP PHOTO / Juan Mabromata        (Photo credit should read JUAN MABROMATA/AFP/Getty Images)

فيديلا أثناء المحاكمة

«تشير التقديرات بأن السجن السرِّي يُمَارَس في حوالي 30 بلدًا. فريق مفوضية حقوق الإنسان العامل على حالات الاختفاء القسري سجل حوالي 46000 حالة اختفاء للأشخاص في ظروف مجهولة».

كانت البداية إذن مع هتلر، ثمَّ في أمريكا اللاتينية حيث وصل الأمر لمعدَّلات غير معقولة، ويبدو أنَّ النِّظام الحالي في مصر يمشِي على نفس هذه الخُطى، للجنرالات في أمريكا اللاتينية. فقد سجَّلت هيئة التوثيق والرصد بالمركز المصري للحقوق والحريَّات 617 حالة اختفاء قسري بمصر منذ أوائل العام الجاري فقط!

حسب تقارير صحفية ومنظمات حقوقية مصرية وعالمية، فقد صَعَّدَت وزارة الداخلية في مصر في الفترة الأخيرة من ظاهرة الاختفاء القسري، والتي طالت العشرات من طلاب الجامعات، وبعض القيادات المعارضة من جماعة الإخوان المسلمين، والتي يعتبرها النظام إرهابية، كما شملت الظاهرة أيضًا أعضاء من حركة 6 أبريل. كما تزايدت كذلك ظاهرة قتل المحتجزين جرَّاء التعذيب بعد أيام من اختفائهم. وقد قُتل خلال الشهرين السابقين – داخل السجن بعد اختفائهم قسريًّا- الطالب بجامعة الهندسة إسلام عطيتو والمواطن السيناوي صبري الغول، كذلك المواطن السيد الراصد الذي قتل في معسكر قوات الأمن المركزي ببنها.

الجدير بالذكر أنَّ وزارة الداخلية لا تقرّ بوجود مختطفين لديها، وتُنكر ذلك بشدَّة. لكنَّ منظمات عالمية مثل «هيومن رايتس ووتش» قد تقدمت بشكوى عاجلة مجمَّعة إلى الفريق العامل المعني بالاختفاء القسري في الأمم المتحدة. معبرةً عن أسفها أن رجال الشرطة الذين يفترض بهم حماية المواطنين يقومون بمثل هذه الجريمة. مصر وقَّعت على عدة مواثيق دولية تُجرِّم التعذيب ولكنها رفضت التوقيع على ميثاق ضد الاختفاء القسري.

«لا يجوز حبس أحد في مكان مجهول». *المادة 17من الاتفاقية سابقة الذكر

أبرز المختفين قسريًّا خلال الفترة الماضية في مصر

بنهاية شهر مايو أصدرت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات تقريرًا يرصد حالات الاختفاء القسري في شهر مايو، فوصل العدد 228. بينما تحدَّثت المنظمة العربية لحقوق الإنسان عن 132 حالة اختفاء قسري مضى على اختفائها أكثر من سنة كاملة. من بينهم نساء وطلاب وأطفال. بينما سجَّلت هيئة التوثيق والرصد بالمركز المصري للحقوق والحريَّات 617 حالة اختفاء قسري منذ أوائل العام الجاري. وهذه بعض المعلومات عن بعض الذين تم اختطافهم قسريًّا.

  • أنس السلطان وأخويه

ما هو معروف ومتداول عنه من خلال صفحته على فيس بوك، ومن خلال أصحابه وأهله، فالشيخ أنس السلطان هو أحد مؤسسي ومُدرِّسي مدرسة شيخ العمود لتدريس العلوم الدينية. تنتهج المدرسة نهجًا علميًّا لتبسيط العلوم وشرحها من قبل متخصِّصِين شباب. الشَّيخ أنس تمّ اختطافُه من منزله فجر 26 مايو الماضي، هو وأخويه: أسامة الطالب بجامعة الأزهر، وإسلام الطالب بالثانوية. تمّ اقتحام البيت فجرًا من قبل قوَّات الأمن، وتم تحطيم الأبواب وأثاث المنزل. كذلك تم اقتياد والدهم معهم.

أنس وأخواه تمّ احتجازهم في مكان غير معلوم. وفي يوم 30 مايو ظهروا في نيابة مدينة نصر لتوجَّه لهم عدة تُهم، من بينها:

  • الانضمام إلى جماعة إرهابية.
  • الإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي.
  • التحريض على الجيش والشرطة عبر التواصل الاجتماعي.

تمّ عرضهم على المحكمة يوم 1 يونيو الجاري، ثم تم تجديد الحبس لهم 15 يومًا على ذمَّة القضية. ولعلّ مدة الاختفاء في هذه القضية هي الأقلّ من بين القضايا، فلم يدم الاختفاء سوى أربعة أيام.

لمتابعة بيانات أسرة الشيخ أنس السلطان وأخويه، من هنا.

  • إسراء الطويل وصديقيها

فتاة في بداية عقدها الثالث، تهوى التصوير، تدرس بكلية الآداب قسم فلسفة. حسب والدها وأصدقائها فلم تكن إسراء تنتمي لأيّ تنظيم أو حزب سياسي. إسراء مصوِّرة حُرَّة. في 1 يونيو الجاري، كورنيش المعادي، خرجت إسراء بمساعدة صديقيها (لأنها فقدت قدرتها على الحركة العام الماضي، ولا تتحرك إلا بمساعدة) وتمَّ القبض عليها مع صديقيها، في حملة أمنية عشوائية (حسب تقارير). أسرة إسراء أرسلت تلغرافات لرئاسة الجمهورية وللنائب العام ووزيري العدل والداخلية طالبين بالكشف عن أماكنهم واتخاذ الإجراءات القانونية معهم ولم يتلقوا ردًّا. ولم تعلق الداخلية المصرية على اختفائها وصديقيها.

لمتابعة أخبار إسراء وآخر ما وصلت إليه أسرتها، من خلال صفحة: إسراء الطويل فين.

  • الطبيبة أسماء خلف شندين

في 18 أبريل 2014، كان آخر يومٍ شوهدت فيه الطبيبة أسماء خلف شندين، عَقبَ خروجِها من مقرّ عملها كنائب مقيم بقسم النساء والتوليد بمستشفى القصر العيني- أسيوط. بعد البحث عنها في المستشفيات وأقسام الشُّرطة والنيابات والمحاكم توصَّلت الأسرة إلى معلومات عن طريق شهود عيان أنَّ الشرطة هي التي اختطفتها، أخو الطبيبة المختطفة أكد هذه المعلوات عن طريق وساطات ومعارف لهم بوزارة الداخلية والجيش. وحتى الآن لا يعلمون أين تحتجز الطبيبة الشابة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد