«ما أهلّ ذو القعدة إلا والقاهرة خالية مقفرة لا يوجد في شوارعها مارّ، بحيث إنه يمر الإنسان من باب زويلة إلى باب النصر فلا يرى من يزاحمه لكثرة الموتى والانشغال بهم، وعلت الأتربة على الطرقات وتنكرت وجوه الناس وامتلأت الأماكن بالصياح فلا تجد بيتًا إلا وفيه صيحة ولا تمر بشارع إلا وفيه عدة أموات وصارت النعوش لكثرتها تصطدم والأموات تختلط» – المقريزي

أصيبت مصر بالكارثة عام 1348 م وعلى الأرجح فقد انتقل الطاعون عن طريق الفئران في مراكب التجار، فانتشر في الصعيد أولًا ثم وصل إلى القاهرة، وما أن حل عام 1349 م حتى كان هذا وصف المقريزي للحال في مصر، وبينما كان للموت الأسود في القرن الرابع عشر آثار طويلة الأمد على أوروبا مهدت للانتقال من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، فإن آثاره في الشرق الأوسط كانت سلبية إلى حد كبير، وقد شهدت مصر إثر هذه الأوبئة -في أواخر العصر العصر المملوكي- تغيرات كبيرة في كافة نواحي الحياة فيها، تتناول السطور القادمة بعضها وكيف تغيرت الحياة في مصر فلم تعد إلى سابق عهدها أبدًا.

عدوى شديدة الفتك ورعب من يوم القيامة القريب

بدأ الوباء في القرن الرابع عشر، وتتابعت موجات الأوبئة في القرن الخامس عشر أيضًا لتحصد أرواح أعداد هائلة من السكان في الريف المصري، وكانت أغلبها حالات طاعون رئوي أدت إلى الموت السريع ونشرت العدوى بشكل أكبر، وقُدّر عدد من قضوا نحبهم بسبب تلك الأوبئة بنحو ثلث سكان مصر أو خمسهم، ويقدر آخرون نسبتهم بحوالي 40% من السكان، وقال المقريزي إن عدد الوفيات ترواح بين 10 آلاف و20 ألف وفاة يوميًا، وانتشر الموت بين الأطفال.

كانت موجات الوباء تمثل رعبًا حقيقًا للناس كما عبرت عنها كتابات المؤرخين، كان المصاب بالمرض يلقى حتفه بعد ساعات من ظهور الأعراض، فعانت المجتمعات من شعور بعدم الأمان، حتى أن شائعة سرت في أحد أيام الجمعة عام 1438م أن القيامة ستقوم وسيفنى كل البشر، فسارع الناس للاغتسال وصدف أن غُشي على الخطيب في الجامع الأزهر وهو يلقي الخطبة في ذلك اليوم فظن الناس أنه مات، وعاشوا في هلع حقيقي.

تشير أمينة البنداري في كتابها «عوام وسلاطين: الاحتجاجات الحضرية في أواخر العصور الوسطى في مصر والشام» إلى أن هذه الفترة العصيبة شهدت كثيرًا من حالات الانتحار التي ترتبط دائمًا باضطراب المجتمعات، وتذكر كيف بدأ الناس يتأثرون بشكل بالغ بهذا التغيير الذي تسارعت وتيرته فاضطرب النظام الاجتماعي وضربت الدولة أزمات اقتصادية غير مسبوقة، وأُصيب الكثيرون بالانزعاج والاضطراب، حتى أن المصادر تسجل حالات انتحار وجرائم عنيفة تشي بالحالة الاجتماعية التي عاشها الناس في ذلك العصر.

ترصد أمينة البنداري في كتابها أيضًا كيف كتب المؤرخون بشكل اختلف عما اعتاد عليه مؤرخو العصور السابقة، فاهتموا بالكتابة عن أحوال الناس اليومية وأسعار الغلال وأسماء بعض العامة والتجار والحرفيين، وتفسر ذلك بقلق هؤلاء الكتاب من التغير المحيط بهم ورغبتهم والعالم يتغير من حولهم في الإدراك دون أن يستطيعوا فهم التغير ولا السيطرة عليه، في أن يحفظوا على الورق ما بدت عليه مجتمعاتهم.

«وبقيت الأزقة والدروب بما فيها من الدور المتعددة خالية وصارت أمتعة أهلها لا تجد من يأخذها، وإذا ورث إنسان شيئًا انتقل في يوم واحد عنه إلى رابع وخامس» – المقريزي

انعكست الصدمة التي سببتها الأوبئة المتعاقبة على كتابات الأدباء أيضًا، فكثرُ الرثاء وبالأخص رثاء الأطفال، وكتب الفقهاء كثيرًا يواسون الآباء ويشرحون أسباب هذا المصاب من الناحية الدينية أو حتى الطبية، وكثرت الكتابات التي تتعقب الأوبئة في الأزمنة الماضية وكيف واجهها الناس، وتحثهم على الصبر.

أسواق خالية وحوانيت مهجورة

تُركت الكثير من الأراضي الزراعية بلا زراعة، فضلاً عن أن قرى كاملة هجرها سكانها بلغت حوالي 40 قرية من بين حوالي ألفي قرية مصرية، كان السكان في الحقيقة يفرون من الضرائب الباهظة التي لم يعد بإمكانهم سدادها بسبب تناقص أعداد السكان وعدم توافر أيد عاملة في الأراضي الزراعية، ما أدى بالتالي إلى انخفاض كبير في الموارد التي توفرها الأراضي الزراعية للدولة.

نَقَصَ سكان الريف فاضطُر الحكام لتخفيض نسبة الضرائب، وظلت مع ذلك أكبر من أن يحتملها السكان فهجر كثيرون منهم قراهم إلى القاهرة، التي لم يكن أهلها في وضع أفضل، فنقص عدد السكان أدى لنقص المواد الغذائية فارتفعت أسعارها، وتوجس الناس خوفًا من المجاعة، وتراجعت صناعات كثيرة أبرزها صناعة المنسوجات خاصة مع ما واجهه الصناع والحرفيون من المنافسة الأجنبية. يقول المقريزي إن عدد النساجين انخفض من 14 ألف نساج عام 1383م ليصل إلى 800 نساج فقط عام 1434 ، وشهد نسيج الجوخ القادم من أوروبا رواجًا كبيرًا إذ كان أرخص ثمنًا من المنسوجات المصرية.

كما توقفت تمامًا صناعة النحاس المكسو بقشرة الفضة مع منتجات كمالية أخرى لم يعد السكان قادرين على تحمل تكلفة شرائها، وسجّل المقريزي حال الأسواق التي قلّت عدد الحوانيت فيها مثل سوق الشماعين وسوق باب الفتوح وسوق بين القصرين الذي قال إنه كان أعظم أسواق الدنيا قبل أن يضرب مصر الوباء.

«خلت أزقة عديدة وحارات كثيرة، وصارت بحارة برجوان 42 دارًا خالية» – المقريزي

كما رصد المقريزي دليلًا آخر على مدى نقص السكان إذ تحدث عن وجود 29 حمامًا من أصل واحد وخمسين كانت موجودة قبل أن يحل بمصر ذلك «الخراب» ووصف المقريزي كيف صارت هذه الأماكن «خرائب موحشة» بعد أن توقف استخدامها.

تقول أمينة البنداري في كتابها إن موجات الوباء المتكررة أحدثت نقصًا في العمالة في المدن، فارتفعت على أثرها أجور العمال فصارت أحوالهم أكثر رخاء مما كانت عليه في عصر المماليك البحرية واستطاع كثيرون منهم جمع ثروة كبيرة مكنتهم بعد ذلك من شراء المناصب ونيل موقع أفضل.

