بعد إعلان نتائج الانتخابات المحلية التركية في أواخر مارس الماضي، والتي أسفرت عن فوز حزب العدالة والتنمية بنسبة كبيرة من الأصوات – حوالي 45% – تسود حالة من الترقب في الشارعين التركي والعربي بانتظار الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في الـ10 من أغسطس المقبل، خاصة فيما يتعلق بمرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم في هذه الانتخابات.

[c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

ففي منتصف العام القادم – 2015 – يأتي موعد الانتخابات البرلمانية التركية، ومعها يتم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان 3 فترات كاملة – 12 عامًا – كرئيس لوزراء تركيا، بينما تمنع اللائحة الداخلية للحزب الحاكم بقاء نائب أو وزير في منصبه لأكثر من 3 فترات، بما يعني –وطبقًا للائحة الحزب – أن أردوغان لن يكون من حقه الاستمرار في رئاسة الحكومة لولاية رابعة.

لذلك يتصاعد الجدل في الشارع التركي حول هوية الخليفة المنتظر لأردوغان – الرجل الأقوى في حزبه بل وفي تركيا كلها ربما باتفاق الجميع -، وجدل آخر لا يقل أهمية حول مستقبل أردوغان السياسي نفسه حال تركه لمنصب رئيس الوزراء، لذلك يترقب الجميع إعلان حزب العدالة والتنمية لمرشحه في الانتخابات الرئاسية القادمة، والذي ستُحدِّد هويته بشكل واضح خارطة السلطة الجديدة التي يسعى الحزب لتمريرها من خلال الانتخابات الرئاسية ثم البرلمانية.

وكانت صحف تركية وعالمية قد نشرت أنباء عن اجتماع لحزب العدالة والتنمية يوم الخميس الماضي، صوتت خلاله أغلبية الحزب على ترشيح أردوغان للانتخابات الرئاسية القادمة، بينما لم تتناول الأنباء أي خطط بشأن خطة الحزب لمنصب رئيس الوزراء الذي سيصبح شاغرًا باستقالة أردوغان، كما لم تصدر أي تصريحات رسمية للحزب بهذا الصدد إلى الآن.

 

أولاً: سيناريوهات ترشح أردوغان لمقعد الرئاسة “أردوغان رئيسًا”

[c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

علي باباجان

يرتبط تنفيذ هذه الخطة بعدة معوقات أولها صلاحيات الرئيس المحدودة في الدستور التركي والتي لا تناسب شخصية أردوغان، بينما تلقى أطروحات أردوغان لتعديل الدستور لصالح توسيع صلاحيات الرئيس انتقادات واسعة وتلاحقها شبهات “الشخصنة”، ويعد إعادة طرحها أمرًا مكلفًا خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها تركيا في الأشهر الأخيرة.

أما ثاني المعوقات فهو أنه في حال اختيار أردوغان الترشح للرئاسة فإنه سيكون مضطرًّا للتنازل عن موقعه كرئيس لحزب العدالة والتنمية لصالح شخص آخر، الأمر الذي سيفتح ملفًا لن يقل جدلاً حول خليفة أردوغان في رئاسة حزب العدالة والتنمية.

كما ترتبط هذه السيناريوهات بتحدٍ رئيسي يتعلق بطبيعة الانتخابات الرئاسية القادمة في تركيا التى سيجري الاقتراح فيها بشكل مباشر من قبل الجمهور – 53 مليون ناخب – لأول مرة، بعد تعديل نظام انتخاب الرئيس الذي كان يتم سابقًا عبر البرلمان.

 

جوهر التحدي هنا يتعلق بحاجة أردوغان لتأمين أكثر من 50% من الأصوات من أجل حسم المعركة الانتخابية، وهي نسبة لم يستطع الحزب تأمينها بمفرده في أي استحاق انتخابي على مدار تاريخه، بينما تشير نتائج الانتخابات البلدية إلى حصول حزب العدالة والتنمية على حوالي “44% من إجمالي الأصوات”، بينما أمن الحزبان المعارضان الرئيسيان “حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية” مجتمعيْن نفس النسبة تقريبًا، بما يعني أن أحزاب المعارضة قد تكون لديها فرصة لا بأس بها للمنافسة، حال اتفاقها على مرشح واحد لمواجهة أردوغان.

أما التحدي الأكبر- والأكثر صعوبة – يتعلق بالتأكيد برغبة أردوغان وحزبه في حسم المنافسة عبر جولة واحدة، حفاظًا على صورة الزعامة لأردوغان في أول رئاسية انتخابات مباشرة في تاريخ تركيا، وهو الأمر الذي سيضطر معه الحزب حتمًا إلى تأمين تحالفات خارجية ربما مع حزب السلام والديمقراطية الكردي – حوالى 5% من الأصوات في الانتخابات الأخيرة – الذي سيسعى للحصول على أكبر مكاسب ممكنة، وهو ما قد تستغله المعارضة في تأمين تصويت القوميين الأتراك ضد أردوغان.

 

 

(1) سيناريو تبادل المواقع بين أردوغان وجول “سيناريو بايبورت”

الأمر شبيه بما حدث في روسيا؛ حيث حل رئيس الوزراء الروسي الحالي ديمتري ميدفيديف محل فلاديمير بوتين في منصب الرئيس عام 2008، في وقت أصبح بوتين رئيسًا للوزراء وتبادلا المواقع مرة أخرى في عام 2012؛ حيث صار بوتين رئيسًا بينما عاد ميديديف رئيسًا للوزراء.

يُعد هذا السيناريو الأكثر تداولاً في وسائل الإعلام التي يجزم بعضها بشأن حدوث اتفاق بشأنه، ويقضي بتقديم أردوغان لاستقالته من منصبه كرئيس للوزراء استعدادًا لخوض الانتخابات الرئاسية بما يعني أن مقعد رئيس الوزراء سيصبح شاغرًا، ولا يمكن لجول أن يشغله في الوقت الحالي، نظرًا لعدم تمتعه بالصفة البرلمانية، بما يعني أهمية إجراء انتخابات برلمانية تكميلية يترشح من خلالها جول لينال الصفة البرلمانية.

وينص القانون التركي على أنه لا يمكن إجراء الانتخابات البرلمانية مبكرًا إلا في حالتين، الأولى شغور 5% من المقاعد النيابية على مستوى كل تركيا، أو شغور المقاعد النيابية لمحافظة بكاملها، سواء بالوفاة أو بالاستقالة، ولذلك ستتجه الأنظار حينها الى استقالة نواب محافظة يكونون تابعين كلهم إلى حزب “العدالة والتنمية”، أو استقالة نائب محافظة “بايبورت” الوحيد الذي ينتمي إلى الحزب أيضًا، واستقالة نائب واحد ستكون أسهل على حزب “العدالة والتنمية” من أن يستقيل نواب محافظة بأكملها، وتُعرف هذه الخطة إعلاميًّا بـ”خطة بايبورت” التي تقضي باستقالة نائب محافظة بايبورت على أن يترشح غول مكانه لينال الصفة البرلمانية ويصبح بالإمكان انتخابه رئيسًا للوزراء من قبل البرلمان لحين موعد الانتخابات البرلمانية الجديدة، واستكمالاً للخطة يتم انتخاب جول – قبل ذلك – كرئيسٍ للحزب من قبل المؤتمر العام عقب استقالة أردوغان.

تصطدم هذه الخطة بحقيقة أن التوافق السياسي بين أردوغان وجول ليس في أفضل حالاته، فالعام الماضي شهد تباينًا بينهما في المواقف في أكثر من قضية بداية من أحداث تقسيم إلى مواجهات أردوغان القضائية وإغلاق موقعي التواصل الاجتماعي، تويتر ويوتيوب، على خلفية نشر تسريبات اعتبرها أردوغان تضر بمصلحة تركيا، وأخيرًا والأهم المواجهة الشرسة التي يخوضها أردوغان ضد جماعة السيد فتح الله كولن التي يصفها أردوغان بـ”التنظيم الموازي” ويعلن حربًا علنية على رموزها في مؤسسات الدولة، بينما لا يزال جول يحتفظ بعلاقة جيدة مع الجماعة؛ حيث يوجد عدد من أعضائها في فريقه الاستشاري.

مؤخرا أبدى عبدالله جول – في تصريح له لوسائل الإعلام – استبعاده لحصول سيناريو “بوتين – ميدفيديف”، مشيرًا إلى أنه ليس السيناريو الأفضل لنقل السلطة في تركيا، وأضاف غول في مؤتمر صحفي –الجمعة- قائلاً: “أريد أن أعلن أنني ليس لدي أي خطط سياسية (في هذا الشأن) وسط الظروف الحالية”، وأوضح الرئيس التركي أنه لا ينظر إلى الأمر على أنه تبادل للسلطة مع أردوغان، مضيفًا أن المحادثات لا تزال سارية حول هذا الشأن.

(2) أردوغان رئيسًا، ورئيس آخر للوزراء غير عبدالله جول

يستند هذا السيناريو إلى حالة اللاتوافق سالفة الذكر بين أردوغان وجول، إذ ربما يفضل أردوغان – في حال ترشحه للرئاسة – أن يستعين في موقع رئيس الوزراء بشخصية أخرى من حزبه تكون أكثر توافقًا مع سياساته ومعاركه التي يخوضها ضد نفوذ جماعة كولن في مؤسسات الدولة.

وفق هذا السيناريو فإن مسيرة جول السياسية – على الأقل في حزب العدالة والتنمية- تقترب من النهاية أو التقلص؛ حيث سيتم الدفع بشخصية أخرى غير جول إلى موقع رئيس الحزب ثم مقعد رئيس الوزراء، بينما ربما يتقلص دور جول إلى تولي أحد الحقائب الوزارية، مما سيفتح أبواب الجدل على مصراعيها حول الأسماء المرشحة لخلافة أردوغان – حال استبعاد جول – وربما يكون أبرزها وزير الاقتصاد علي باباجان أو وزير الطاقة تانر يلدز، يأتي خلفهما نائب رئيس الوزراء بولنت إرينتش، ثم وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو.

 

ثانيًا: سيناريوهات بقاء أردوغان كرئيس للوزراء

 [c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

ربما تكون الميزة الأكبر لهذه الخطة أنها لن تتطلب إجراء تغييرات كبيرة، كما أنها لن تستدعي أي محاولات لإجراء تعديلات دستورية لزيادة صلاحيات الرئيس فكل ما يتطلبه الأمر هو تعديل اللائحة الداخلية للحزب.

 

(3) أردوغان رئيسًا للوزراء وجول رئيسًا “الحال على ما هو عليه”.

يبدو هذا السيناريو أكثر أمانًا؛ حيث يعطي الحزب فرصة أكبر لتأمين الاستحواذ على المقعدين بنسبة كبيرة، فمن ناحية فإن فرص الحزب في الحصول على الأغلبية البرلمانية في استحقاق عام 2015 تبدو مضمونة في ضوء نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، ومن ناحية أخرى تبدو فرص جول في تأمين مقعد الرئاسة – حال ترشيحه من قبل الحزب وبالتالي ضمان الأصوات المؤمنة للحزب – أكثر وفرة من أردوغان؛ حيث يتمتع جول بقبول نسبي داخل الأوساط المعارضة وأنصار جماعة فتح الله كولن أكثر بكثير من أردوغان، كما أن شخصية جول لن تدفع المعارضة للتكتل ضده خلف مرشح واحد مما قد يعزز فرصه في تأمين المقعد.

يصطدم هذا السيناريو باللائحة الداخلية للحزب التي تمنع أردوغان من الترشح للنيابة البرلمانية – المؤهلة لمقعد رئيس الوزراء – لفترة رابعة، وهي القاعدة التي أبدى أردوغان أكثر من مرة إصراره على التمسك بها.

لا يتطلب الأمر لتمرير هذا السيناريو أكثر من اجتماع للتصويت على تعديل اللائحة الداخلية للحزب وهو أمر شبه مضمون – إذا رغب فيه – بخاصة مع النفوذ الكبير الذي يتمتع به أردوغان داخل حزبه.

 

(4) أردوغان رئيسًا للوزراء ومرشح آخر للرئاسة غير جول

يستند هذا السيناريو على غياب التوافق بين أردوغان – كرئيس لحزب العدالة والتنمية – وبين الرئيس الحالي عبد الله غول، الأمر الذي قد يدفع الحزب نحو التفكير في مرشح آخر أكثر توافقًا مع سياساته، لكن تبقى هذه الخطة محفوفة بالمخاطر نظرًا لأهمية شخص الرئيس في انتخابات تجري بالاقتراع المباشر، وصعوبة الدفع بوجه جديد في ظل تربص المعارضة ورغبتها في انتزاع المقعد خاصة مع ضعف فرصتها في الفوز بالانتخابات البرلمانية وبالتالي تأمين مقعد رئيس الوزراء.

عرض التعليقات
تحميل المزيد