أنور باشا: قوميّ تركيّ في خندق العرب

رجل تركيٌّ ولدَ في إسطنبول، يرصُّ فيلقًا من الجنود، عربًا وتركًا، للدفاع عن طرابلس الغرب في ليبيا ضدّ الاستعمار الإيطاليّ. لربما تبدو هذه القصة غريبةً بعض الشيء لتركيّ أو عربيّ، فللعرب صورة الخيانة في عقل التركيّ وللتُرك صورةُ المُستبد والمُجوّع عند العرب. هذه الرواية الرسمية التي تحكيها لنا الأنظمة الحاكمة كان بطلها أنور باشا التركي، لكن كيف يمكن أن نفسر المشهد السابق؟

في هذا التقرير نحاول أن نعرف أنور باشا، الرجل «المُلغز»، والعثمانيّ الذي قادَ القتالَ في طرابلس ضد إيطاليا، ومُخططٌ رئيسي للتخلص من السلطان عبد الحميد، مَن كان؟ وماذا أراد؟ وكيف انتهت حياته؟

ضابطٌ طموح في إمبراطورية متهاوية

شابٌ بشاربٍ عريض، وجهه غَضٌ لم يعش إلا عقدين من الزمن، 20 عامًا. قضى دراسته الأساسيّة والجامعيّة فيها بينَ أيدي الضباط الألمان والبروسيين المبعوثين للدولة العثمانية لتحديث جيشها. ضابطٌ طموح في إمبراطورية متهاوية، قضى آخرَ عامين في الكلية الحربية في إسطنبول، أرفع وأرقى المعاهد العسكريّة، ليتخرج منها برتبة نقيب.

نقيبٌ بلا معارك، لم يشهد بنفسه حربًا أو عملية عسكريّة. نقيب محمّل بخبرة عملية ونظرية عالية، تخرّج عامَ 1902 بتفوّق ملحوظ وبأحلام كثيرة، وهدف صعب: إبقاء الإمبراطورية العثمانية على قيد الحياة.

صورة لأنور باشا في صِغَره. مصدر الصورة: Türk Ülküsü.

فورَ تخرجه أُرسلَ الباشا إلى البلقان، إحدى أشد مناطق الإمبراطورية فورانًا، وأرضُ انتفاضات ألبانيّة عديدة انتهت باستقلال ألبانيا عام 1912. وعلى مدى قرن قبل هذا التاريخ، عاشت هذه المنطقة، مع بلغاريا واليونان، اللواتي كنّ أراضٍ عثمانيّة، اضطرابات دائمة ومستمرة ناقمة على الدولة، وكانت بيئة خصبةً للحركات السريّة والعسكريّة، بعضها مستقلٌ وبعضها بدعم قوى أوروبيّة، خاضَ أنور حرب عصابات معها، وفي حروبه تلك احترفَ قطاعات الجيش المختلفة من سلاح المشاة للمدفعية والفرسان، وتمرّس في وجه الأرض التي قاتل فيها فعرفَ جغرافيّة الأراضي العثمانيّة في أوروبا.

في سالونيك (مدينة يونانيّة الآن، وُلد فيها مصطفى كمال أتاتورك)، تعرّف أنور على «جمعية الاتحاد والترقّي» وانضم إليها عام 1906، وفي هذه النقطة اكتمل موقف الباشا، الذي نما عبر سنوات، من السلطان عبد الحميد ونظامه الذي رآه الباشا «فاسدًا» و«استبداديًا»، وتحوّل من مجرد موقف إلى الانخراط في عمل منظّم للتخلّص من النظام الذي لا يمكن بفساده الحالي أن يضمن بقاء الدولة العثمانيّة. هكذا قدّر الاتحاديون الموقف في تلك اللحظة. ومن ثمّ بدأوا بالترتيب لثورة دستوريّة، تُعيد تفعيل الدستور العثمانيّ القديم الذي وُضع عام 1868 وفُعّل لعامين، ثم ألغاه السلطان عبد الحميد.

عبد الحميد الثاني.. قصة السُلطان «المُستبد» الذي رفض بيع القدس

ثورة 1908.. السلطان يُغافل ضبّاطه

تميّز الاتحاديّون من بين الجميع بروابط قوية بضباط الجيش العثمانيّ، وضعت القوة الحقيقية في أيديهم، حتّى جاءت لحظة الثورة الدستوريّة؛ القوات العثمانيّة في البلقان، تحديدًا الجيشان الثاني والثالث، تُعلن تمردها وأن المناطق الخاضعة لها خارج حكم السلطان حتّى إقرار الدستور. ولجأ القادة العسكريّون للجبال ليشكّلوا فيها عصابات مسلّحة، ومن بينهم آنذاك أنور باشا.

في هذه الثورة المُرتّب لها، تظهرُ براجماتية الاتحاديين في أقصى تجلياتها، التخفف من الخطاب التركيّ القوميّ لصالح خطاب يدعو للعثمانيّة «Ottomanism» مظلةٍ جامعةٍ لكلّ من يعيش داخلَ الدولة العثمانيّة، من مسلمين وغير مسلمين، محاولةً منهم لجذب الألبان واليونانيين وغيرهم من المتمردين في تلك المناطق لصفّهم، أو على الأقل لكفّ أذاهم عن الاتحاديين.

تقولُ إحدى الروايات التاريخيّة: «إن خبر هذا التمرّد العسكريّ لم يصل إسطنبول، إلا بعد مدة طويلة، تمتدُ لشهر، بسبب مراقبة السلطان للإعلام في عاصمته. وكما ظهرت براجماتية الاتحاديين ظهرت براجماتية السلطان الذي أطلق حملةً مُعاكسة لابتلاع الثورة»، وأعلن للناس: «لقد توصَّلت إلى حقيقة أن الأمة جاهزةٌ الآن لعودة الدستور». ظهرَ السلطان بمظهر الداعمٍ للدستور وكأن ثورةً دستوريّة لم تقع. وعندما خرجَ الناس للاحتفال بالتغييرات الجديدة، احتفلوا أولًا بالسلطان عبد الحميد، ثم بأنور باشا ورفاقه.

مُلصقٌ بريديّ يحتفي بالثورة الدستوريّة، في ترويسته «يحيا الدستور!»، ويظهرُ في منتصفه السلطان عبد الحميد الثاني، وفي يمين الملصق أحمد نيازي بك، أحد رموز الثورة الدستوريّة، وعلى يسار الملصق أنور بك (لم يكن باشا آنذاك). مصدر الصورة: Türk Ülküsü.

أكسبت هذه الحركة السلطانَ عبد الحميد المزيد من الوقت؛ إذ لم يستطع الاتحاديّون خلعه مباشرةً بعد الثورة، فكثيرٌ من سكّان الإمبراطوريّة ينسبون له الفضل في ذلك، وعدا مقدونيا مركز الاتحاديين، هيمنت صورةُ السلطان البطل، على بقيّة الولايات العثمانيّة التي لم تعرف شيئًا مما حدث. إلى حدّ أن الاتحاديين واجهوا صعوبةً في إقناع الناس في الولايات البعيدة بأنّ التغيير الدستوري لم يكن بأمر من السلطان، وإنما نتيجة لثورة دستورية. ولكن السلطة السياسية الحقيقية أصبحت الآن في يدهم، وفرضوا الدستور وألزموا السلطان بالتخلّي عن حقه الحصري بتعيين الصدر الأعظم ووزير الحربيّة. عُقدت انتخابات وشُكّل مجلس برلمانيّ جديد تحكمه يدُ الاتحاد والترقي.

ومن هنا وصاعدًا انتقلت الدولة العثمانية من الاستبداد الحميديّ للاستبداد الاتحاديّ، وفعلَ الاتحاديّون كلّ ما نقموا على السلطان فعله، من رقابة أمنيّة وتضييق سياسيّ على المُعارضين، وفشلٍ فادح في التخطيط السياسيّ، سيظهرُ أثره لاحقًا على سعي الاتحاديين لصون الدولة.

فيديو يُظهر تقدّم الثورة الدستورية في الأراضي العثمانيّة. الاتحاديّون باللون الأزرق والسلطان باللون الأحمر.

بعدَ الثورة رُقّي أنور باشا ونُقل لبرلين ليعمل ملحقًا عسكريًا، وبدأ هناك ببناء علاقات مع ضباط في الجيش الألماني ومعَ قيصر ألمانيا، ولاحقًا استقدم ضباطًا ألمان لتدريب الجيش العثمانيّ. ومن هنا بدأ ميل الباشا للألمان، بدلًا عن البريطانيين والفرنسيين، ميلٌ تعاظم مع الزمن حتى انتهى بتفضيله لألمانيا في الحرب العالمية الأولى على أعدائها.

عسكريٌّ في عصر انقلابات

كان في الجيش العثمانيّ نوعان من الضباط؛ مُعلَّمون، وهم النخبة، تخرجوا من الكلية الحربية وينالون رتبة نقيب دونَ الاختبارات العسكريّة التي يضطرُ النوع الآخر، من الآلاف من الجنود العاديين من أبناء السلك النظاميّ، أن يقدموها، وغالبًا ما يرسبون فيها لأميّتهم.

في 12 أبريل (نيسان) 1909، هبّت رياح انقلابٍ على الدستور وثورة الاتحاديين؛ علماء وطلاب الشريعة خرجوا مطالبين باستعادة الشريعة والحفاظ على الإسلام، يدعمهم جنودٌ من السلك النظاميّ يعلمون أن أنور باشا يخطط لتسريح الآلاف منهم، ويعكسون باحتجاجهم الهوّة بين ضباط التعليم الذين جاؤوا للتوسع على حساب ضباط النظام. طالب المحتجون بإقالة وزراء الحرب والبحريّة الذين عينهم برلمانُ الاتحاديين، وبإقالة الصدر الأعظم والتخلص من بعض ضباط «الاتحاد والترقي» و«استعادة الشريعة».

قوات من جيش الهجوم في طريقها لإسطنبول. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

شيئًا فشيئًا تزايدت أعداد الضباط والعلماء، وانطلقت حملة ضدّ الاتحاديين وضد نوابهم في البرلمان، ومع تطور الأحداث في اسطنبول، اختبأ الاتحاديّون وهربوا من العاصمة، وقُتل 20 ضابطًا منهم على الأقل. وعلى الفور، عادَ أنور من برلين ليقود مع قائد الجيش الثالث، محمود شوكت باشا، جيشًا جديدًا سُمّي بـ«جيش الهجوم»، زحف من البلقان نحو إسطنبول واجتاحها خالعًا السلطان عبد الحميد ليصبح السلاطين من بعده دميةً في يد الجمعيّة. ونفّذت الجمعية إعدامات محدودة النطاق في اسطنبول، وفي الأناضول، على مُثيري التمرد ممن تسببوا في القتل. أسلوب الإعدام، واستخدام القوّة الصلبة المباشرة لحلّ المشاكل السياسيّة أسلوب متكرر في مسيرة «الاتحاد والترقي»، وسيظهر بوضوح شديد في سطوهم على السلطة لاحقًا بقوة السلاح.

جمال باشا.. رفيقُ أنور العنيف

الرواية العربيّة الرسميّة عن هذه الفترة التاريخية مُحمّلة، كما الرواية التركية الرسمية، بتهم الخيانة والغدر، و أحيانًا كما في حالة جمال باشا بالقسوة والظلم، للحد الذي جعل لقبه، جمال باشا «السفّاح»، مشتهرًا عند العرب، وهو أحدُ أهم قادة «جمعية الاتحاد والترقي»، وقائدُ الجيش الرابع في منطقة الشام ومصر أثناء الحرب العالميّة الأولى.

من يمين الصورة: جمال باشا، ثم أنور باشا، وعلى يسار الصورة مفتي فلسطين، كامل الحسيني. مصدر الصورة: Library of congress.

ولكن تدوير هذه الصورة عن العثمانيين في المخيال العربي ليس اعتباطيًا؛ فالدولة العربية ترعى تشويه الفترة السابقة لقيامها أملًا بإحداث قطيعةٍ مع الماضي، وتسهيلًا لبناء التاريخ الحديث لكلّ دولة منفصلًا عن الفترة العثمانيّة. فالرواية السعوديّة عن العثمانيين اضطهادٌ وتجاهل دائم، والروايتان الأردنيّة والسوريّة، روايات عن شبه مُحتلٍّ، لم يُقدم شيئًا للعرب إلا إفقارهم وسلبهم حريتهم وقتلهم. وأمام «السفّاح»، البطل التركي، يبرزُ بطلٌ عربي ملكًا للعرب، الشريفُ الحسين. رمزٌ برمز، واتهامٌ باتهام، هكذا تبني كل دولة حديثة هويتها وتسردُ تاريخها بتشويه السابق والانفصال عنه. تدوير هذه الروايات يتمّ في المدارس، وأحيانًا على شاشات التلفاز، مثلَ حالة مسلسل «إخوة التراب»، الذي أنتجته شركةُ إنتاج مقرّبة من النظام السوريّ وبثّه التلفاز السوري الرسميّ، والمسلسل يحكي في جزئين عن أيام العرب الأخيرة مع العثمانيين وثورانهم ضد «الاتحاد والترقي» وسياسة التتريك، ويظهر فيه جمال باشا بصورة السفّاح.

مقطع من مسلسل إخوة التراب، يظهر فيه إعدام قوميين عرب وجمال باشا يُصدّق على إعدامهم.

ارتبطُ اسم أنور، بشكل طبيعي وتلقائي، باسم جمال باشا، لكونهما في القيادة المركزيّة لـ«جمعية الاتحاد والترقي» بالإضافة لرفيقهما، طلعت باشا. ويبدو أنّ لأنور موقفٌ وسياسةٌ مختلفة عن جمال. شكيب أرسلان، أمير البيان العربيّ وأحد أنشط العرب سياسيًا في تلك الفترة، كتبَ في مذكراته أنه حاول تثبيط جمال باشا عن إعدام القوميين العرب وبعض الأمراء، في دمشق وبيروت، الإعدام الجماعيّ الذي أثار غضبًا وحنقًا واسعًا عند العرب أثناء الحرب العالمية الأولى، دونَ أدنى اكتراث من جمال رغمَ محاولات أرسلان الكثيفة ووساطاته العديدة، بل ويذكر أرسلان أنّ جمال أعاقَه عن الاجتماع بأنور باشا عندما زارَ بلاد الشام حتى لا يفاتحه بهذا الشأن. ولمّا تحايل أرسلان ليجلس بمفرده مع أنور بدا على وجه الباشا علامة عجزٍ عن إيقاف جمال، الذي كان «مستقلًا تمام الاستقلال» في الشام، كما يقول أرسلان.

أنور في ليبيا.. تركيّ في خندقٍ عربيّ

في 1911 اندلعت حربٌ بين الدولة العثمانية وإيطاليا في ليبيا عقبَ الاجتياح الإيطاليّ لها. حزم أنور باشا أمتعته ليذهب للقتال. وقبل خروجه من إسطنبول قالَ له وزير الحربية العثمانيّة، وقائده في القتال في السنوات الماضية، شوكت باشا: «لا جدوى من ذهابك. قد يستميل الإيطاليّون بعض العرب ليقتلوك في الطريق»، وكان جواب أنور عن ذلك: «أهملنا طرابلس الغرب إلى حد لا عذرَ فيه… لا عذر لنا للتراجع».