هلاك المماليك والقرى المهجورة يُفسح الطريق للبدو

تأثرت أعداد الجيوش بشكل ملحوظ، وفقد السلاطين عددًا كبيرًا من المماليك، فتأثر الجيش بشدة إذ مات في الوباء الأول حوالي ألف مملوك وتحملت الدولة تكلفة شراء مماليك غيرهم، واضطُرت لشراء الأكبر سنًا إذ كان الصغار أكثر عرضة للإصابة بالوباء.

هلاك كثير من المماليك دفع الحكام إذًا لاستجلاب غيرهم، وهذا أثر في درجة اندماجهم وغير توازنات وتركيبة الجيش من حيث المرحلة العمرية للمجندين والأجناس المشاركة فيه أيضًا، فانقسمت قوات المماليك إلى فصائل مختلفة ومتنافسة، ووجدت جماعات مسلحة أخرى مكانًا لها؛ هم البدو الذين صار لهم وزن في النظام المملوكي.

تاريخ

منذ سنة واحدة
المقاومة بالأهازيج والشعر.. هكذا سخر العامة من حكامهم المماليك

بتغير التركيبة السكانية وهجر كثير من القرى وانخفاض أعداد سكانها، صار البدو أكثر قوة وتعددت وتكررت هجماتهم على القرى خلال القرن الخامس عشر وتغير الواقع الاجتماعي بالتوازنات الجديدة التي حدثت بين تعداد البدو وتعداد الفلاحين، فحضر البدو بقوة في مناطق الريف وفي صعيد مصر، وصار لهم دور يوازي دور المماليك في القلعة في القاهرة.

كان البدو هم المصدر الرئيسي للماشية ودواب الركوب في مصر والشام في العصر الوسطى، وكانوا يستوطنون مصر العليا مما أتاح لهم السيطرة على إمدادات الحبوب من الصعيد إلى القاهرة ومدن الشمال وطرق التجارة مع السودان.

عمل البدو في الزراعة أيضًا ولم تكن كل القبائل رعوية، واستطاعوا السيطرة على إمدادات الحبوب من الصعيد إلى المدن الأخرى في الشمال، وهكذا صاروا يمثلون تهديدًا لأهل المدن خاصة حين تتوتر علاقتهم بالسلطة، كانت السلطة تشن حملات متكررة عليهم كلما احتاجت لتوفير الماشية والمواد الغذائية للجيش أو لسكان الحضر، ومن جانبهم كان البدو يردّون بحركات تمرد بالاستيلاء على الغلال في مواسم الحصاد والتحكم في انتقالها للمدن، وفي موسم الحج أيضًا كانوا يهاجمون القوافل طلبًا لمزيد من المال من الدولة مقابل حمايتهم، وهو ما كانت القبائل تعتبره حقًا عرفيًا لهم عندما تمر القوافل في مناطق نفوذها.

الأوبئة لم تكن وحدها

المتأمل للتغيير الذي حدث في بر مصر من الباحثين المحدثين يختلف في تفسير أسبابه، لكن الباحثة أمينة البنداري ترى أنه كان نتاج تضافر عوامل مختلفة، كان معدل نمو السكان ضعيفًا في الأصل وأتت الأوبئة متعاقبة لتقضي على عدد كبير واستغرقت مصر زمنًا طويلًا ليعود لها الاستقرار السكاني، واجتمع على الناس الأوبئة التي كانت تحدث تقريبًا كل خمس سنوات في تقدير بعض المؤرخين فبلغ عددها 28 وباء في عقود قليلة، وكوارث طبيعية أخرى مثل الفيضان الشديد عام 1354م والمجاعة التي حدثت عام 1375م وانخفاض فيضان النيل عن حاجة البلاد عام 1394م، مع كل هذا كان على رأس السلطة حكام ضعاف وصغار السن نسبيًا فتنازع على الحكم الأمراء من حولهم وضاع بينهم تدبير أمور البلاد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد