لم تكد الواردات الهندية من تركيا وماليزيا تنتعش بالزيادة الكبيرة التي حققتها العام الماضي، حتى أعلنت نيودلهي منتصف يناير (كانون الأول) الماضي عن خطةٍ احتجاجية لخفض وارداتها من منتجات النفط والصلب من تركيا، وتخفيضٍ مشابه لوارداتها من البترول وسبائك الألومنيوم والغاز الطبيعي المسال وقطع غيار الكمبيوتر والمعالجات الدقيقة من ماليزيا.

ولم يكن هذا القرار هو الأول من نوعه في الآونة الأخيرة، بل سبقه تخفيض مشابه يتعلق بسلع أخرى غير النفط والصلب. فقبلها بثلاثة أشهر فقط، في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، خفضت الهند صادراتها من المعدات العسكرية الحساسة، والمواد ذات الاستخدام المزدوج، مثل: المتفجرات والصواعق، إلى تركيا، وهو القرار الذي استبعد مسؤولون هنود إعادة النظر فيه قريبًا بحسب تصريحات نقلتها صحيفة إيكونوميك تايمز الهندية. 

ما مدى تأثير «التخفيضات الاحتجاجية» الهندية على الاقتصاد التركي؟

لتحديد مدى تأثير هذه الخطة الهندية على الاقتصاد التركي، نحتاج أولًا إلى تحديد نسبة هذه التخفيضات قياسًا إلى إجمالي الصادرات التركية؛ لنجد أن صادرات تركيا من الحديد والصلب (إلى مختلف دول العالم) تبلغ 9.9 مليار دولار (5.8٪ من إجمالي صادراتها)، وصادراتها من وقود المعادن، بما في ذلك النفط، يبلغ 7.3 مليار دولار (4.3٪ من إجمالي صادراتها). 

جدير بالذكر أن أكثر من نصف إجمالي الصادرات التركية (51.9٪) يذهب إلى مجموعة من الدول ليست الهند من بينها: ألمانيا (9٪ من الإجمالي العام)، المملكة المتحدة (6.3٪)، إيطاليا (5.4٪)، العراق (5.2٪)، الولايات المتحدة (4.7٪)، فرنسا (4.5٪)، إسبانيا (4.5٪)، هولندا (3.2٪)، إسرائيل (2.5٪)، روسيا (2.3٪)، رومانيا (2.2٪)، الإمارات العربية المتحدة (2.1٪).

في المقابل، يتضح أن حصة المعدات العسكرية من صادرات الدفاع الهندية إلى تركيا متواضعة، بيد أن الصادرات ذات الاستخدام المزدوج، مثل: أسلاك التفجير وصمامات الأمان والمتفجرات المستخدمة في البناء والتعدين، تمثل جزءًا كبيرًا وهامًا من الكعكة التجارية بين البلدين.

أيضًا هناك صفقة بقيمة 2.3 مليار دولار لبناء سفن دعم بالتعاون مع حوض بناء السفن التركي، أصبحت هي الأخرى موضع تساؤل، في ضوء المخاوف الأمنية التي أثارتها الهند على خلفية العلاقات الدفاعية المتنامية بين تركيا وباكستان، والقلق من إمكانية استخدام هذه المعدات ضد المصالح الهندية، خاصة في خضم التوتر الإقليمي حول إقليم كشمير. 

ما هو السبب المعلن وراء هذه القرارات الهندية؟

السبب الذي ساقته الهند لتبرير هذه «التخفيضات» هو: أنها احتجاجٌ بلغة المال على انتقاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لسياستها في كشمير، وإدانة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد لقانونها الجديد الذي يحرم المسلمين من الجنسية، ناهيك عما تعتبره انحياز أنقرة إلى جانب إسلام أباد في عدد من القضايا الإقليمية والدولية، مثل دعم عضوية باكستان في مجموعة موردي المواد النووية، ورفض إدراجها على القائمة السوداء لجهاز الرقابة المالية العالمي (فاتف).

منطقة الشرق

منذ 3 شهور
جنود مودي قتلوا 25 هنديًّا.. ماذا تعرف عن المظاهرات التي تجتاح الهند الآن؟

صحيحٌ أن الهند بدأت في التواصل الجاد مع تركيا، حليف باكستان التقليدي، منذ عام 2016. وكان رئيس الوزراء ناريندرا مودي من بين القادة القلائل الذين اتصلوا بالرئيس أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016. لكن ختى في ذلك الحين أعلنت أنقرة أنها وجدت بعض الخيوط التي قادتها إلى متورطين من جماعة جولن في مومباي، وقدمت «أدلة ووثائق» إلى الحكومة الهندية لملاحقتهم قانونيًا ووقف أنشطتهم. 

صحيحٌ أيضًا أن الرئيس التركي اختار الهند لتكون أولى محطات رحلاته الخارجية بعدما استتبت له مقاليد الأمور في عام 2017، ومنذ ذلك الحين، انتعشت العلاقات التجارية، وبدأت شراكة بين البلدين في مجالة «مكافحة الإرهاب»، لكن حتى في تلك الزيارة كانت كشمير حاضرة بقوة، وحث أردوغان على إطلاق «حوار متعدد الأطراف» لتسوية هذه القضية لمرة واحدة وإلى الأبد.

هل بمقدور حكومة «مودي» تدمير جسور التجارة مع تركيا بجرة قلم؟

برغم ذلك كله، تبقى الهند واحدة من 17 دولة مستهدفة في الخطة الرئيسية التي وضعتها وزارة التجارة لزيادة الصادرات الوطنية. وسيكون من الصعب أن يستطيع قرار حكومة مودي أن يمحو بجرة قلم الجهود التي بُذِلَت والجسور الدي دُشِّنَت بين البلدين طيلة سنوات على صعيد القطاعين العام والخاص.

وخير شهود على ذلك: رجال الأعمال الهنود، من مختلف القطاعات، مثل: تكنولوجيا المعلومات وصناعة الأدوية والمنسوجات والغذاء، الذين زاروا إسطنبول لمدة ثلاثة أيامٍ كانت مشحونة بالتفاؤل بمستقبل أكثر تعاونًا بين البلدين، خلال الفترة من 18 إلى 20 سبتمبر (أيلول) من العام الماضي.

كان يحدوهم نموّ حجم التجارة بين الهند وتركيا بنسبة 22٪، ليصل إلى 8.7 مليار دولار، وإعلان الهند أنها تطمح إلى زيادة حجم التجارة المتبادلة لتصل إلى 10 مليارات دولار في عام 2020، ثم الانتقال إلى هدف أكثر طموحًا بحلول عام 2025، حسبما أعلن السفير الهندي في تركيا، سانجاي بهاتاشاريا. 

والمنتجات الرئيسية التي تستوردها الهند من تركيا تتجاوز الأسلحة والنفط والصلب- محل التخفيضات المخطط لها- بل تشمل أيضًا: الأحجار الكريمة وشبه الكريمة واللؤلؤ والمعدات الكهربائية والإلكترونية والآلات والأجزاء الخاصة بالمفاعلات النووية والمواد الكيميائية العضوية.

أيضًا هناك زيادة ملحوظة في عدد السياح القادمين من الهند إلى تركيا منذ عام 2017. إذ ارتفع عدد السياح الهنود في تركيا إلى 129 ألفًا في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى يوليو (تموز) في ذلك العام من 43 ألفًا في الفترة ذاتها من العام الذي سبقه.

ولا أحد ينكر العقبات التي تقف في طريق التجارة بين البلدين، مثل: الأولويات السياسية، والتحالفات الإقليمية والدولية، والاختلافات الثقافية، وحتى عدم كفاية عدد الرحلات الجوية، والرسوم الجمركية العالية، والتصاريح البيئية، والتأخير في العقود. بيدَ أن للهند وزنًا اقتصاديًّا معتبرًا، يُغرِي تركيا بتذليل هذه العقبات؛ إذ نما اقتصادها في  عام 2018 بنسبة 7.3٪ إلى 2.6 تريليون دولار. وبلغت وارداتها 523 مليار دولار، وصادراتها 338 مليار دولار. 

«صنع في الهند».. كيف ستضاعف الهند صادراتها الدفاعية في 5 سنوات؟

من المفيد قراءة هذه التطورات في ضوء مبادرة «صنع في الهند» التي حددت نيودلهي بموجبها هدفًا طموحًا يتمثل في مضاعفة صادراتها الدفاعية إلى خمس مليارات دولار، خلال السنوات الخمس المقبلة، حسبما أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في خطابه الافتتاحي للنسخة الحادية عشر من معرض «DefExpo» الدفاعي الذي أقيم في لكناو، عاصمة ولاية أوتار براديش شمال البلاد، يوم الخامس من فبراير (شباط) 2020، بمشاركة ألف شركة، من بينها 172 مُصَنِّعًا أجنبيًّا، وبحضور وزراء دفاع 38 دولة.   

وتُصَدِّر الهند نحو 170 مليار روبية (2.4 مليار دولار) من المنتجات الدفاعية، التي تُصَنِّعها في المقام الأول المصانع الحكومية والشركات الخاصة، مثل «L&T» و«Bharat Forge» و«Tata»، وتشمل: سفن الدوريات البحرية، والهليكوبتر القتالية، والطائرات القتالية الخفيفة، وأنظمة المراقبة الساحلية، وقطع غيار الرادارات، إلى جانب بنادق المدفعية وحاملات الطائرات والغواصات. 

وفي السنوات الخمس الماضية، ارتفع عدد التراخيص الدفاعية التي تُصَدِّرها الهند إلى 460 رخصة، مقارنًة بـ 217 رخصة فقط أصدرتها نيودلهي حتى عام 2014. ووضعت الحكومة الهندية خريطة طريقة لزيادة توظيف تقنيات الذكاء الصناعي في قطاع الدفاع، استنادًا إلى النماذج الأولية المختلفة التي أطلقتها بالفعل، وتطمح خلال السنوات الخمس المقبلة إلى تطوير ما لا يقل عن 25 منتجًا مرتبطًا بتقنيات الذكاء الصناعي. فهل تتحمَّل تركيا استبعادها من هذه الكعكة الشهية؟

شطرا المعادلة.. إطلالة على صادرات الهند الدفاعية ووارداتها

صحيحٌ أن أهم العملاء الذين تُصَدِّر لهم الهند منتجاتها الدفاعية هم: إيطاليا وسريلانكا وروسيا وفرنسا، لكن لا يمكن عزل هذا القطاع عن إجمالي الصادرات الهندية إلى تركيا التي ارتفعت إلى 148.64 مليار روبل من بـ 33.09 مليار روبل في أبريل (نيسان) 2014 (1 دولار = 71.1800 روبية هندية)، بحسب إحصائيات ترايدينج إيكونوميست. 

وفي المقابل، بلغت صادرات تركيا إلى الهند بواقع 5.19 مليار دولار أمريكي خلال عام 2018، وفقًا لقاعدة البيانات الإحصائية لتجارة السلع الأساسية (Comtrade) التابعة للأمم المتحدة. وإن كانت هذه المليارات الخمسة من الصادرات التركية إلى الهند تمثل جزءًا ضئيلًا من البضائع التي شحنتها أنقرة إلى مختلف أنحاء العالم في عام 2019، وبلغت قيمتها 171.1 مليار دولار أمريكي.

صادرات تركيا إلى الهند من 2010 إلى 2018. المصدر: قاعدة البيانات الإحصائية لتجارة السلع الأساسية (Comtrade) التابعة للأمم المتحدة، ترايدينج إيكونوميست. 

ولتتضح الصورة أكثر، لا بد من استحضار الشطر الآخر من المعادلة؛ فالهند هي ثاني أكبر مستورد للأسلحة في العالم بعد المملكة العربية السعودية، بواردات دفاعية تبلغ قيمتها حوالي 10٪ من الحصة العالمية، وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وكانت قبل وقت قصير أكبر مستورد للأسلحة في العالم ما بين عامي 2013 و2017.

ورغم أن القوات المسلحة الهندية، المثقلة بالطائرات والسفن الحربية القديمة، بحاجة ماسة إلى الأموال اللازمة لتحديث عتادها، فإنها مضطرة إلى تخفيض حجم وارداتها الدفاعية، التي تمثل حوالي 10٪ من الإجمالي العالمي، بموازاة زيادة حجم صادراتها؛ تحت وطأة انخفاض نموها الاقتصادي إلى 4.5٪ في الربع الثالث من عام 2019، من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول)، وهو أدنى نمو ربع سنويّ منذ ست سنوات. 

قراءة «التخفيضات الهندية» في سياق التوجهات الأمريكية والأوروبية 

من الناحية الاقتصادية، كيف يمكن التوفيق بين هذا الهدف الهندي الطموح لزيادة صادراتها الدفاعية، وإعلان نيودلهي خفض صادراتها الدفاعية إلى تركيا؟ بينما المنطقي أن يحدث العكس، خاصة في ظل انخفاض مبيعات الهند من الأسلحة إلى 46 مليون دولار في عام 2018 من 56 مليون دولار في عام 2017. 

صادرات الأسلحة الهندية. المصدر: ترايدينج إيكونوميست، معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

جزء من الإجابة ربما كان مرتبطًا حينها بـتصريحات سفير الولايات المتحدة في الهند كينيث جوستر بشأن مساعدة الهند على جذب مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية، في مقابل العقوبات التي تلوح بها واشنطن في وجه أنقرة على خلفية صفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400»، التي بدأت تركيا اختبارها بالفعل أواخر العام الماضي، فضلًا عن حرمانها من مشروع تطوير مقاتلة إف-35 الأمريكية، الأغلى في العالم.

وربما تكتمل صورة تخفيض الصادرات الدفاعية الهندية، إذا وُضِعَت إلى جانب قرار تسع دول أوروبية (هي: جمهورية التشيك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة، إلى جانب كندا) وقف أو تقييد إصدار تراخيص لتصدير الأسلحة إلى تركيا، بعد توغلها العسكري في شمال سوريا.

صحيحٌ أن الهند هي الأخرى ظلت لفترة طويلة تستورد أكثر من نصف أسلحتها من روسيا، تليها إسرائيل والولايات المتحدة باعتبارها أكبر مصدر للواردات الدفاعية التي تحتاجها نيودلهي. لكن بعدما كانت الهند هي المستورد الرئيسي للأسلحة الروسية خلال الفترة ما بين عامي 2014 و2018، انخفضت وارداتها من الأسلحة الروسية بنسبة 42٪ خلال الفترة ما بين 2009-2013 و2014-2018، بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

ولتتضح أهمية هذه العقوبات/التخفيضات الهندية-الأمريكية-الأوروبية، من المفيد معرفة أن تركيا كانت خامس أكبر مستورد للأسلحة الرئيسية في العالم، خلال الفترة من 1991 إلى 2017، ولطالما اعتمدت تاريخيًا على الولايات المتحدة وأوروبا لتلبية احتياجاتها الدفاعية والأمنية. 

وفي عهد الحكومات التركية التي كان يهيمن عليها الجيش في الثمانينيات والتسعينيات، وصلت واردات أنقرة من الأسلحة الأمريكية إلى مستويات قياسية. وبمرور السنوات، كانت الولايات المتحدة هي أكبر مُصَدِّر للأسلحة إلى تركيا، إذ وفرت 60٪ من إجمالي وارداتها بين عامي 2014 و2018. 

ومن بين الدول الأوروبية، كانت فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة هم الموردين الرئيسيين، وحصلت أنقرة بموجب هذه العقود على طائرات مقاتلة وصواريخ وطائرات هليكوبتر ودبابات وسفن وغيرها من الأسلحة التي لا يزال الجيش التركي يستخدمها حتى الآن. 

هل تلبي صناعة الدفاع المحلية الاحتياجات العسكرية التركية؟

تصريح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بأن تركيا «تنتج الآن أكثر من 70٪ من معداتها العسكرية»، يدعمه ارتفاع صادرات الأسلحة التركية خلال الفترة ما بين عامي 2014 و2018 بنسبة 170٪، مقارنة بالفترة من 2009 و2013، وبحلول عام 2018 ، كانت تركيا في المرتبة 14 من بين أكبر الدول المصدرة للأسلحة في العالم.

وفي قائمة أكبر 25 دولة مُصَدِّرة للأسلحة الرئيسية خلال الفترة ما بين 2014 و2018، تحل تركيا في المرتبة 14، بينما غابت الهند، التي حضرت في المقابل على رأس قائمة أكبر 40 دولة مستوردة للأسلحة الرئيسية خلال الفترة ذاتها بعد المملكة العربية السعودية، وفق إحصائيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI).

الإنفاق الدفاعي التركي خلال عَقد (2008 – 2018) – المصدر: معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بي بي سي.

صادرات السلاح التركية خلال عَقد (2007 – 2017). المصدر: رابطة مصنعي صناعة الدفاع والفضاء التركية (SASAD)، بي بي سي. 

لكن محلل الدفاع يفوني-ستيفانيا إفستاثيو يقول في تصريحات نقلتها بي بي سي: «ليس من السهل إجراء تقييم دقيق لمدى تلبية صناعة الدفاع التركية للاحتياجات العسكرية الوطنية»، ويلفت إلى أن ما تسميه تركيا عادةً: «أنظمة محلية»، إنما هي في الواقع: أسلحة تعتمد على تراخيص أو مكونات فرعية مستوردة، وهو ما يعني ضمنيًا: أن تضييق خناق الصادرات الدفاعية -مهما كان حجمه- حين يتضافر مع العقوبات الأمريكية والأوروبية -الحالية أو المتوعَّدة- فإنه لا يصب في مصلحة تركيا، على الأقل في المدى القريب. 

المصادر

تحميل المزيد