أظهرت دراسات أن الوحدة مرض يفوق في خطورته تدخين السجائر والسمنة ويهدد بخطر بالموت المبكر.

أظهرت دراسات حديثة تزايد عدد الأفراد الذين يقضون الكثير من الوقت في العزلة ففي الولايات المتحدة وبريطانيا يعيش واحد من كل ثلاثة أفراد، تعدوا الـ65عامًا، في عزلة. وهو ما دعا بريطانيا إلى إطلاق برامج للصحة الوطنية، للكشف عن المنعزلين داخل منازلهم.

فيما ربطت دراسات ما بين الوحدة، والإصابة بعدد كبير من الأمراض الجسدية والنفسية، وتزايد معدلات الوفاة. ودرست أخرى التغيرات الهرمونية التي تحدث في الدماغ، عند البقاء في عزلة لفترة 24 ساعة فقط.

ويبدو أنه لا يوجد أحد لم يختبر الشعور بالوحدة والعزلة من قبل، ولكن إن كنت واحدًا ممن يشعر بانعزاله عن الآخرين، ويشعر بالوحدة غالب الوقت، أو لا تجد من تتحدث إليه، سواء للاحتفال معه بمناسبة سعيدة، أو اللجوء إليه عند وقوع مشكلة، ولا تشعر بالقرب من أحد أو أن أحدهم يعرفك جيدًا، أو تفتقر لوجود صديق مقرب في حياتك، فهذا يعني أنك تعاني من إحساس كبير بالعزلة.

انعزال الإنسان في المجتمعات المعاصرة يهدد بفنائه

وأدى نشوء المجتمعات الحديثة، وتغير بنية الأسرة في المجتمع، إلى تنامي الشعور بالوحدة والانعزال، وأصبح المجتمع عبارة عن وحدات منفصلة من الأسر، وقل وجود العائلات الكبيرة والممتدة.

عمل فني بعنوان «الوحدة» لـ هانز توما (المتحف الوطني في وارسو)

فضلًا عن الاقتصاد المضطرب، وطول ساعات العمل، واضطرار البعض للعمل في أكثر من وظيفة وترك أطفالهم، أو ترك الآباء المسنين في دار رعاية، بجانب نمط الحياة الشاق، وهو ما يهدد بالفناء؛ فالإنسان كائن اجتماعي بالفطرة، ولا يمكنه أن يعيش بمفرده. فمنذ بدء الخليقة والبشر يندمجون في جماعات وقبائل، وهو ما أهلهم للنجاة من مختلف الظروف الطبيعية والاجتماعية المختلفة.

وهم الذاتية والتواصل الإلكتروني يجعلان العزلة أمرًا حتميًا

تروج المجتمعات الرأسمالية لثقافة الفردية، وأن منصب المرء هو ما يحدد قيمته وجدارته. وهي ثقافة قد تسحق الأفراد نتيجة التنافسية الطاحنة؛ فيلهثون من أجل إثبات جدارتهم، ومعاناتهم في سبيل ذلك، منالشك بالنفس، وقلة التقدير الذاتي، والاكتئاب، والمزيد من العزلة الاجتماعية.

أدت وسائط التواصل الاجتماعي لمزيد من العزلة (عمل جرافيتي للفنان بانكسي)

على الجانب الآخر، أدى الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي، عوضًا عن التواصل الشخصي المباشر، إلى وجود علاقات سطحية، وغير مرضية لأطرافها. فمع أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن استخدامها باعتبارها وسيلة فعالة لتسهيل التواصل الشخصي، إلا أن الاكتفاء بها يعزز الشعور بالانعزال.

ليس ضروريًا أن تكون وحدك لتشعر بالوحدة

الشعور بالوحدة أمر طبيعي؛ ففقد أحدهم، أو بدء عمل جديد، أو الانتقال من المرحلة الثانوية للجامعة، والتعرف على أشخاص جدد، أو الانتقال لمنزل جديد، كل ذلك يعتبر بيئات جديدة وتجارب مختلفة، يحتاج المرء بعض الوقت كي يعتاد عليها، وعلى الأشخاص المحيطين به. لذا فالشعور بالوحدة أمر متوقع في هذه الأحيان، ما لم يستمر لفترات طويلة.

وفي الحقيقة ليس على المرء أن يكون وحده كي يشعر بالوحدة، بل قد يكون لديه العديد من الأصدقاء. ولكن وجود المرء داخل علاقات لا تمنحه الإشباع الذي يحتاجه، أو الفجوة بين ما يحتاجه المرء من العلاقات الاجتماعية، ورؤيته لهذه العلاقات، هو ما يتسبب في الإحساس بالعزلة.

ذلك ما يتحدث عنه يوهان هاري في كتابه «Chasing the Scream»، مشيرًا إلى أن الإدمان على تعاطي المخدرات يرجع إلى الصدمات العاطفية، والعزلة الاجتماعية، وليس الاعتمادية على المخدرات ذاتها.

الوحدة وباء يصيب جميع الأعمار

ويتعرض جميع الأشخاص من مختلف الأعمار للوحدة، عكس ما هو شائع من أنه مشكلة كبار السن. فالمراهقون على سبيل المثال يعانون من الوحدة، بنسب تتراوح ما بين 20% وحتى 80% وفقًا للدراسات المختلفة.

وهناك نحو50 % من كبار السن الذين يقاسون الوحدة، خاصة بعد تقاعدهم، أو فقدانهم لأصدقائهم، وشركاء حياتهم. ففي بريطانيا وحدها يوجد مئات الآلاف يقبعون داخل بيوتهم في عزلة، وهو ما جعلها تحظى بلقب عاصمة الوحدة في أوروبا.

الوحدة أخطر من السمنة والسجائر

تتزايد مخاطر الوحدة على الصحة العقلية والجسدية، والتي يرافقها انخفاض في السعادة، وازدياد مخاطر الإصابة بالأمراض الجسدية، والاضطرابات العقلية،وتزايد معدلات الانتحار. بجانب وجود عوامل مساعدة في البيئة المحيطة أو التاريخ المرضي، والتي تجعلها الوحدة أكثر ضراوة وتأثيرًا.

وتفوق مخاطر الشعور بالوحدة الأثر الناجم عن السمنة، وتعتبر نذيرًا بالموت المبكر، بنسبة تصل إلى نحو 26%، كذلك يفوق ضررها على الصحة الجسدية ما يسببه تدخين 15 سيجارة يوميًا. نتيجة لما تسببه الوحدة من أمراض بالقلب والأوعية الدموية، وأيضًا السرطان والسكري.

فيما يقترح باحثون أن الضغط الناجم عن الظروف الاقتصادية الطاحنة، بجانب العجز وانعدام الأمل والمعنى، والعزلة الاجتماعية، يرتبط بازدياد الموت المبكر، نتيجة للانتحار أو الإدمان أو أمراض الكبد.

الوحدة مماثلة في تأثيرها للألم الجسدي

استطاع العلماء تحديد مناطق الدماغ، التي تنشط عند شعور الإنسان بالوحدة والنبذ الاجتماعي، ووجدوا أن هذه المناطق هي ذاتها التي تنشط عند اختبار الإنسان الألم الجسدي، فيما يقل نشاط المناطق المسؤولة عن شعور الإنسان بالتعاطف.

وشعور المرء بالوحدة يضع الدماغ في وضع التأهب، وهو ما يجعل الحصول على نوم عميق أمر في غاية الصعوبة، فيتعامل الجسم كما لو أن هناك تهديد محيط به، وهو ما يؤدي إلى نوم سطحي واستيقاظ متكرر.

ويؤدي التعرض للوحدة لفترت طويلة إلى التأثير السلبي على الجهاز المناعي، المسؤول عن مكافحة العدوى. إلى جانب ارتفاع ضغط الدم، وزيادة إفراز «الكورتيزول»، المعروف بـ «هرمون التوتر»، والتعرض المزمن لهذا الهرمون يرفع خطر الموت المبكر، نتيجة لفشل عمل الأعضاء.

كذلك يمكن للمهام الروتينية اليومية أن تصبح شاقة، وفقًا لدراسة أجريت عام2012، كشفت أن نحو 43% من الأشخاص الذين خضعوا للدراسة يشعرون بالوحدة، والتي تسببت في معاناتهم من قلة الحركة، وتعرضهم للموت المبكر بنسبة أكبر، خلال مدة الدراسة التي استمرت ست سنوات.

خطوات للتغلب على الوحدة

ينصح «جون ت. كاسيوبو»، أستاذ علم النفس في جامعة شيكاغو، ومدير مركز علم الأعصاب الاجتماعي والإدراكي بالجامعة، بعد أن قضى أكثر من 20 سنة في إجراء الأبحاث ودراسة الوحدة، بأن يغير الناس الطريقة التي يرون بها الآخرين، وفهم ما يفعله الشعور بالعزلة، وتصحيح السلوكيات المصاحبة له، ومحاولة الشعور بالامتنان والإيجابية.

فقد تتسبب العزلة، وما يرافقها من انخفاض الطاقة وقلة التحفيز،في الشعور بالعجز عن فعل شيء حيالها، والرغبة في الانزواء، وهو ما يؤدي لتفاقمها، إلا أن القيام بخطوات عملية بسيطة، يمكن أن تساعدك أو أحد المحيطين بك في التغلب عليها.

يقترح كاسيوبو أن يبدأ المرء بخطوات بسيطة مثل إلقاء التحية على أحدهم، أوالخروج لتناول مشروب، أو استغلال الوقت في تبادل الحديث مع آخرين، بينما تقف في طابور ما، أو تمشية قصيرة.

كذلك يساعد اقتناء الحيوانات الأليفة في تقليل مستوى التوتر، ويخفض ضغط الدم، وتمنحك رفقة ممتعة مما يقلل الإحساس بالوحدة.

أما إن كنت تريد أن تساعد آخرين، خاصة من كبار السن، في الخروج من العزلة وتقليل إحساسهم بالوحدة؛ فالإصغاء إليهم يعد من أنجح الوسائل. وطلب سماع المزيد منهم، يجعلهم أكثر حماسة ورغبة في إعادة استكشاف اهتماماتهم وأنشطتهم من جديد. كذلك إشراكهم بنقل خبراتهم وتجاربهم لغيرهم يعزز من الروابط الأسرية والاجتماعية.

علاوة على ذلك، علينا أن نغوص عميقًا في اهتمامات من يعنينا أمرهم. ونخلق المزيد من الفرص لتكوين علاقات متينة، وعدم الاعتماد على وسائل التواصل الإلكترونية التي لا تستطيع أن تحل محل التواصل الوثيق، وإقامة علاقات متينة وصادقة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد