اندلعت احتجاجات واسعة في المنطقة الشمالية الغربية للكاميرون حول التمييز اللغوي الذي يعاني منه الناطقون بالإنجليزية في البلاد، ووصلت الاحتجاجات إلى حد مطالبة ولايتين بالاستقلال والحكم الذاتي عن العاصمة المركزية ياوندي، وهو ما أسفر عن اعتقال أكثر من 100 شخص حسب الناطق باسم قوات الشرطة، ويستمر هذا الحراك الشعبي للأسبوع الثاني على التوالي.

واستقلت الكاميرون (22 مليون نسمة) عن الإدارة الفرنسية وجزء من مناطقها عن الاحتلال البريطاني عام 1960، وتتحدث الكاميرون وفق الدستور اللغتين الفرنسية والانجليزية، كما يوجد بها أكثر من 23 لغة إفريقية محلية، وتتشكل البنية الوطنية للكاميرون من تسعة أعراق إفريقية أهمها الأفارقة النجديون والاستوائيون، كما تشتهر الكاميرون بكرة القدم التي جعلتها أحد أقطاب هذه الرياضة في القارة الإفريقية.

وانطلقت شرارة الاحتجاجات في ولاية بامندا ذات الطبيعة الجبلية الخلابة، بسبب الاعتداء بالضرب على معلم ناطق بالإنجليزية، وهي مدينة تقع بجهة الشمال الغربي للكاميرون وبالقرب من نيجيريا، وتعتبر عاصمة ثقافية واقتصادية لهذه الجهة، يصل عدد سكانها إلى حوالي نصف مليون نسمة، وتبعد بحوالي 300 كلم غرب عاصمة البلاد ياوندي بحوالي 360 كلم، وتجمع الولاية خليطًا من القبائل والقرى الكبرى لعرق نغومبا، ويتحدث سكان هذه المناطق باللغة الإنجليزية على خلاف بقية المناطق التي يستحوذ عليها الناطقون بالفرنسية.

من معاناة الانقسام اللغوي إلى تهديد الانفصال الجغرافي

وتعود مشكلة انقسام الكاميرون إلى لغتين رسميتين في دولة ما بعد الاستقلال 1960، إلى وجود هذه المنطقة تحت الاحتلال الألماني قبل الحرب العالمية الأولى، وبعد هزيمة الألمان في الحرب تم تقسيم البلاد إلى مستعمرات مشتركة مع نيجيريا تحت الاحتلال البريطاني، وبقية المناطق من البلاد تابعة للإدارة الفرنسية.

وقامت عصبة الأمم (مجلس الأمن الدولي حاليًا) بتفكيك المستعمرات الألمانية وتقسيمها على الاحتلالين البريطاني والفرنسي في المناطق الإفريقية والآسيوية، ولهذا السبب ارتبط جزء كبير من الكاميرون باللغة الفرنسية التي تمثل 80% من سكان البلد، في حين ارتبط الجزء الحدودي مع نيجيريا باللغة الإنجليزية وجزء كبير من جنوبها الغربي كذلك وهو ما يشكل حاليًا ولايتين بالإنجليزية من بين ثمانية ناطقة بالفرنسية، يعتبرها متابعون ذات نفوذ وهيمنة على دواليب الحكم وبدعم فرنسي رسمي.

اليوم في بامندا الكل يتحدث اللغة الإنجليزية، ومنذ عام 1961 تاريخ ضم المنطقة إلى الكاميرون أصبحت الإنجليزية لغة التجارة والتعليم والمحاماة وهي اللغة الرئيسية في المعاملات بين المواطنين، ويحاول السياسيون بالمنطقة استثمار هذه الميزة والانتقال من الانفصال اللغوي إلى الانفصال السياسي عبر دعوة المجلس الوطني لجنوب الكاميرون إلى الحكم الذاتي والاستقلال عن بقية الجهات، وهي الجهة الناطقة باللغة الفرنسية.

ويقود هذا التمرد حزب الجبهة الديمقراطية الاجتماعية SDF، وهو أكبر حزب معارض في البلاد، وتكررت المواجهات بين المعارضين وقوات الجيش والشرطة أكثر من مرة خاصة عامي 1990 و1994 حين تم الإعلان عن الحكم الذاتي لاستقلال غرب وجنوب الكاميرون باسم جمهورية أمبازونيا، وتجددت المواجهات العنيفة في الكاميرون عام 2008 بسبب إضراب نقابات عمال النقل.

لوموند الفرنسية: لماذا تتضايق السلطة من الناطقين باللغة الإنجليزية؟

وتقول جريدة لوموند الفرنسية إن دوافع الصراع بين الغرب الناطق بالإنجليزية والشرق الناطق بالفرنسية في الكاميرون، هو الاستقلال الهش الذي تحصلت عليه البلاد عام 1960، ودمج اتحاد المناطق الكاميرونية (الاحتلال البريطاني) بالجمهورية الكاميرونية (الإدارة الفرنسية) بعد عقود من الاحتلال الألماني ثم البريطاني والفرنسي، وهو سبب تاريخي حتم على الكاميرونيين نشوب صراعات متكررة في الثقافة واللغة إلى اليوم.

ويقول المتظاهرون منذ 22 تشرين الثاني نوفمبر، إن الحكومة المركزية في ياوندي تخصص لهم موازنات مالية أقل مما يخصص للأقاليم ذات الغالبية الفرنسية، وفي تصريح لمتظاهر بثته Euronews «ما نريده من فرنسا أن تتركنا في شأننا ويبتعدوا عن نظامنا التعليمي، لدينا وسائل مناسبة لتنظيم نظامنا التعليمي، لدينا وسائل مناسبة لتنظيم نظامنا الصحي، إنها وقتنا للحرية».

كما يشدد المتظاهرون على مسألتي رفض التعلم بالفرنسية في المناطق الإنجليزية، وخطة الحكومة في فرض مناهج فرنكوفونية بعموم الكاميرون، كما طالبوا برحيل الرئيس الكاميروني بول بيا Paul BIYA (83 سنة) الذي يعتبر أحد أطول الزعماء الأفارقة بقاء في الحكم، وهو الذي تولى السلطة منذ 1982 حتى اليوم.

ويعاني سكان المناطق المحتجة من عدم استفادتهم من وجود النفط في الجنوب، وتحول الصراع من المطالبة بإيرادات النفط إلى إقالة مسؤول شركة سونارا Sonara الذي ينحدر من المناطق الفرنسية، ويقول المحتجون إن تعيين مسؤولي الشركة يكون من الناطقين بالفرنسية، ويتم دعمهم وتأييدهم من الحكومة المركزية في ياوندي.

ويعترف المسؤولون الحكوميون في ياوندي أن اللغتين الرسميتين للبلاد هما غنيمتي استعمار، ويرد وزير الاتصال على المحتجين أن كلا اللغتين بنفس القدر من الأهمية ولا يوجد أي تمايز أو تفاضل في هذا الشأن، بل هذا الثراء اللغوي هو مكسب للبلد. مع العلم أن وزراء السيادة مثل المالية والاقتصاد والدفاع والداخلية والرئاسة العامة لا ينتمون إلى المناطق الناطقة باللغة الإنجليزية، ولم يسجل التاريخ الحديث للكاميرون أن تولى ناطق بالإنجليزية هذه المناصب.

وتعاني الكاميرون من قضايا فساد لعقود من الزمن، ويقول مايكل روس في دراسة أجراها حول سرية إيرادات النفط بأن 45% من هذه الإيرادات في الفترة بين 1985 إلى 2006 تم الإعلان عنها لدى مؤسسات الدولة، في حين لم يعثر على وجهة النفقات للنسبة الأكبر. كما تعتبر الحدود مع التشاد ونيجيريا في الشمال تحديا أكبر في محاربة تنظيمي القاعدة في إفريقيا وبوكو حرام، وأدى ذلك إلى مقتل العشرات من أفراد الجيش في معارك خلال العامين الأخيرين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد