منذ أيام أُعلِن رجب طيب أردوغان رئيسًا للجمهورية التركية، وتأتي رئاسة أردوغان في ظروف وملابسات مختلفة تمامًا عن غيره من الرؤساء السابقين للجمهورية التركية، جاء أردوغان عبر اقتراع شعبي مباشر وهو أول اختيار لرئيس تركي بهذا الأسلوب؛ مما يجعل أردوغان مميزًا عن 11 رئيسًا تركيًّا سابقًا جاؤوا عبر تحالفات انتخابية.

استطاع أردوغان أن يحسم معركة الرئاسة من جولة واحدة فاز فيها بأغلبية 52%، فمن هو هذا الرجل الذي ظل رئيسًا للوزراء 12عامًا، وها هو يصبح رئيسًا لفترة أولى بمدة خمس سنوات؟

أردوغان وزوجته

طفل البطيخ والليموناضة

كان أردوغان أخًا لأربعة أولاد لرجل فقير يدعى أحمد، وكان عاملاً بسيطًا لدى فرقة لخفر السواحل بمدينة “ريزة” الساحلية، تنقل أردوغان من حيٍ فقير إلى حيٍّ فقيرٍ آخر. واظب أردوغان على دراسته، وحتى يستطيع استكمالها كان يساعد والده في مصروفاته ومصروفات المنزل فكان يبيع ـ صيفًا ـ البطيخ والليموناضة والكعك بالسمسم، ثمَّ عندما كبر قليلاً صار لاعبًا نصف محترف لكرة القدم طوال عشر سنوات، ثم حصل في النهاية على شهادته في إدارة الأعمال من جامعة مرمرة.

رئاسة بلدية إسطنبول

بدأَ أردوغان حياته السياسية مع أحد قادة الحركة الإسلامية في تركيا، نجم الدين أربكان، اندمج أردوغان في العمل السياسي مع الرجل وأحبه لدرجة أن أطلق اسمه على أحد أولاده (نجم الدين بلال)، واجه أربكان لحظات شديدة تدخل فيها العسكر وأنهى فترة رئاسته للوزراء وحظر أحزابه المتتالية.

كانت أول مواقف المواجهة بين أردوغان والسلطة في تركيا عام 1980، عندما أبلغه رئيسه في هيئة المواصلات ببلدية إسطنبول ـ وهو عقيد متقاعد ـ أنه يجب عليه أن يحلق شاربه فرفض أردوغان الشرط واستقال من منصبه.

بعدها بأربعة عشر عامًا أصبح أردوغان رئيسًا لبلدية إسطنبول عام 1994 لينقل إسطنبول نقلة نوعية، في بداية رئاسته البلدية قام بتوزيع مليون شجرة لتزرع في إسطنبول، وقام بتنظيف الخليج الذهبي الذي كان مكبًّا للنفايات، وصار أحد معالم مدينة إسطنبول السياحية. أكسبته رئاسته لبلدية إسطنبول شعبية واسعة انتقلت إلى تركيا كلها.

من السجن إلى السلطة!

استنادًا إلى شعبيته الجارفة لبَّى أردوغان دعوة من مدينة سيرت وألقى بها خطابًا في مكان مفتوح، ألقى أردوغان أثناء الخطاب أبياتًا شعرية للشاعر “ضيا غوك آلب” يقول فيها:

قبابنا خوذاتنا

مآذننا حرابنا

والمصلون جنودنا

واستندت الدعوة إلى تهمة استنهاض مشاعر العداوة والغضب بسبب الخطاب الديني، وحكم على أردوغان بالسجن، حسب العديد من الكتَّاب فإن النظر في حظر حزب الفضيلة في تلك الفترة كان سببًا في سجن أردوغان. وبعد حظر حزب الفضيلة انطلق أردوغان ورفاقه لتأسيس حزب العدالة والتنمية الذي سيغير وجه تركيا الحديثة.

فاز حزب أردوغان بأغلبية مقاعد البرلمان عام 2002، ولم يستطع أردوغان ترأس الحكومة بسببب تبعات الحكم بالسجن عليه، بعدها بأشهر تولى مهمَّته، فبدأَ سياسات منفتحة تجاه العرب والمسلمين، كذلك تجاه أوروبا، وسياسات داخلية أكثر تقبُّلاً للأكراد حيث زار مدينة ديار بكر وقابل زعيمهم مسعود البرزاني وسمح لهم بالخطبة بالكردية، وغيرها من السياسات المريحة للأكراد، بشكلٍ عام دأب أردوغان على محو صلته بأية حركات إسلامية، وصلة حزبة بأية أيديولوجية بالإسلام السياسي، وكان يؤكد دومًا أن حزبه علماني يحافظ على الإرث الأتاتوركي.

مع البارزاني زعيم الأكراد أثناء زيارته ديار بكر

مواقف حاسمة

عرف أردوغان باتخاذ مواقف حاسمة تجاه العديد من القضايا، أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2009، ندد أردوغان بالعدوان الإسرائيلي، وأثناء منتدى دافوس بنفس العام غادر أردوغان منصة المؤتمر احتجاجًا على عدم إعطائه الوقت الكافي للرد على الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، ورغم العلاقات العسكرية القوية بين البلدين قد شن أردوغان حملة سياسية شديدة على إسرائيل منددًا بموقفها تجاه غزة وموقفها تجاه أسطول الحرية الذي أبحر من تركيا في محاولة لفك الحصار الإسرائيلي على غزة.

“أردوغان في منتدى دافوس”

أردوغان مع إسماعيل هنية

في بداية الثورة السورية اتخذ أردوغان موقفًا مؤيدًا للتغيير الذي يطلبه الشعب السوري، ورغم صداقته الشخصية لبشار الأسد إلا أنه اتخذ موقفًا أقوى عندما قام النظام بهجمات عسكرية على المظاهرات المنددة بحكمه، تعتبر تركيا الآن أكبر البلاد قبولاً للسوريين حيث تجاوز عدد اللاجئين السوريين في تركيا المليون لاجئ.

لا شكَّ أنَّ أردوغان قد نقل تركيا نقلة كبيرة، يشهد له فيها أعداؤه أيضًا رغم الخلاف السياسي والأيديولوجي الظاهر، هذه النقلة الكبيرة التي جعلت الشعب التركي يختاره رئيسًا رغم كونه كان رئيسًا للوزراء لمدة 12 عامًا متتالية!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد