يحكي ابن تغري بردي في كتابه «النجوم الزاهرة» عن أحد الأيام الحافلة في عهد المماليك، وتحديدًا في شهر ذي القعدة عام 800هـ/ 1398م، حين لعب السلطان برقوق الكرة مع الأمراء وغلب الأمير إيتمش البجاسي، فألزمه بعمل وليمة ضخمة في الميدان تحت القلعة.

كان في الوليمة – بحسب ما يذكر ابن تغري – 20 ألف رطل من لحم الضأن، و200 زوج أوز، وفطائر من الدجاج، وذُبح فيها 20 فرسًا! أما الحلوى فكانت 200 مشنة فاكهة، و30 قنطارًا من الزبيب، وتكلفت الوليمة 200 ألف درهم، دفعها السلطان وحكى عنها المؤرخون طويلًا.

وقد أمر السلطان بألا يُمنع أحد من العامة من دخول الميدان والاستمتاع بالمشاهدة، وتزايد الزحام فأشار الأمراء على السلطان بالطلوع إلى القلعة مبكرًا قبل أن يتم النهار، ومات ثلاثة من العامة بسبب الزحام الشديد.

وقد عُرف السلطان المؤيد شيخ بحبه لمثل تلك الاحتفالات المبالغ فيها، وبشكل عام كان عصر المماليك حافلًا بوسائل ترفيه متعددة، ومثل كل العصور فقد تمتع السلاطين والأمراء بوسائل تختلف عن العامة الذين كانوا يكتفون بالمشاهدة أحيانًا، وكانوا يبتدعون فنونًا متواضعة يمكنهم الترفيه من خلالها.

الغناء في القصور وفي الشوارع أيضًا

كان الناس يحبون الموسيقى، وكانت مجالس الطرب أحد أهم وسائل الترفيه؛ فاشتهر مغنون مثل: صارم الدين بن باباي، العواد الذي صار نديمًا للسلطان المؤيد شيخ. وبرقوق التونسي، الذي برع في الغناء والإنشاد في عهد السلطان قايتباي. إضافة إلى أبي المواهب محمد بن أحمد المعروف بابن زغدان البرلسي. وبرعت بعض النساء في الغناء والعزف أيضًا، فصار بينهن العوادة أو الطبالة.

وبحسب ما يذكر كتاب «وسائل الترفية في عصر سلاطين المماليك في مصر» فإن مجالس الطرب التي أقامها السلاطين والأمراء كان فيها راقصات وصفهن الشعراء، وإن لم تذكر المصادر أية إشارة لأسمائهن.

فقد كان المماليك – بحسب ما ذُكر في الكتاب – يجلبون راقصات يهوديات وأرمن لينضممن إلى الحاشية. وكان أحد السلاطين إذا عرفوا أحد الموسيقيين البارعين استدعاه لتعليم الجواري. وكان الرجال يرقصون أيضًا في حركات فلكلورية بمجالس الرقص، وحتى في الميادين والاحتفالات.

مصدر الصورة 

لكن الإقبال على سماع المغنين خفت في حكم بعض السلاطين، مثل: السلطان جقمق الذي كان ينكر ألوان اللهو، وينفر منها. وما عدا ذلك فقد كان لمصر شهرة واسعة في مجال الطرب؛ فصار المطربون وأرباب الآلات يفدون إليها. وكان عصر المماليك عصر الموسيقى، والغناء، والطرب، وكان أكثر الاهتمام بالموسيقى، خاصة بعد فتاوى بعض العلماء، مثل: الإمام الغزالي، بعدم حرمتها خلافًا للغناء مثلًا. كما ذكر ابن تغري.

وبحسب ما ذكر في بحث «وسائل التسلية للطبقة الحاكمة في عصر المماليك الشراكسة» كانت الموسيقى تصاحب السلاطين والأمراء أثناء لعب الكرة، وكانت بعض الآلات تصاحب حلقات الذكر، مثل: المزمار، وكانت الطبول والأبواق تضرب عند استقبال الأمراء أو كبار الدولة.

وكانت أغلب مجالس الطرب مفتوحة، تقام في المتنزهات، فكان يمكن للعامة الاستمتاع بها، بينما كان للعامة من صفوة المجتمع مجالسهم أيضًا التي يستمتعون فيها بالرقص والغناء، وكانت بعض الفئات من المجتمع المصري تحب الغناء والطرب، فكانوا يخرجون في الأعياد بقوارب النيل وهم يحملون الطبل والمزامير ليُدخلوا السرور على قلوب الناس، وكانوا يرددون الأغاني التي تغنيها الجواري في مجالس السلاطين والأمراء، ويتناقلونها بينهم.

كان المماليك يقيمون مجالس الغناء، والموسيقى، والرقص، في مناسباتهم، مثل: قدوم المولود، والسبوع، والعقيقة، والختان. وفي كل تلك الاحتفالات كان للعامة نصيب من المشاركة بالمشاهدة والمشاركة في الطعام أحيانًا. ويروي المؤرخون أن السلطان المؤيد شيخ أقام عقيقة ابنه الأمير أبي معالي محمد بما يجاوز 15 ألف دينار، وأنه خصص للأمراء خيولًا يغطيها قماش من الذهب يخرجون بها.

 وأقام المماليك أيضًا المناسبات الدينية، مثل: المولد النبوي، والاحتفال برؤية الهلال، وإحياء ليالي رمضان، ورأس السنة، ورحلات الحج ذهابًا وعودة، وهي احتفالات كانت تُقام في مصر منذ العصر الفاطمي.

الأنس والسمر.. ومجالس شرب الخمر

بحسب ما ذكره الباحثان في «وسائل التسلية للطبقة الحاكمة في عصر المماليك الشراكسة»، فإن جلسات الأنس والسمر كانت إحدى أهم وسائل الترفيه والتسلية في عصر المماليك، وشغف كثير من السلاطين بلعب الشطرنج مع المقربين إليهم.

واشتهر السلطان الغوري بجلساته على مرتفع مغطى بسجاد حريري، مرتديًا ملابس من الحرير الأصفر، وعلى رأسه عمامة من نسيج هندي رفيع، وأمامه سجادة مساحتها 20 قدمًا، يجلس أمامه الندماء، حتى أن الأتابك بيبرس تولى تصريف أمور الدولة «لانهماكه في الملذات، وانعكافه على اللهو والطرب عمره كله لا يميل لغير ذلك» على حد تعبير ابن تغري بردي.

لكنه مع ذلك أمر بأن ينادى في الناس بعدم شرب الخمر، وكان قد شاع في عصر المماليك؛ إذ كان بعض السلاطين يقبلون على شرب الخمر بعد رحلات التنزه أو لعب الكرة.

مصدر الصورة

وقد بلغ اهتمام السلاطين بمجالس شرب الخمر حد أنهم أقاموا دارًا سلطانية تُعرف باسم «الشراب خانة» يعين لها موظفون من الأمراء، يديرون شؤونها، ويختارون أصناف السكر، والفواكه، والحلوى، والشراب، وأقبل العامة على شرب الخمر، وإن بقي لديهم وازع ديني ويقين بحرمتها لم يُنس، لكنها ظلت منتشرة يحرّمها القضاة بين الحين والآخر، ويأمرون بإراقتها، ويقولون إنها سبب الأزمات والأوبئة التي تتعرض لها البلاد؛ فيأمرون بالبعد عنها وعن غيرها من المعاصي حتى تنكشف الغمة، وهي أوامر لم يكن الناس يلتزمون بها طويلًا فيعودون لسابق عهدهم.

السلطان يخرج للتنزه والصيد.. والعامة يشاهدون الموكب!

كان السلاطين والأمراء يخرجون للتنزه، فيتوجهون أحيانًا إلى الأهرامات، أو إلى الحدائق، وأماكن الطبيعة، مثل: جزر النيل، وإلى مناطق الصيد في صحاري مصر، تصحبهم المغنيات والعازفين، وكانوا يصطحبون نساءهم في كثير من الأحيان، خاصة في نزهاتهم إلى النيل، فيُحملن على الخيول في محفات مغشاة بالحرير يحيط بهن الأمراء والحراس والخدم.

وكان السلطان قنصوه الغوري أكثر السلاطين شغفًا بالتنزه؛ فكان يقيم المخيمات، ويبيت أحيانًا في نزهاته بصحبة كبار دولته وضيوفه إذا استدعى الأمر.

كان السلاطين يخرجون من باب النصر، يمرون بالحسينية، ثم الريدانية، وبعدها المطرية، حيث يجري خليج الزغفران أحد أهم المتنزهات. وكانوا يقيمون هناك أيامًا للترويح عن النفس، كانت كلها بساتين وأراضٍ زراعية متصلة، وكان العامة يخرجون لرؤية المواكب من بعيد. الخلجان كانت من أهم المتنزهات في عصر المماليك، وكانت تُحفر بالأيدي، وتمتلئ وقت الفيضان. كان أشهرها الخليج الكبير والخليج الناصري وخليج الزعفران.

الصيد أيضًا كان أحد الرياضات المفضلة للمماليك، وكانوا يرون أنهم إذا لم يكونوا في ميادين الحرب والقتال فالمكان الأولى بأن يكونوا فيه هو البراري ليقوموا بالصيد فهو – بحسبهم – رياضة تهذب النفس، فيجب الاجتهاد في تعلم أساليبه.

لكن على جانب آخر كان الخروج للصيد فرصة سانحة لأعداء السلاطين والأمراء. فقد قُتل المظفر قطز أثناء خروجه للصيد، وكذلك الأشرف خليل وغيرهم، ومع ذلك ظل للصيد مكانته بين المماليك، وكانوا يحرصون على جمع الحيوانات، ويستخدمونها في الزينة، ويتبادلون بها الهدايا مع غيرهم من السلاطين أو الأمراء.

وكان العامة لا يرون سوى مواكب السلاطين لدى خروجها للصيد أو عودتها، أما ما يحدث في الرحلة فكانوا يتعرفون عليه من الشعراء الذين يصحبون السلاطين أحيانًا، ويصفون تلك الرحلات في أشعارهم.

منافسات الفرسان.. تسلية واستعداد للحرب أيضًا

كان المماليك يحبون الرياضة، وبسبب النشأة العسكرية لهم كانت الفروسية إحدى الرياضات التي لا يمكن لهم تجاهلها، فقد كان من لا يجيدها محل مؤاخذة من الأمراء والسلاطين، وكانت أكثر الأمور التي يجب أن يجيدها السلطان.

والفروسية تشمل فنونًا، مثل: ركوب الخيل، واللعب بالرمح، والضرب بالسيف، والمصارعة، وسباق الخيل، وغيرها.

وقد شغف المماليك بالخيل وبذلوا في شرائها والعناية بها الأموال الضخمة، وخصصوا للاصطبلات السلطانية إدارة خاصة عرفت بـ«الركبخانة»، كما أفردوا لدراستها كثيرًا من الكتب، حتى أنهم في عام 792هـ / 1390م نادوا في الناس بألا يركب الفرس إلا الوزير، أو كاتب السر، وأن يركب من دونهم على البغال لتكون الخيول للفرسان والأمراء دون غيرهم.

مصدر الصورة

كان المماليك يتدربون في الميدان أسفل القلعة، يتسابقون فيه ويتنافسون، وكان السلاطين يخرجون أحيانًا لمشاهدتهم أو مشاركتهم، وحين كثر خروجهم في المواكب مع الفرسان وآلات الحرب والرمي التي تشبه مواكب خروجهم إلى الحرب، صاروا يضيفون إلى الراية خصلة من الشعر تعرف بـ«الجاليش» في حال خروجهم للحرب ليفرّق الناس بينهم.

وفي مناسبة خروج المحمل الذي يحمل الكسوة الشريفة للكعبة، وكسوة مقام النبي إبراهيم، وخروج موكب الحج واستقباله؛ كانت الاحتفالات تتضمن ألعاب الفروسية بمختلف فنونها، وخرجت مع هذه المواكب الأفيال المزينة أحيانًا، وأمامها من يدق الطبول والأبواق.

أما نصيب الشعب من مثل تلك الرياضات والاحتفالات فكان المشاهدة، ففضلًا عن أنها تميزت بالخشونة، كانت تقتصر على المماليك والأمراء فقط واتُخذت مجالًا للتدريب على فنون الحرب.

والعامة يتسلون بالحكايات والخيال

أما شوارع القاهرة وأحياؤها القديمة التي عاش أهلها حياة متواضعة، فكان الناس يستمتعون بمجالس الحكايات، ورواية السير الشعبية، فقد كان المقريزي يصف أهل مصر بأن «من أخلاقهم الانهماك في الشهوات، والإمعان في الملاذ، وكثرة الاستهتار» وقد وصف ابن خلدون هذه الروح مندهشًا «كانوا كأنما فرغوا من الحساب».

كان الناس يخرجون إلى المتنزهات حول النيل، ويستأجرون القوارب أحيانًا، وكما تسلى الناس على المقاهي بالسير الشعبية وتمثيليات خيال الظل، وشاعت بين العامة ألعاب تتسم بالمقامرة، مثل: مناطحة الديوك، وتطيير الحمام، وانتشر الحواة الذين يلعبون بالثعابين وغيرها من الزواحف، وأقبل على مشاهدتهم الخاصة والعامة، وانتشرت عروض «خيال الظل» و«الأراجوز».

تاريخ

منذ سنة واحدة
خيال الظل.. السينما في العصر المملوكي!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد