لم تعد الشوارع آمنة، إن خلت من السيارات لا تخلو من احتمالات الخطر العديدة أبرزها الخطف، صارت المنازل هي الملاذ الوحيد للأطفال في مراحل الطفولة المبكرة، وازداد الطين بلة مع جائحة كورونا التي قطعت على ملايين من الأطفال متنفساتهم البسيطة، مثل روضة الأطفال والمدرسة والزيارات العائلية، حتى بات كثير من الأطفال لا يعرفون معنى اللعب الحر في الحديقة، وملمس الطين والعشب ومحاولات تسلق الأشجار.

يقضى آلاف الأطفال أيامهم بعيدًا عن الشمس والهواء، طي الجدران هربًا من احتمالات ومخاوف عديدة، لكن يبدو أن للبقاء في أمان ضريبة باهظة يدفعها هؤلاء الأطفال لاحقًا من حالتهم النفسية وبنيتهم العقلية والعلمية، بل مستقبلهم كذلك؛ إذ يتعرض أكثرهم دون قصد إلى «حرمان بيئي» يترتب عليه الكثير مما لا يحمد عقباه.

أولًا: ما هو الحرمان البيئي؟

تُعرِّف الجمعية الأمريكية للطب النفسي الحرمان البيئي بأنه غياب الظروف البيئية التي تحفز التطور الفكري والسلوكي للطفل، كالفرص التعليمية والترفيهية والاجتماعية، وغالبًا ما يرتبط الحرمان البيئي بالعزلة الاجتماعية، وقد يكون شديدًا جدًّا لدرجة الإصابة بالاكتئاب الكاذب.

Embed from Getty Images

في ورقة بحثية قديمة، ناقش البروفيسور جلين نيمنكيت، أستاذ الطفولة المبكرة، وعميد كلية التمريض بولاية كولورادو الأمريكية سابقًا، معنى الحرمان البيئي عند الأطفال، وتحديدًا آثار الاختلافات العرقية والإثنية والثقافية على التعليم، وتوصل إلى أن الطفل المحروم بيئيًّا هو ذلك الطفل الذي وصل إلى درجة لم يطور معها قدرته الفكرية وصورته الذاتية الإيجابية عن نفسه، وغالبًا ما يكون الحرمان البيئي ناتجًا من كم محدود، وجودة رديئة لتواصل الطفل مع البالغين، خاصة والديه.

وأوضح نيمنكيت أنه عادة ما ينخفض التفاعل المذكور بسبب وجود الطفل في منزل به واحد من المواصفات الآتية؛ إذ تساهم هذه العوامل جميعها في التطور الفكري والتصور السلبي للذات:

  • منزل به والدان تحصيلهما التعليمي منخفض. 
  • منزل يغيب عنه الأب أكثر الوقت. 
  • منزل به عائلة كبيرة. 
  • منزل مزدحم. 
  • منزل ترتفع فيه معدلات الإصابة بالأمراض الجسدية والعقلية. 
  • الانهزام النفسي للوالدين. 

بينما يُعرِّف مركز أبحاث البيئة والمجتمع والصحة في المملكة المتحدة الحرمان البيئي بأنه غياب للظروف البيئية المادية التي تساهم في التمتع بصحة جيدة ورفاهية، على سبيل المثال الهواء النظيف، والماء، والحي الآمن، والشوارع المريحة، والمتنزهات. ويؤدي عدم المساواة البيئية والحرمان البيئي عمومًا إلى سوء الحالة الصحية، ويكون سببًا في أحيان كثيرة لدخول المستشفى والوفاة، ولا يتعلق الأمر في هذه الحالة بالثراء المادي، فالثراء المقصود في هذه الحالة هو ثراء الحالة الاجتماعية والبيئية للفرد.

في محاولة منهم لتطوير مقياس الحرمان البيئي، خلص مجموعة من الباحثين إلى أنه مع وجود معايير عديدة لقياس الحرمان البيئي عمومًا ولدى الأطفال خصوصًا، فإن الدور الذي تلعبه البيئة المادية في الحرمان البيئي يعد كبيرًا ومؤثرًا؛ لذا قاموا بتضمين خمسة أبعاد للبيئة المادية، قاسوا على أساسها الحرمان البيئي في عدة بلدان، تتضمن تلك الأبعاد:

  • تلوث الهواء.
  • المناخ.
  • جودة مياه الشرب.
  • توافر المساحات الخضراء.
  • قرب الأماكن الصناعية.

وتبين عبر البحث أن تأثير الحرمان البيئي لا يتوقف عند الأطفال فحسب، ولكنه يمتد ليشمل السكان ككل، ولم يتعلق فقط بجودة الحياة ولكنه كان في بعض الأحيان سببًا في الحياة أو الموت، بدا هذا واضحًا من الأرقام التي أشارت إلى أن البلديات الأقل حرمانًا في المناطق الريفية أظهرت معدل وفيات أقل والعكس صحيح!

وما هي أعراض الحرمان البيئي؟

تعد أبرز أعراض الحرمان البيئي هو تأثر الكلام واللغة عند الأطفال، ربما لهذا احتارت نادية عز الدين (32 عامًا) كثيرًا مع صغيرها الذي لم يكن يعاني من تأخر الكلام، ولكنه يتحدث بطريقة غريبة، تقول: «يعاني صغيري مشكلات سلوكية، وجدت تفسيرًا لها، لكن بقي الأمر الوحيد الذي يعانيه صغيري ولا أجد له تفسيرًا هو طريقة الكلام التي تبدو أصغر من عمره كثيرًا».

Embed from Getty Images

وتضيف خلال حديثها مع «ساسة بوست»: «لم أنتبه للأمر إلا حين وجدت صغيري يضحك بشدة بسبب كلمة عادية جدًّا، كنت أذاكر له الأرقام فنطقت الرقم 11، وإذا به يضحك بعنف، ويكررها ويضحك من جديد، وهكذا الأمر مع كلمات أخرى عادية، يكررها ويجدها مضحكة. حدث ذلك أمام صديقة لي مهتمة بمجال التربية فأخبرتني بأن صغيري يعاني من الحرمان البيئي، أو ما يدعي بالفقر البيئي، لم أكن أعلم شيئًا عن الأمر، سارعت للقراءة فإذا بي أجد أن صغيري محروم بيئيًّا بالفعل، فهو لا يخرج إلا قليلًا، ولا يحتك بالكثيرين ولا يملك وعيًا أو مخزونًا لغويًّا يكافئ أقرانه».

ربما نادية على حق، فبحسب دراسة حول تأثير الحرمان البيئي على تطور الكلام واللغة، وجد باحثون أن آثار الحرمان البيئي سواء خارج الأسرة أو في داخلها، يؤثر في تطور الكلام واللغة بشكل كبير.

النتيجة ذاتها تدعمها دراسة أخرى حول آثار الحرمان البيئي المبكر على تطور النطق، أعطى خلالها الباحثون مجموعتين متطابقتين في العمر والجنس والذكاء، من أطفال ما قبل المدرسة، تعيش المجموعة الأولى منهم في منازل بصحبة أسرهم، بينما تعيش المجموعة الثانية في دور رعاية حكومية للأطفال ضحايا النزاعات الأسرية وغياب العناية؛ مجموعة من الاختبارات اللفظية ثم سجلوا محادثاتهم خلال فترات اللعب الحر، بعدها حصلوا على بيانات حول المفردات وبنية الجمل في ظل ظروف خاضعة للرقابة في محاولة للتعرف إلى قدرة الأطفال على فهم أنفسهم والتعبير عنها في جمل بسيطة وعلى التعبير اللفظي خلال عمليات الاتصال الاجتماعية.

ووجد أن أطفال الحضانة العاديين من خلفيات أسرية تقدموا على الأطفال من دور الحضانة السكنية، ومن بين الاختلافات النوعية التي لوحظت وجود تأخر في المهارات اللغوية لأطفال ما قبل المدرسة الذين عانوا حرمانًا بيئيًّا كبيرًا.

وهذه هي النتائج المترتبة على الحرمان البيئي

يرتبط الحرمان عمومًا، في مرحلة الطفولة المبكرة، بمجموعة من النتائج المؤذية على المدى البعيد، فبحسب دراسة حول علاقة الحرمان ببنية الدماغ، وجد مجموعة من الباحثين من خلال تصوير المخ بالرنين المغناطيسي لمجموعة من الشباب الذين تعرضوا للحرمان الشديد في مرحلة الطفولة المبكرة في دور الأيتام، مقارنة بآخرين غير محرومين، وجدوا أن الحرمان في مرحلة الطفولة المبكرة يرتبط بارتفاع معدلات الاضطرابات العصبية والنمائية العقلية في مرحلة البلوغ، وتغير بنية الدماغ، فضلًا عن أحجام دماغية أقل من أقرانهم.

الدراسة التي لم تصل لكل أبعاد التأثيرات المحتملة للحرمان في المخ، لكن أكدت أن الضرر يكون غير قابل للإصلاح، فحتى لو حدثت عمليات إثراء لاحقة، يبقى الأثر ممتدًا للأبد في بنية وأداء الدماغ وحجمه.

يمكن التعرف إلى آثار الحرمان البيئي بصورة أقرب وأدق حين نتابع تلك الدراسة التي جرى تطبيقها على صغار القرود، للتعرف إلى مدى تأثير الحرمان البيئي في نمو صغار القردة، فقد عانت القردة التي تعرضت للحرمان البيئي من فشل في النمو، نظرًا إلى نقص التحفيز البيئي، وطورت قرود الريسوس الصغيرة التي جرى تربيتها في ظل ظروف من العزلة الاجتماعية الكاملة تشوهات سلوكية جسيمة، نظرًا إلى تشوه نظام التغذية بالتبعية وهو التفسير الأكثر منطقية لفشل النمو الذي قد يحدث في الأطفال الذين تربوا في بيئات محرومة. ناهيك عن تأثيرات الحرمان البيئي في النمو العقلي والبدني ونظام التغذية، يمتد الأمر أيضًا إلى التأثير في العمليات النفسية الأساسية!

آثار تمتد لمرحلة الشيخوخة!

لا تتوقف آثار الحرمان البيئي على الفرد في طفولته أو حتى شبابه ولكنها تمتد لتؤثر في شيخوخته، ففي كتاب «الشيخوخة في أوروبا» يشير المؤلف إلى أن الدور الذي تلعبه البيئات المتماسكة اجتماعيًّا في رضا أكبر عن الحياة لدى أفرادها مقارنة بهؤلاء الذين يعيشون في أحياء سكنية محرومة اجتماعيًّا.

ويقصد هنا بالتماسك الاجتماعي، وجود روابط اجتماعية بين الجيران ومؤشرات للاندماج الاجتماعي وعادة ما تتميز الأحياء المماثلة بشوارع نظيفة وآمنة، ومساحات مفتوحة، ما يساهم لاحقًا في تعزيز تجارب الشيخوخة الإيجابية. في المقابل يرتبط الحرمان البيئي للأفراد بإحساس أكبر بعدم الأمان خلال مرحلة الشيخوخة، ومخاوف بشأن السلامة الجسدية، فضلًا عن إدراكهم للحواجز التي تعوق دون مشاركتهم في أنشطة بمحيطهم.

وهذا ما يمكنك فعله للحد من أثر الحرمان البيئي

يقترح باحثون مجموعة من العوامل التي من شأنها أن تعالج الحرمان البيئي وكذلك معالجة آثاره لدى الأطفال:

  1. اقتراح أنشطة للكلام واللغة في مرحلة ما قبل الدراسة، وكذلك للأطفال الأكبر سنًّا الذين يعانون من خلل في أنماط الكلام واللغة.
  2. جعل محاولات الكلام ممتعة.
  3. تكوين نماذج إيجابية وجيدة للكلام مع فتح موضوعات ممتعة.
  4. زيادة الوعي بالأصوات.
  5. توفير حوافز للطفل من أجل مواصلة الحديث مع عدم توقيفة والتعديل المستمر للنطق والكلمات.
  6. تحسين مفردات الطفل والتأكد من إتاحة الفرصة للحديث خلال المواقف الاجتماعية المختلفة.

عام

منذ شهر
مترجم: هل طفلك «سيكوباتي»؟

 

المصادر

تحميل المزيد