وبالفعل، انطلقَ أنور وقادَ القوات العثمانيّة، العربيّة والتركيّة، في كلّ ليبيا. وبعدَ وصوله لليبيا جاء شكيب أرسلان ليُقاتل مع مجموعة من رفاقه من لبنان، محمّلا بتبرعات ومعونات من المشرق. ومن المثير أنّ أتاتورك رافقَ أنور باشا في تلك الحرب، ويذكرُ أرسلان ليلةً قضوها، ثلاثتهم معًا، في خندقٍ واحد تحت الرصاص وبين الشظايا، وهناك، في أرض المعركة، نشأت علاقة أرسلان بأنور باشا، وامتدت لأكثر من عقد بعد ذلك.

أنور باشا (يمين) في طرابلس الغرب مع أتاتورك (يسار الصورة)، ليبيا، عامَ 1912. مصدر الصورة: Türk Ülküsü.

مع بداية الاجتياح الإيطاليّ كان التوقّع أنّ الليبيين سيحتفلون بقدومهم، لكرههم لحكامهم العثمانيين. التوقع ذاته الذي انطلقت منه القوات الأمريكية في كثير من اجتياحاتها لدول أخرى. ولكن سرعان ما سقط الوهم الإيطاليّ، فعموم المقاتلين كانوا ليبيين من أهل الأرض عددهم من 40 إلى 50 ألف مقاتل انتظموا تحت قيادة عثمانيّة على رأسها أنور باشا، الذي جاء وغيره من العثمانيون برًا عبر مصر وتونس وتسللوا للبلاد بعد أن أغلقَ الإيطاليون معابرها البحريّة. لم يكن الدعم الإمبراطوريّ متوفرًا، ولم يحبّذ العثمانيّون في إسطنبول إرسال قوات عثمانيّة للقتال أو إرسال موارد كبيرة لاحتياجهم لها في جبهات أخرى، أهمها البلقان التي يمكن أن تقلب الإمبراطوريّة رأسًا على عقب إذا اشتعلت حربها.

لاحقًا بعد قتال عنيف، تخلّت اسطنبول عن طرابلس مع اندلاع حرب البلقان الأولى التي عجّلت بحلٍ دبلوماسيّ تفاوضيّ بين العثمانيين وإيطاليا، أفضى لإخراج القوات العسكريّة العثمانية، وخلال السنوات التالية استطاعت إيطاليا احتلال غربي ليبيا دونَ شرقها بسبب المقاومة المحليّة. ورحلَ أنور عن ليبيا حاملًا معه ذكريات الحرب، ولسانًا عربيًا معقولًا اكتسبه من احتكاكه بجنوده العرب.

«باشا بالقوّة».. أنور ينفّذ انقلابًا عسكريًا

طوال تلك المدّة، بينَ 1908 و1912، حكمَ الاتحاديّون البلاد من الخلف، عبر مجلس النواب. ولكن اضطهادهم للمعارضة، من شيوخ وعلماء إلى الليبراليين والعلمانيين، ورّطهم كما حصل مع السلطان عبد الحميد؛ فتوحّدت المعارضة على كره الاتحاديين، وعملت تحت مظلة حزبٍ واحد لينافس الاتحاديين في الانتخابات التالية عام 1912.

وسمّيت بانتخابات العصاة، لأن الحزب أطلق يده على المعارضة بالتخويف والترهيب، فثار غضب المعارضة واستعانت بضباط من الجيش أعلنوا تمردًا حلَّ حكومة الاتحاديين واستبدل بها حكومة تعيّنها المعارضة. ولسوء حظهم، بدأت حرب البلقان الأولى مع انطلاق حكومة المعارضة الجديدة.

كانت نبوءة أرسلان أنّه ما بعد الحرب في طرابلس إلا الحرب في البلقان، وما للحرب في البلقان، إلا أن تُشعل «الحرب العامّة»، أو الحرب العالميّة كما نسميها الآن. وبالفعل غادرَ أنور طرابلس الغرب مع اندلاع حرب البلقان الأولى نهايةَ 1912 بعد استدعاء العساكر العثمانيين لإسطنبول. خسرت الدولة مساحات جغرافيّة واسعة، من أهمها مدينة أدرنة، عاصمةٌ قديمة ومهمّة في الجانب الأوروبي من أراضي العثمانيين.

في المفاوضات النهائية بعد الحرب الأولى؛ طالبت بلغاريا العثمانيين بالتنازل عن أدرنة بشكل كامل، ومع فشل الحكومة في تحقيق أي انتصارات على الجبهة؛ حان الوقت لانقلاب عسكريّ جديد، ولكن دراميّ هذه المرة.

كانت الحكومة المُعارضة في اجتماعٍ لها في الديوان الحكوميّ، وفجأةً، أغارَ أنور باشا، وبرفقته طلعت باشا عِماد الحكم الثالث في الجمعيّة، ومعهما مجموعة من الاتحاديين، بالأسلحة على مبنى الحكومة، باتجاه مكتب الصدر الأعظم الذي كان في اجتماعٍ مع عدد من وزرائه، وفي طريقهم للمكتب، داخل المباني الحكوميّة، وقعت اشتباكات أدّت لمقتل عدد قليل من الموظفين الذين ردّوا على الاقتحام بإطلاق النار، ومن بينهم وزيرُ الحربية. وفي وسط الجلبة اقتحموا غرفة الاجتماع ومعهم ورقة استقالة الصدر الأعظم، محمد كامل باشا، الذي عينته المعارضة. وقّع الصدر الأعظم استقالته والأسلحة مصوّبة نحوه من كل اتجاه. ثمّ صارَ أنور باشا وزيرًا للحربية، وطلعت باشا وزيرًا للداخليّة، وجمال باشا وزيرًا للبحريّة. وبدأ عصر الحكم الاتحاديّ المُطلق الذي جرَّ الويلات على الدولة العثمانيّة، ورعايها من كل الإثنيات.

فعلى الفور، اتخذ الاتحاديّون قرارًا بالهجوم على أدرنة لاستعادتها، وتمّ ذلك بقيادة أنور بيك الذي رُقّي بعد ذلك ليصير باشا وسطع نجمه في الإمبراطورية.

رسمٌ من جريدة فرنسيّة لاقتحام الباب العالي (مبنى الحكومة) في إسطنبول، ويظهرُ وزير الحربيّة لحظةَ قتله. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

خطأ ثمنهُ الدم.. الباشا والحرب العالميّة

«لعنة الله على أنور وعلى جمال!»، هكذا يستفتحُ شابٌ فلسطينيّ مذكراته عامَ 1915، وهو مجندٌ يعملُ تحت قيادة الجيش العثمانيّ في فلسطين، وتحديدًا في متصرفيّة القدس. «لعنة الله عليك يا أنور ويا جمال وعلى كل من كان على رأيكما.. ماذا تريدون من هذه الحرب يا ترى؟»، ما زال المؤرخون يعيدون طرح هذا السؤال حتى الآن: لماذا دخل الباشوات الثلاثة الحرب العالمية؟ وتنبع أهمية السؤال من وضع الإمبراطوريّة آنذاك: لا مال، ولا سلاح، ولا جهاز دولة متماسك، وللتوّ خرجت الجيوش من الحروب البلقانيّة.

مع اختلاف الأجوبة على السؤال لا يختلفُ أحدٌ على أن الدخول كان خطأ فادحًا، حطّم هدف الاتحاديين بالحفاظ على الإمبراطورية إلى الأبد وقزّمه من الحفاظ على إمبراطوريّة، إلى الحفاظ على دولة مستقلّة، بحدود تركيا الحالية. فلماذا دخلوها؟

ليس الأمر بالبساطة التي يبدو عليها، كانَ للباشوات، وتحديدًا أنور باشا، سياسةٌ تلاعبيّة فذّة، استطاع بها كسب الوقت لأبعد حد دونَ الدخول في عداء مع أحد. ذات السياسة التي استعملها عبد الحميد في علاقاته الخارجية؛ تواصلٌ مع الجميع، ومحاولة لعقد اتفاقات مع الجميع. اتفق آنذاك العثمانيّون، مبدئيًا، مع البريطانيين على اتفاقيّة وُقّعت في يونيو (حزيران) 1914. وقبيل اندلاع الحرب بأيام في أغسطس (آب) من نفس العام، وقّعوا اتفاقيةً أخرى، شديدة السريّة، لدرجة أنهم لم يُطلعوا رفيقهم جمال باشا عليها، مع ألمانيا القيصيريّة بتاريخ 2 أغسطس. وحاولوا قبل ذلك بعام التواصل مع الفرنسيين بغرض التحالف معهم دونَ استجابة.

كان الاتفاق التركي الألمانيّ الأكثر جديّة، وألزم العثمانيين بالتدخل في الحرب مع ألمانيا إن دخلت روسيا، بإغلاق مضائقها المائية على روسيا، فتصبحُ محاصرةً في البحر الأسود ومقطوعةً من إمدادات حلفائها. وبالمقابل على ألمانيا أن تمدّ العثمانيين بالمال والسلاح، والدعم العسكريّ التوجيهيّ اللازم، وهذا فتحَ باب نفوذٍ كبير للألمان على الجيش العثمانيّ. وعلى كلّ حال، كان تقديرُ الباشاوات أن الحرب لن تطول، واعتقدوا خطأً أنّ حليفتهم ألمانيا ستهزمُ روسيا سريعًا.

أنور باشا (يسار الصورة) مع ضابطٍ ألمانيّ في برلين عامَ 1917. مصدر الصورة هنا.

سبب الحركة في كافة الاتجاهات أن الضباط شعروا بعزلة الإمبراطورية الدبلوماسية الشديدة على الصعيد الدوليّ، ومع محاولتهم التواصل مع فرنسا، وبريطانيا، ورفض الأخيرتين لذلك، بَدَت ألمانيا خيارًا جيدًا يُعامل العثمانيين شركاء مساوين لهم لا مُستَعمَرين، مع ضمانات في الاتفاق على حماية وحدة الأراضي العثمانيّة وسيادة العثمانيين عليها، ما لم يكن بالطبع.

دخلت روسيا الحرب في الأول من أغسطس، ولم يلتحق العثمانيّون رسميًا بالحرب ضدّ الحلفاء (روسيا، وبريطانيا وفرنسا) إلا في 11 نوفمبر (تشرين الثاني)، أي بعد ثلاثة شهور. صحيحٌ أن التحالف مع الألمان وفّر للإمبراطورية إمدادًا بالذخيرة والمال، ولكن كلّفها بالمقابل خسائر بشرية هائلة، ولربما انتفعت ألمانيا بهذا الحلف أكثر من الإمبراطوريّة. ولكن وهمًا قادها؛ أنّ إعلان الخليفة للـ«جهاد العالمي»، ضدّ «الكفار» من محور الحلفاء، سيُهيّج مسلمي القوقاز ليثوروا على روسيا ومسلمي الهند والمستعمرات البريطانية ليثوروا على البريطان ومن ثمّ فتحُ عدة جبهات ستشتت الجهود البريطانيّة. أعلن الخليفة الجهاد وحثّ مسلمي الهند على الاستجابة، نداءٌ كانَ بلا مستمعين.

في لحظةٍ ما، قاتل العثمانيّون مليونين ونصف المليون جنديًا بريطانيًا، ما نسبته 32% من القوات البريطانية، على عدّة جبهات مفتوحة: الدردنيل، والسويس، وبلاد الشام، تحديدًا في فلسطين، وفي عسير جنوب السعوديّة وفي اليمن وليبيا، وعند حدود إيران. وبحلول سبتمبر (أيلول) عامَ 1916، اضطرت روسيا لوضع 700 ألف مقاتلٍ لمواجهة العثمانيين في جبهات القوقاز والأناضول وإيران.

وبتوجيهٍ ألمانيّ خاضَ أنور باشا أفظع وأسوأ معاركه على الإطلاق: هجومٌ على روسيا من جبهة القوقاز، في الثلج الذي غطّى الطرق فشلّ الحركة، وخسرَ أنور في تلك المعركة على أقلّ تقدير 20 ألفَ جنديٍ من أصل 75 ألف، منهم من ماتوا قتلًا أو بردًا. وفي السويس، وبتوجيه ألمانيّ أيضًا، قادَ جمال باشا حملتين فشلتا فشلًا ذريعًا أمام البريطانيين. ومع هذه الخسائر الفادحة بدأ نجمُ الباشاوات يهوي.

أما الخسائر فمهولة؛ بانتهاء الإمبراطوريّة من الحرب البلقانيّة، تحوّلت من إمبراطوريّة متعددة القوميات والإثنيات إلى إمبراطوريّة تضمّ بشكل رئيس، العرب والترك، الذين صُبّوا وقودًا للحرب العالميّة، قُتل 243 ألفًا وجُرح 400 ألف، ومات 466 ألفًا بالأوبئة، وجُنّد مليونان و800 ألف، ما يعني 15% من كلّ سكان الإمبراطوريّة، وأُخذ 202 ألف جنديّ سجناء للحلفاء.

كانَ قرار الدخول بالحرب خطأ استراتيجيًا فادحًا، طمسَ ماضي الباشاوات وألقى بالمسؤولية على عمومهم، رغمَ معارضة بعض الاتحاديين الذي واجهه إصرار التيار المُحبّذ لألمانيا في «جمعية الاتحاد والترقي»، بقيادة أنور باشا، الذي أصرّ على استكمال المراهنة، بخسائرها ومكاسبها، بعدَ أن اتضحَ أن الحرب ستطول.

سلطان في القوقاز.. أنور يقاتل السوفييت

اتضحت الصورة وانتهت الحرب؛ أعلن العثمانيّون استسلامهم في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 1918، ورأى الباشاوات الوضع ببساطة كما عبّر طلعت باشا: «انتهت حياتنا السياسيّة»، وبريطانيا وحلفاؤها على وشك اجتياح اسطنبول فهربوا منها؛ سافرَ جمال باشا لأفغانستان ليُحارب ضدّ البريطانيين وقُتل هناك. وانتهى المطاف بأنور وطلعت في برلين، وقُتل على يد ثوريّ أرمنيّ.

حاولَ أنور على مدى عام التواصل مع قادة الثورة البلشفيّة في موسكو، متنقلًا بين برلين والقوقاز، وسُجن في ذلك العام مرتين لدى قوات الحلفاء خمسةَ شهور، عُذِّبَ فيها ثم هرب. وفي مطلع 1920 وصلَ أنور لموسكو ليبدأ ببناء علاقات مع دبلوماسييها وحتى مع لينين شخصيًا، لـ«خدمة الإسلام» في القوقاز كما يقول في إحدى رسائله الخاصّة.

انبنى تحالف أنور مع البلاشفة ليعمل على حلفٍ إسلامي سوفييتي، يستغلُّ فيه أنور شهرته لدى مسلمي القوقاز لتهييجهم لمقاومة البريطانيين. لم يدم التحالف طويلًا وانتهى بانقلاب موسكو على أنور وانقلابه عليها. وصارَ أنور أمام مشاكل لا نهاية لها: الخلافات الداخلية بين المسلمين القوقاز، ومصارعة النفوذ البريطانيّ، وجيشٍ سوفييتي أُرسل لقتاله.

قبر أنور باشا، بعد أن نُقل جثمانه لإسطنبول

سطنبول. مصدر الصورة هنا.

قُتل الثعلب التركيّ في مواجهة مباشرة مع البلاشفة في 4 أغسطس 1922، وطمست الشائعات خبرَ مقتله لشهر كامل. لم يعلم الباشا أنّه أقرَّ حكم موته وموت إمبراطوريته التي عاش خادمًا لها بدخوله الحرب العالميّة. قُتل أنور بذكرياتٍ نحتها الرصاص وعمر قصير، 41 عامًا، أفناها في الخنادق.

المصادر

تحميل المزيد