منذ أن عرف العالم الإسمنت بشكله الحديث في القرن 19، وظهر ما يعرف باسم الخرسانة (Concrete)، تغيرت أشكال البناء المعماري في العالم، وأصبحت الخرسانة الإسمنتية تساهم مساهمة رئيسية في تشييد المباني والصروح الضخمة على مدار 100 عام أو أكثر، ولكن منذ أن بدأ العالم يلتفت إلى أثر تقدمه التكنولوجي والعمراني في البيئة؛ جاءت الخرسانة الإسمنتية على رأس قائمة الأسباب التي تهدد البيئة على كوكب الأرض.

فعملية إنتاج الإسمنت بصفته المادة الأساسية في صناعة الخرسانة واحدة من أكثر الصناعات إنتاجًا لغاز ثاني أكسيد الكربون، الذي يدمر الغلاف الجوي، ويساهم في الاحتباس الحراري، بل إن صناعة الإسمنت تحتل الآن المركز الثالث في إنتاج عوادم ثاني أكسيد الكربون في العالم، بعد وسائل المواصلات التي تستخدم الوقود الأحفوري، ومؤسسات إنتاج الطاقة.

وهذا ما دفع العقول المُبتكرة إلى التساؤل الأهم: ماذا لو اختفى الإسمنت من عالمنا؟ وهل يمكننا الاعتماد على مواد بديلة تنقذ البيئة من التلوث وتعيد للأرض بعضًا من النقاء المفقود؟ فجاءت الإجابات بأن الأمر ليس مستحيلًا تمامًا، وهذه بعض من البدائل التي يمكن للعالم أن يتجه إليها اليوم.

1. «Rammed Earth».. العودة إلى التربة

هذه التقنية تعود إلى آلاف السنين، أي إن عنصر الابتكار فيها ليس جديدًا بالمعنى المتعارف عليه، تقنية البناء بالتربة أو – قوالب التربة للدقة – استخدمت في العصر الحجري الحديث، وهناك بلاد مثل الصين كانت تستخدم التربة المقولبة بكثرة.

البناء باستخدام التربة يتلخص في مزج مواد من التربة الطينية والجير والرمل والحصى، وتعبئتها في قوالب خشبية، ثم تُدق لضغطها وتفريغ الهواء بين جزيئاتها، مع استخدام مواد عزل لتشكيل القوالب وضمها. واستخدمت هذه التقنية في العديد من المباني الأثرية التي تعود إلى عصور قديمة، وكانت بمثابة الطريقة «الشعبية» الأولى في العديد من مناطق العالم قبل آلاف السنين.

ولكن مع تطور الأحجار الاصطناعية والمنحوتة وظهور الإسمنت، قَلَّ الاعتماد عليها، مع أن خبراء البيئة اليوم يرون أنها في حال انتشارها، قد تقلل الاعتماد على الخرسانة الإسمنتية بدرجة كبيرة، خاصة لو طُوِّرت تقنياتها، وانخفضت تكلفتها العالية حاليًا، بخلاف بعض عيوبها مثل محدودية الارتفاع في البناء – المباني الطينية المرتفعة عرضة للانهيارات – وصعوبة إجراء أي تعديلات بعد البناء بعكس القوالب الخرسانية التي يمكن هدم أجزاء منها بدون تعريض هيكل البناء لخطر الانهيار.

2. البلاستيك المعاد تدويره.. مصدر آخر لقوالب البناء

مخلفات البلاستيك أصبحت من أكثر المواد التي يعاني منها كوكب الأرض، وبينما أصبح العالم في حالة اعتمادية كبيرة على البلاستيك، اتجهت الكثير من المؤسسات اليوم إلى الحل شبه المثالي حيال مخلفات البلاستيك؛ ألا وهو إعادة تدويرها لاستخدامات أخرى.

ومن بين هذه الاستخدامات طرح البعض أفكار تتلخص في استخدام مخلفات البلاستيك المعالجة عضويًّا وصنع قوالب خرسانية وألواح جدارية، تصلح لأن تكون بديلًا للإسمنت الخرساني، بل قد تكون القوالب والمواد المصنعة من مخلفات البلاستيك أكثر مرونة وتحملًا للضغط في بعض الظروف البيئية ذات الطبيعة الباردة.

3. «Straw Bales».. هل تتخيل بيوتًا من القش؟

هذا الحل ليس جديدًا تمامًا، فقد بدأ استكشاف هذه التكنولوجيا في عام 1993، عندما بدأت «The Last Straw»، إحدى شركات تدوير القش النباتي والتخلص منه، في ولاية كولورادو الأمريكية، في صناعة مكعبات من القش المضغوط منخفضة التكلفة، واستخدامها في تدعيم الحظائر.

وتحاول الآن أكثر من مؤسسة تتخصص في إنتاج مكعبات القش، الترويج لفكرة صناعة منازل متوسطة الحجم، ومستدامة بيئيًّا من خلال استخدام مكعبات القش – الناتج من حصاد محاصيل مثل الأرز والقمح والشعير وغيرها – عن طريق صناعة جدران متراصة داخل إطار هيكلي من مواد  قريبة في طبيعتها من القش، وأقرب مثال بالطبع هو الأخشاب بأنواعها.

ثم تُغلف الجدران بمواد عازلة صديقة للبيئة، وسهلة التحلل. وفي حالة انتشار استخدام هذه التكنولوجيا سوف يقل تصنيع واستخدام الإسمنت والمعادن، وحتى الأخشاب.

بعض المشكلات التقنية لهذه المادة تتمحور في العزل الجيد لمياه الأمطار، التي قد تسبب تمدد القش وتشققه بعد الجفاف، كما يعد القش خطرًا في حالات الحرائق؛ نظرًا إلى سرعة اشتعاله، ومؤخرًا أظهرت دراسات أن الغبار الدقيق الناتج من القش قد يسبب صعوبات ومشكلات تنفسية للمقيمين فيه، ولكن يأمل العلماء تطوير مكعبات قش مضغوط تتغلب على هذه العقبات؛ لجعل الأبنية أكثر أمانًا، والتقليل من أخطارها.

4. البامبو.. هل يصبح «النبات» بديلًا للحديد والخرسانة؟

سيقان هذا النبات الشهير أصبحت في آخر ثلاثة عقود واحدة من المواد التي تنتشر بكثرة في المناطق القبلية وغير الصناعية في بلدان آسيا. نبات البامبو أيضًا واحد من أكثر المواد صلابة وتحملًا لعوامل التعرية البيئية، بخلاف تميزه بالمرونة الشديدة، التي تساهم في إبقاء الأبنية في حالة آمنة مع تقلبات الطقس.

يستخدم نبات البامبو اليوم بكثرة في صنع دعامات وهياكل المباني والأكواخ في بلدان مثل إندونيسيا وماليزيا وتايلاند، ويمكن أن يكون بديلًا جيدًا – خاصة في الأبنية المتوسطة والصغيرة- لقضبان حديد التسليح المنتشر عالميًّا، والذي تسبب عملية إنتاجه ونقله في انبعاث كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون. كما أن تكلفته تهيئ له أن يكون بديلًا جيدًا لإحلال المباني المتضررة من الكوارث البيئية، مثل الفيضانات والأعاصير.

5. البناء بالفِطر!

منذ ما يقرب من 10 أعوام، وفي بدايات 2010 ابتكرت إحدى الشركات الأمريكية المعنية بتطوير الطاقة، مادة للبناء مستخرجة من جذور الفطر تسمى «Mycelium» والتي تعالَج عضويًّا لتكوين مسحوق استخدمته في صناعة قوالب بناء، ومواد عزل مساعدة للأبنية الخضراء الأخرى، التي تستخدم قوالب القش أو القنب.

هذه القوالب المصنوعة من مادة المايسليوم تتميز بالصلابة والوزن الخفيف، بخلاف كونها مادة عضوية بالكامل، ولا تتأثر بشكل كبير بعوامل الطبيعة الأخرى، بل على العكس يمكنها أن توفر طقسًا جافًّا داخل الأبنية، وهو ما قد يكون حلًّا جيدًا للمناطق الرطبة.

6. «HempCrete».. القنب قد يوفر لنا أكثر من المتعارف عليه

مكعبات «HempCrete» هي تقنية أخرى «خضراء» ظهرت في أوائل الثمانينيات، ولم تحظ بالطبع بالانتشار المطلوب آنذاك، بل كانت مثارًا للسخرية، ولكن مع ازدياد الوعي حول قضايا الاستدامة وتغير المناخ؛ صار الانتباه الجاد نحوها متزايدًا بشكل ملحوظ.

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
صناعة الحشيش: هكذا قد يصبح «المزاج» داعمًا لاقتصاديات الدول

ويحاول العلم من خلالها أن يتفادى الآثار السلبية للخرسانة الإسمنتية وعقبات تصنيعها. هذه الكُتل تصنع على غرار مكعبات القش المضغوط، ولكن المادة الأساسية فيها هي الألياف الداخلية لنبات القنب الشهير الذي اعتدنا أن نستخلص منه المواد المخدرة المفيدة في مجال الطب، والضارة التي يتعاطاها الإنسان. ولكن يبدو أن القنب يمكنه أن يضيف للبشرية فائدة كبيرة أخرى بخلاف استخداماته الطبية.

فبعد معالجة ألياف نبات القنب ومزجها بمستخلص من مادة الجير، تُضغط في أشكال قوالب متينة خفيفة الوزن توفر الكثير من الطاقة المبذولة في صناعات شبيهة، وتوفر تهيئة حرارية جيدة للمباني، بجوار كونها سهلة التحلُّل، وطويلة الاستدامة.

هذا بخلاف أن قوالب القنب هي اليوم واحدة من مواد البناء القليلة أو النادرة، التي تحتوي على نسبة صفر من مخلفات أو بصمة ثاني أكسيد الكربون، التي تعد السبب الرئيسي لتلوث مناخ  الكوكب اليوم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد